أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / القصيدة اللوحة عند الشاعرة ليلى بارع والفنان عبدالله بلعباس – محمد سعود

القصيدة اللوحة عند الشاعرة ليلى بارع والفنان عبدالله بلعباس – محمد سعود

القصيدة اللوحة عند الشاعرة ليلى بارع والفنان عبدالله بلعباس

محمد سعود*

 

علاقة التشكيل بالشعر علاقة قديمة جدا وكذلك بفنون أخرى ، وليست وليدة هذا العصر ، وتطورت بشكل ملحوظ مع القرن الواحد العشرين نظرا لظهور وسائط جديدة ساهمت بشكل كبير في توطيد هذه العلاقة ، وإذا حولنا النبش في  ماضي هذه العلاقة سنجد أن المعلقات لا تختلف عن توظيف الشعر في الفن المعاصر فالقصائد معلقة ومكتوبة بماء الذهب وعلى سند يختلف عن الجلد أو الرق ، فهي بمثابة تجهيز في الفراغ وسوق عكاظ هو بمثابة أداء حي حيث كان شاعر القبيلة يشكل هوية بصرية وثقافية لها ، كما تجاوز الشعر علاقته بالتجهيز في الفراغ والأداء الحي إلى مجال الدعاية والإشهار للمنتوجات وكلنا يتذكر سياق قصيدة الشاعر الأموي ربيعة بن عامر الدرامي، والمُلقب بالمسكي التي مطلعها قل للمليحة في الخمار الأسود .

هذه العلاقة نجدها بقوة وبشكل جلي في الشعر الصيني والياباني خاصة عند الرسام توزا موتسيكي في القرن السابع عشر ولكن تطورها في أوروبا كان في القرن العشرين خاصة عند أرتور رامبو في «استنارات»، ورسومات بودلير لقصائده وتجربة مالارميه في التشكيل الطباعي التي استفاد منها الشعراء المغاربة خاصة محمد بنيس وأفرد له حيزا كبيرا في كتابه ظاهرة الشعر المغربي المعاصر. وتأثر العرب بهذه المزاوجة بين القصيدة واللوحة خاصة مع المد للمد القومي العربي الذي كان له تأثير بالغ في ظهور أرضية خصبة للإقلاع الثقافي والفني في العالم العربي ، ونتيجة لهذا المد حاول الفنانون خلق نوع من التحرر في الفنون التشكيلية عن الأساليب الأكاديمية السائدة في الغرب، ولعل أهم ما استرعاهم في خلق تيار فني هو استلهام التراث خاصة الخط العربي ، لأنهم وجدوا فيه بعض مقومات الفن التشكيلي

ولم تكن هذه الموجة من الحروفيين التي نراها سائدة في توظيف الحرف لخدمة الشعر والتشكيل إلا امتدادا لتجارب الفنانين العراقيين خاصة بعد ظهور بيان ” نحو الرؤية الجديدة ” الذي كان ينص على أن ” الماضي ليس شيئا ميتا ندرسه بل هو موقف يتخطى الزمن ليوجد تدليلا إنسانيا شاملا ، له جانباه التشكيلي والنفسي في آن واحد ،”

ونذكر بعضا من هذه التجارب المهمة قصيدة سعدي يوسف «تحت جدارية فائق حسن» التي نقتطف منها هذا المقطع :

إن الحمامات مذبوحة، والجدار الذي قد بنيناه بيتا وغصنا،

ينز دما أسودا، ويهز يدا مثقلة.

وقلنا لسعف النخيل وللسنبل الرطب: هذا أوان

الدمـوع التي تضحك الشمس فيها، وهذا أوان

الرحيل إلى المدن المقبلة.

ومن التجارب المغربية نذكر تجارب التشكيل الكاليغرافي للقصيدة عند محمد بنيس وأحمد بلبداوي وغيرهما وكلك تجربة الفنان والباحث محمد زبيري الذي وظف مهارته في قواعد الخط العربي والزخرفة وموهبته في الشعر للربط    بين الشعر والتشكيل من خلال اختيار الباب في الشعر المغربي، ،لما للباب من رمزية وحمولة فكرية، ،ورصد هذه الكلمة بحمولتها كما وظفت في بيت شعري أو أكثر قد .. وليست كلمة مجردة من سياقها اللغوي ،هو الباب في الشعر المغربي حيث بحث الفنان عن هذه المفردة ووظفها في مائة مقطع ،، ونفذ مشروعه الإبداعي في ثلاثين لوحة معلقة على قضبان حديدية وكأنها معلقات طرزها الفنان بزخارفه وخطوطه.

ومع حلول القرن الواحد والعشرين توطدت العلاقة بين الشعر والتشكيل   وذلك بفضل الإمكانات الكبيرة التي يتيحها الفن المعاصر من إنشاءات جمالية ووسائط جديدة ، ولم تعد هذه العلاقة محصورة في الكتب والمجلات وظهرت الكثير من التجارب تبنتها   متاحف وشركات وكذلك جامعات ودور نشر . وتم نهج سياسة ثقافية منذ عام 2002 وعرفت بـ “قانون المتاحف”، وأصبح الشعر يجاور الفنون البصرية إلى درجة أن ظهر ما يسمى الشعر الزائل المدون على الجدران ، وقد قدمه الكاتب إيف باجي Yves Pagès في كتابه ” انظروا، لقد أعادوا صباغة الجدران! ” مختارات من الحكم الحضرية Tiens, ils ont repeint !

ans d’aphorismes urbains de 1968 à nos jours 50

. ويوثق فيه الكتابات الجدارية التي صادفها خلال رحلاته (من باريس إلى نيويورك وموسكو، مرورًا بمرسيليا وليون وليل وبوردو) منذ عام 1968 وحتى يومنا هذا. تسلط هذه المجموعة من النصوص الضوء على ” شعر الزوال “،  وتتُشكّل مجموعة إيف باجيس أكثر من 4000 رسمة جدارية من مختلف أنحاء العالم على مدى الخمسين عامًا الماضية، نُسخت بدقة، وحُدد تاريخها، ووُضعت في مواقعها – سجلًا فريدًا. سجلٌ لبهجة الكلمة البليغة والشعر العابر،  ولابد أن نشير إلى أن هذه العلاقة بين الشعر والفنون البصرية فيما يُعرف بـ “الشعر الآخر” اليوم الذي يمتزج بالفنون الصوتية والبصرية والتسجيلية، مكتسبًا بذلك البُعد الجمالي والدلالي للأعمال المتداخلة الوسائط التي حددها الفنان ديك هيغينز Dick Higgins أحد أبرز مؤسسي حركة فلاكسس (Fluxus)منذ ستينيات القرن الماضي في” بيان التداخل الوسائطي ” ،  وهي الفترة التي ظهر فيها فن الشارع وكذلك مفهوم الفن المعاصر وعصر الشاشة (الفيديو سفير).

وفي نفس السياق أي القرن الواحد والعشرون في علاقة القصيدة بالفن المعاصر لا بد أن نذكر بالإنشاء الجمالي للفنان المغربي نور الدين مضران الذي شكله من 21 قطعة من الخبز الباريسي ، حيث قام الفنان بتجويف الخبز وإزالة اللباب كي يتخذ شكل القارب ، ويضع الفنان عمله الفني في سياقه الزمني وهو القرن الواحد والعشرون ،   .

واليوم نحن أمام تجربة جديدة للشاعرة ليلى بارع والفنان عبدالله بالعباس ، وهي تجربة تتزاوج فيها القصيدة مع فن البورتريه وهنا تكمن جدتها واختلافها عن تجارب أخرى ، فرسوم البورتريه ليست هنا توضيحية ولا تزيينية للقصائد بل تحضر في نفس المساحة والفضاء ، وبمعنى أخر هي استغلال كامل للفضاء النصي ، فلم يعد البياض فراغا بل تحول بدوره إلى كتلة ، ولم نعد نتحدث عن لعبة الأبيض الذي يؤثث فضاء الورقة والأسود الذي هو تشكيل طباعي لحروف القصيدة بل هي لعبة جديدة يحضر فيها الخط واللون بشكل جلي بوجوه أنثوية غير منتهية كالقصيدة التي لا تنتهي في نفس الصفحة ،  ولذلك سأركز على الفضاء النصي الذي يؤدي دورا كبيرا ومحوريا في تشكيل الهوية البصرية للنص، متجاوزاً المألوف في القصيدة إلى البعد الجمالي والسيميائي ، فالمثير في هذه البورتريهات أن الوجوه وإن تعددت فإنها تبدو بعين واحدة ،وكما نعلم أن العين علميا عضو مستقبل للمرئي ولكن حسب الكثير من الثقافات خاصة ثقافات شعوب البحر الأبيض المتوسط فهي لا تكتفي  بالتلقي بل بالإرسال ،ولذلك ترتبط بنفث السحر وأحيانا الشر، قد تكون العين الشريرة و نخفف من وطأة الإرسال فنقول نظرت اليك بعين الرحمة.. وهنا في هذه الرسوم لها أثر إيجابي فحسب موسوعة الرموز: «ترتبط العين دائمًا رمزيًا بالنور و«ملكات الإدراك الروحي».» ، فهي في هذا الديوان عضو مرسوم ثابت في المكان لا يمكن لها الرؤية ولا النظر. ولكن هي مبعث رسائل يختلط فيها الجمالي بالدلالي، لان العين أصلا مرتبطة بالشعر ولذلك نقول عيون الشعر او عين القصيدة. لان هذه الأخيرة في هذا الديوان تجاوزت السماع لتحضر بقوة شعرية العين. وفي سياق هذه المقاربة ، يحاول الفنان الإمساك بالتمفصلات والتداخلات بين القصيدة واللوحة سواء بقصدية أو غير قصدية. لان الفنان ليس ملزما بالشرح لآنه قام بالمقاربة بصريا ويبقى الدور على المتلقي في التأويل. خاصة متلقي القرن الواحد والعشرين الذي يختلف تماما عن المتلقي قبل أجيال الفا وz وy, هذا الجيل المهووس بسيل جارف من الصور المكثفة .

وفي هذه التجربة نجد أنفسنا أمام سؤال مهم :  أنحن أم قصيدة أم لوحة ؟ أو هما معا ؟   أ سنقارب نصا شعريا أم نصا بصريا ؟ وهي الأسئلة التي يطرحها الفن المعاصر وكذلك الإبداع بمختلف أنواعه فيما يعرف بالأشكال الإبداعية الهجينة ليس بمعناها اللغوي ولا العلمي بل بمعناها الفني الخالص ، لأن الكثير من الأعمال الفنية أصبحت صعبة التصنيف قد نسميها تجهيزات في الفراغ أو إنشاءات جمالية أو أداءات حية ولكنها في الجوهر أعمال هجينة تغذو وتتعدى من فنون أخرى ووسائط رقمية جديدة .

من خلال استعراضنا الموجز لبعض النماذج المهمة في الشعر التشكيل التي نتمنى لها الاستمرار ، لتكون ذات تأثيرات كبيرة على الأجيال اللاحقة وتخلق تراكما هاما في الأعمال الفنية والكتابات النقدية .وأن تكون هذه التجارب واعية وذات تصور واضح تضفي قيمة بصرية وتنصهر في رؤى التشكيل المعاصر بتجريب أشكال جديدة من التعبير وأن تبتعد عن اللصق التعسفي لنصوص شعرية عل لوحات أو وسائط أخرى ، وهنيئا لنا جميعا بهذه التجربة التي تستحق الإشادة والمتابعة .

فنان تشكيلي وباحث من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

جمهورية انقطاع الانترنت: خيال طوباوي – ليال الحربي

ليال الحربي*   الدولة العراقية تتخذ قرارا تاريخيا لا يقل شأنا عن اكتشاف النار، فالنار …

اترك تعليقاً