الرئيسية / الأعداد / القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

  القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام

بدر متشو*

 

تقديم:

يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر المغربي ياسين بعبسلام، من خلال ديوانه الأول (سأنشد موّالي)، الحائز على جائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها السابعة والعشرين سنة 2023م، والصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة في طبعته الأولى سنة 2024م. ولبيان هذه النزعة، قسمت هذا المقال إلى أربعة محاور، هي: اليأس والكآبة، والإحساس بالوحدة والتيه. والشكوى من الزمان، والموت ورثاء النفس.

مدخل:

القلق في اللغة من مادة (قلق)، وهو: “الانزعاج. وأقلقَ الشيءَ من مكانه وقَلَقَه: حركه. والقَلَقُ: ألا يستقر في مكان واحد، وقد أقلقهُ فَقَلِقَ.”. (لسان العرب: مادة (قلق)، ج10/ 323-324).

أما القلق الوجودي فهو إحساس عميق بالحيرة والتوجس، ينبع من أسئلة وجودية كبرى، تغوص في ماهية الوجود، والإنسان، والموت، والزمن… وهذا القلق الفلسفي يحضر في الشعر العربي من خلال مسببات متعددة، أبرزها التحولات التاريخية التي عرفها العالم العربي منذ نكبة فلسطين إلى الآن، وما ترتب عنها من أسئلة وجودية كبرى، بالإضافة إلى تأثر الشعراء بفلسفة سارتر الوجودية.

وقد عرف الشعر العربي، قديمه وحديثه، هذا القلق الوجودي لدى الشعراء، غير أنه اتسم لدى القدماء بالحكمة والتأمل، واحتدّ عند الشعراء الحداثيين حتى تجلى على شكل صراع داخلي حاد، متصل بالفلسفة الوجودية. وقد عُرف بعضهم بهذه النزعة القلقة في الكتابة الشعرية، إذ نلمسها في أشعار طرفة بن العبد مثلا في العصر الجاهلي، ونجدها جليّةً وطاغية على غيرها عند المعري في العصر العباسي، وتكاد تغلب على رواد القصيدة العربية الحديثة أيضا، أمثال: بدر شاكر السياب، وأدونيس، وصلاح عبد الصبور وغيرهم.

وليس أرهفَ إحساسا من الشاعر، فهو يعبر عن نظرته إلى الحياة والأشياء بأسلوب يأسر المتلقي، ويَغرق من خلاله في عمق تجربته الشخصية، كما يعبر عن شديد تأثره بما حوله من المتغيرات، فيخرج شعره سيَّالا نضّاحا بكل ما يحيط به، مَصوغا بنظرته الشخصية إلى الوجود.

ومن خلال ما يأتي، سأتتبع مظاهر القلق الوجودي في شعر ياسين بعبسلام من خلال المحاور التالية:

أولا: اليأس والكآبة

ثيمتا اليأس والكآبة ليستا غريبتين عن الشعر العربي منذ القديم، وقد كانت كآبةً مرتبطة بإحساس الشاعر الشخصي، تنبع من شعوره بالغربة، أو الشيخوخة، أو فقدان الأحبة، أو ناتجة عن تقلبات الدهر وغيرها مما يثير ويُعمّق في نفسه الإحساس باليأس الوجودي والضيق. وقد تجسدت مَسحة الأسى هذه من خلال تعبير الشعراء عن صراعهم الأبدي ضد الزمن أو المكان، باعتبارهم دائمي الترحال، وهذا ما يولِّد لديهم نوعا من الاغتراب الزماني والمكاني. إضافة إلى تعبيرهم عن أوجاع الفقد والفراق، ولا أدل على هذه الأخيرة من الوقفة الطللية للشاعر الجاهلي في مطلع قصيدته. وقُلْ ذلك عن القصيدة القديمة في مختلف أطوارها.

أما إذا انتقلنا إلى الشعر العربي الحديث، فإننا نجد هذه الثيمة قد استفحلت في القصيدة الرومانسية، حتى وصلت أوجها في شعر التفعيلة، فاتسع حضور اليأس والقلق من الوجود، واكتسى هذا الشعور طابعا جماعيا مرتبطا بإحساس العربي بالغربة في وطنه، جراء الاستعمار والنكبات السياسية المتتالية، فخيّم على الشاعر العربي الإحساس بالضياع والأسى والتشاؤم من المستقبل. ونماذج هذا النمط من القصائد متعددة، نجدها عند بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وغيرُهم كُثُر جدا.

أما شاعرنا ياسين بعبسلام فشعره لا يخلو من هذه المسحة من الكآبة، بل تكاد تغلب على جل قصائده في هذا الديوان، وأظنها راجعة إلى فترة الشباب وما يصاحبها من أحاسيس مضطربة تجاه الوجود والأشياء. فهو شاعر شاب نشر ديوانه الأول في الثلاثين من عمره. ولعل أول ما استوقفني في تتبع هذه الثيمة في هذا الديوان، هو عناوين بعض القصائد المغرقة في السوداوية، فقد كتب (على قيد الشقاء)، ويتخيل اسمه (نقشا على الشاهد)، ويتوقع (الضجر في الأبدية)، ويستجدي (ستة عشر بحرا لغرق واحد)، فيرى نفسه (كأنه راكض خلفه)، وحين يسأم من واقعه المضجر (ينزح إلى أقصى المجاز)، ويُعمِّد نفسه (وارثا للشعراء) يرث عنهم همَّ القصيدة ورحلة الشقاء.

ويعبر ياسين عن حجم اليأس الذي يملأ قلبه، في صورة يجعل فيها لليأس ثمارا تنضج في وريده، يشبهها بالسر الذي يلقيه الشيخ في قلب مُريده، فيجعله متعلقا به طوال حياته، مثل تعلق ثمار اليأس ونضجها في أوردة الشاعر وارتوائها بدمائه. يقول: (ص: 183)

ثِــمـــارُ الــيــــأسِ تــنــضُــجُ فــي وَرِيـــدِي      كسِـــرِّ الشيـــخِ فـي قلبِ المُريــدِ

وفي موضع آخر يشكو فيه قسوة الحياة عليه، فيجعلها أُمًّا تحمله في بطنها، وتتخلى عنه بعد ولادته، فلا يذوق إلا الأسى والألم بعد ذلك. يقول: (ص: 207)

مُذْ رَمتني مِن بطنها عاريًا

لـمْ أُلْفِ لي أيَّ غِبطةٍ

في مَقَاسي

ويتعمق إحساس الشاعر بالكآبة حتى تصير ملازمة له، فلا يعرف السرورُ طريقا إلى قلبه: (ص: 116-117).

والهَـمُّ..   أشواكُهُ مَغروسةٌ بِدَمـي         والنَّـومُ..   لا تَشتهـي   أزهارُهُ   أرضـــي

حتّـى   كــأنَّ   سُرورَ   القلبِ   نافلةٌ        حتّـى كــأنَّ صلاةَ النَّدْبِ مِن فَرْضــي

فيتوجّهُ بشكواه إلى قاضي الحزن ليبُثَّ فيها، لكنه -وقد تمكّن منه اليأسُ- لا يبالي بأي حكم يقضي به: (ص: 117)

يــا قاضِـيَ الحُزنِ ها قدَّمتُ نازِلتـي       فـــاقْضِ إذنْ بالذي قد شِئْتَ أنْ تقضِـي

هذا الأسى يطبع كل شيء تأتي عليه يده، حتى الكلمات لا تخرج إلا وهي مُحَنَّأَةٌ به: (ص: 49)

حَنَّـــــــأْتُ   كَفَّــيْ   عُزلتـِي   بقصيدةٍ        ونفختُ بَالُونَ الأسـى حتـى انفَجَرْ

والكآبة مجرورة إليه حتى صارت منه وصار منها: (ص: 50)

قلبـــي   مَحَــجُّ   وَساوِسٍ   وكآبَتــي       مَجرورةٌ   صَوْبـِي   كأنّـِي   حرفُ   جَرْ

وتبلغ الكآبة من الشاعر شأوًا، فيتمنى لو لم يوجد قطّ في هذا الوجود: (ص: 87)

ولا أقولُ سوى: يــا ليتني عَدَمٌ       وليْتَ مِثليَ يومَ الخلْقِ ما وُجِدَا

هذه بعض نفحات الكآبة واليأس التي استقيتها من هذا الديوان على كثرتها فيه، وهي تغلب على قصائد كثيرةٍ، مما يسوّغ القلق الذي يطبع علاقة الشاعر بوجوده، فالحاضر لا يُطاق، ولا أمل يلوح في المستقبل. وهذا يدفع الشاعر إلى الإحساس بالوحدة والتيه في الوجود، وهو ما سأتتبعه بالتحليل في هذا الديوان من خلال المحور الآتي.

ثانيا: الإحساس بالوحدة والتيه

الإحساس بالوحدة شعور بالعزلة والانفصال عن الآخرين رغم وجود الفرد بين الناس، فالعزلة عنهم قد تكون جسديا أو نفسيا. أما التيه فهو شعور بالضياع أو الحيرة، بسبب فقدان الهدف في الحياة، أو عدم التكيف مع الواقع المحيط للفرد، وكلا الشعورين مرتبطان بالقلق الوجودي لديه. فالشاعر العربي يحس بهذه العزلة نظرا لكونه غريبا غربة ثقافية عن محيطه، أو قد تكون غربة جسدية كالتي اغتربها أحمد شوقي أو محمود درويش وغيرهما، فيترتب عن ذلك شعور ملازم بالتيه والضياع. كما أن التأمل الفلسفي في الحياة أو الموت، يؤدي بالشاعر إلى التعبير عن هذه الأحاسيس المضطربة داخله.

وبالعودة إلى ديوان ياسين بعبسلام، نجده حافلا بهذه الإشارات التي تشي عن إحساس الشاعر بالوحدة الوجودية، يقول: (ص: 183-184)

كأنِّـي دمعةٌ مِن عين أعمىً        تفيضُ بغُربتـي كأسُ الوُجودِ

وحَولـي الناسُ   في كلّ اتِّجاهٍ        وبينهمُ..    ولكن    كالوَحيدِ

  قرأتُ   قصيدةَ   الدُّنيا مرارًا        فلمْ أعثُر على بيتِ القصيدِ

في هذه القصيدة التي تفيض بألوان الشقاء، يعبر الشاعر عن غربته النفسية الوجودية، فهو -في هذا المقطع- يعبر عن غربته بين الناس ووحدته في وجوده معهم. والتعبير عن الوحدة هنا، يلازمه التعبير عن التيه الذي يشعر به الشاعر، فهو الذي تأمل هذا الوجود دون أن يفهم المغزى.

والشاعر يستلذ وحدته ولا يخونها: (ص: 10)

لـمْ أخُن عُزلتـي   أبدًا.. كلَّ   لـيْــــ      لٍ    وحيدًا    بصوتـيَ    أحتَشِدُ

وهو ملتصق بهذه العزلة، متوحد معها، تُشرق روح الشاعر وسط كتل الخيبات التي على كاهله: (ص: 205)

مُزدحـما بالخيباتِ

مُلتَحمًا بعُزلتـي في الـــوُجودِ أنبلِجُ

وحينما يسأم الشاعر من هذا الواقع القاسي والمقصي، ينزح إلى أقصى المجاز ويركب القصيدة: (ص: 25)

لأنِّـي هنا تحتَ البشاعةِ أرزَحُ      بعيدًا..  إلى أقصى المجازِ سأنزحُ

ويرجو من القصيدة أن تحتضنه، وتشكّل ملامحه الممحوّة، فهو غريب لا يشبه أحدا خارج النص: (ص: 28)

سألتُكَ يا برقَ التَّـشابيهِ خُذ يدِي      فإنِّـي   غريبٌ ما لوجهيَ   مَلْمَحُ

وقد بلغت الوحدة من الشاعر مبلغا، حتى تسببت في إحساسه بالتيه والضياع، وهو يشكو قسوة الحياة وهذا الشتات الذي يحس به، فلا يجد أحدا يسمع شكواه، ولا مَن يأخذ بيده: (ص: 206)

لا طريقًا

تُعيدُنـي صَوب نفْسِي

أو رَفيقًا

أشكُو لهُ ما أُقاسِي..

يـا لهذا الشَّتاتِ

فضَّ سِنينـي..

يـا لَقلبِ الحياةِ: كم هو قاسِ

وحتى في قبره يصور الشاعر نفسه ضَجِرًا، تائها لا يعرف ما العمل: (ص: 191)

في البَـرْزَخِ   حيثُ..  ولا حيثُ      وحْدِي   وخُطى   السَّأَمِ   أحُثُّ

لا   أرضًا    كيْ    تطَـأَ    عليها       قَدَمايَ    ورُكَبِـي   إنْ   أجثُو

لا شيء يجعل حياة البرزخ لدى الشاعر ذات مغزى، إلا فكرة البعث: (ص: 193)

ضَجِرٌ..   لا   شيءَ    يُسَلِّينِـي       إلا    فكرةَ    أنْ   لي   بعثُ

إن إحساس ياسين بُعبسلام بالوحدة والتيه يغذي قلقه الوجودي، فيجعله يتساءل عن المغزى من الحياة والموت، ويتأملهما بفلسفة سوداوية تجعل الأمر كله عبثًا. فتجنح روحه إلى مغادرة المكان والزمان، لاعتناق القصيدة والتماهي مع الكلمات، لذلك يصنع واقعا لنفسه يختلف عن واقعه الذي لا يطيقه، ليقرر أن يعيش من أجله ويخلِص له ودّه. وهذا الأمر ترتبت عليه ثيمة أخرى في شعره، تكوِّن ملمحا آخر من ملامح هذا القلق، وهو شكواه من الزمان.

ثالثا: الشكوى من الزمان

يعتبر الزمن من أكثر المفاهيم التي تناولها الشعر العربي، فهو مرتبط بواقع الشاعر، وبتقلبات حياته، وفرحه وحزنه… لذلك نجده دائما في خصومة محتدمة معه، لكنه سرعان ما يستسلم لسطوته، ويشكو من هذه المعركة التي يتفاوت فيها الخصمان. وقد اتخذت قضية الشكوى من الزمان في الشعر العربي مظاهر متعددة، منها: التعبير عن سرعة انقضاء الأجَل، وقسوة الزمن ونوائبه، وسلبه للأحبة والشباب، ورثاء الماضي مع قسوة الحاضر…

وشاعرنا ياسين في قصيدة (نوستالجيا)، يستعيد ماضيه ويترصده بكل ما أوتي من دموع، لا شغل له في حاضره، ولا يأبه لغده، كل ما يستلذه هو مطاردة ماضيه الذي يستدعيه بحنين ممزوج بالحسرة على فواته. يقول: (ص: 31)

خلفَ ماضيَّ أمضي

بِذاكرةٍ لا تنامْ

أُلَثِّمُ وجهيَ كي لا يراني

وأتبعهُ كلَّ يومٍ لأعرف أينَ مضى

حاضِري غائبٌ

وغَدِي ضائعٌ في الزِّحامْ

والشاعر هنا يصور نفسه مترصدا الزمن الماضي في صورة بديعة، فهو يتخفى ويُموّهه باللِّثام، ثم يتبعه كل يوم بلا ملل، وهمُّه أن يعرف أين مضى وانقضى، فلا شيء آخر مهم بالنسبة إليه، لا الحاضرُ حاضرٌ، ولا الغدُ واضحٌ. والشاعر في هذه القصيدة لا يحدد ما يتحسر عليه في ماضيه الذي انقضى، وإنما يريد أن يسأله فحسب أين مضى، فهو يمثل الزمن المثاليّ في حياته التي لا يعيش منها سوى ما مضى.

يعيش عكس الوقت، يمضي إلى الوراء لمعانقة ذكرياته، فلا يخلف وعده لها ويأتي، كل مرة، مع الوقت تماما، بعد فوات حاضره وما يتلوه. يقول: (ص: 32)

تارِكًا ساعةَ اليدِ تمشي..

أسافرُ عكسَ اتّجاهِ عقاربها

لا يهمّ إذا ما تأخرتُ عن موعدِي..

الذكرياتُ تحبُّ انتظاري

وتَعرفُ أنِّـيَ سوفَ أجيءُ

تمامًا مع الوقتِ: بعدَ فَواتِ القطارِ

وتظل هذه النوستالجيا تؤلم الشاعر، ويحنُّ إلى ماضيه حنينا لذيذا مفعما بالدموع، يريد الحصول على أجوبة مقنعة لأسئلة كثيرة ظلت تؤرقه زمنًا، فيطلب منه أن يمنحه لقاءً قصيرا ليبث إليه شكواه، عله يصلح بعد ذلك تقويمه السائرَ إلى الخلف. (ص: 33)

أيها الأمسُ هل نلتقي اليومَ؟

سوفَ أغافلُ تقويمنا السنَويَّ

وآتي لنشربَ فنجانَ قهوهْ

معي فائضٌ من دُموعي

ونُوستالجيا مُرَّةُ الأسئلهْ

والشاعر في مواضع كثيرة من هذا الديوان يشكو سرعة مرور الزمن، حاملا معه كل شيء جميل، وتاركا له الخيبات التي لا تنقضي، ومن هذه الخيبات كثرة الحنين إلى الماضي مع استحالة عودته، فهذا الإحساس يجعله سجينا لماضيه مُفَرِّطا في حاضره. يقول: (ص: 200)

لي خَيبتي من كلِّ شيءٍ..

[…]

ومِن الحَنينِ..

إلى الذي قد فاتَ ليسَ يعودُ..

ويبقى سؤال الزمن عند الشاعر بدون إجابة، يتأمل حياته فيحس بأن عمره أُخذ منه ولم يعشه، لقد مرّ في لمح البصر. (ص: 111)

يمضي بيَ العُمرُ..

أينَ العُمرُ بي يمضي؟

كأنني عِشتُ بينَ الغَمْضِ والغمضِ

بالأمسِ كنتُ صبِيًّا

كيفَ شِبتُ إذن؟

وكيفَ مرّتْ سِنُونٌ مِثلما وَمْضِ؟

حالة عدم الاستيعاب هذه تصيبنا جميعا حينما نتأمل مرور السنين بفائق سرعتها، كأننا لم نعشها، كأنها سُرقت منا. وقد عبّر الشاعر عن هذا المعنى في موضع آخر حيث يقول: (ص: 78)

وأنا أفكِّرُ كيفَ أحيا

فرَّ منِّي الوقتُ مثلَ اللِّصِّ

والأيّامُ مرَّتْ بي كأني لـمْ أعِشْها

إن تعبير الشاعر عن شكواه من الزمن، يشكل حالة من الصراع الدائم مع هذه القوة القاهرة، فتكُون كل الحروب ضده خاسرة، لا يخرج منها بانتصار صغير، مما يؤثر على نظرته لحاضره ومستقبله التي تحكمها نزعة القلق والتشظي الذاتي. وقد استشعر الشاعر هذا الصراع العبثي، وتأمل ضبابية الوجود، فلم يحظ إلا بإجابة واحدة عن تساؤلاته الكثيرة، وهي يقينية الموت، فقرر أن يسبق الزمان ويرثي نفسه قبل أن يباغته الموت الأكيد، وهي الثيمة التي سأتولى تحليلها في المحور التالي.

رابعا: الموت ورثاء النفس

إذا كان غرض الرثاء في الشعر العربي منصبا على بكاء المرثي وذكر محاسنه بعد موته، فإن رثاء الذات في الشعر يحمل طابعا مختلفا، إذ يكون الراثي هو المرثي نفسه، باعتباره أعلم الأشخاص بنفسه، فيأتي رثاؤه عفوا لا تشوبه صنعة أو تكلف. ومن الأمور التي قد تدفع الشاعر لرثاء نفسه، إحساسُه بدنوِّ أجله لمرضٍ أصابه أو غيره، أو شعورُه بانطفاء داخلي بسبب انكسار ما تعرض له، أو تأملُه في الموت باعتباره مصيرا حتميا للإنسان لا بد له من تجربته. وقد عرف الشعر العربي منذ القديم فلسفة الرثاء هذه، إذ نجدها مبثوثة في شعر شعراء من مختلف العصور الأدبية، أمثال امرئ القيس، ومالك ابن الريب، والحمداني وغيرهم.

أما في شعر ياسين بعبسلام، فلعل أول ما نبدأ به لاستجلاء هذه الثيمة، هي قصيدة (نقش على الشاهد)، حيث نجده مجسِّدا لأبهى صور الزهد والتصوف في الحياة. فهو لا يحفل بالمنازل إن كان سينزل القبر يوما، ولا يبالي بالفراش المريح إن كان سيفترش التراب في القبر، ولمَ التزيُّن بالثياب إن كان آخرها الكفن؟ ولا يتصور سببا وجيها للاعتناء بالجسد الذي سيصبح -عما قريب- أكلة للديدان، إذ إن حقيقة الجسد لا يمكن إخفاؤها بالروائح والعطور، مادام مصيره العفن تحت التراب. يقول: (ص: 188-189)

كرِهــــتُ المــــنـــازلَ لــــــــمــــا      رأيـــــــتُ مِـــــساحـــةَ نــعْــشــِــي

ولـمْ أفــتَــرِشْ غيــرَ زِنْــدي      فَـــــفـِـــي تُــــربـــةِ القبرِ فَرْشِــي

غــــدًا بـــــالـــبـــيـــاضِ أُغَـــطَّــــى      عـــــــــــلامَ ثــــِـــيـــــابــــي أُوَشّـــِـــي؟

وكــيـــــفَ أجُـــــــوعُ ودودُ الـْـ      مــقـــــابـــــــرِ يـــسعــى لنَهشِـي؟

أنـــــــا عـــــــفَــــنُ الأرضِ مـــــــــاذا     ستُجدي العطورُ بِرَشِّي؟

لا شيء يصبح ذا أهميةٍ حين يستشعر الشاعر حقيقة الموت، حتى المُلك لا يعني شيئا أمام هادم اللذات. يقول: (ص: 189)

سأخلَعُ    تاجي    وأمضي      وإنْ   كانَ لي ألفُ عرشِ

ولا تبقى للشاعر سوى أمانٍ قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تمثل عمق الحقيقة التي لا مناص منها، يطلب من الوقت أن يحث خطاه لينفَد ويُدنيهِ من مصيره المعلوم منذ وجوده الأول، ومن سَكرة الموت أن تَرِقَّ لحاله فتضعُفَ وتخِفَّ، ومن أمه أن تبكيه بصوتها الذي بحَّ من كثرة النحيب على فقدان فلذة كبدها. يقول: (ص: 189)

فـــيَــــــا فِــــكرةَ الوقتِ هُونـــِي      ويـــا سَــكـــرةَ الــمـــوتِ.. هَـــشِّــــي

ويـــــا أُمُّ فــــي الــفَـــــقـــدِ نُوحــِي      عَــــلَـــــيَّ..   بِــــصَـــوتٍ   أجَـــــــشِّ

كأن الشاعر في هذه القصيدة يعمل بقول المتنبي، حين تخيل حوارا يجمعه معه إلى جانب شعراء آخرين يسألهم عن جوهر الشعر، هو الذي عمّد نفسه (وارث الشعراء) في قصيدة تحمل هذا العنوان. يقول: (ص: 217)

وبــِي (المتنبّي) صاحَ:  أعلى  قصيدةٍ       إذا اخترتَ أنْ تَفنَى وقلبُكَ يَنكُصُ

فما دُمتَ تَلقى حتفَكَ اليومَ أو غدًا       علامَ إذَنْ يا صاحبي سوفَ تحرِصُ؟

فجوهر القصيدة ها هنا أن تعبِّر عن الصراع الذي ينشُب في صدرك، بين ما تريده وما عليك فعله، تماما كما مات المتنبي بسبب بيت قاله دون أن يعنيه حقّا: (الخيل والليل والبيداء تعرفني…). ثم يقدم الشاعر حكمة على لسان المتنبي بعدما خبر الحياة ومات في سبيل الإخلاص لما يقوله: علامَ يحرص الإنسان إن كان موته قريبا أو بعيدا؟ فما على الشاعر -والحال هذه- إلا أن يبكيَ ذاته ويرثيها ويُخلِّدَ ذكراه قبل أن يُنسى.

وفي قصيدة أخرى، يعبر الشاعر عن تعبه ويأسه من الحياة، فيحنّ إلى موته، يقول: (ص: 77)

منذُ الولادةِ

مُوجَعٌ بالأُوكسِجينِ

تعبتُ من قَلقِ التَّنَفُّسِ..

والحَنينِ إلى الوصولِ

ويخاطب الموت المترصد، موجِّها إياه إلى قبره الذي هيَّأه منذ مدة، فكتب على شاهده اسمه، وجهّز كل شيء في انتظاره: (ص: 80)

هَذِي الحياةُ كثيرةٌ جِدًّا عَلَيّْ

يا أيها الموتُ الذي سيزُورُني عمَّا قليلِ

قبري هُناكَ حَفَرْتُهُ في رُكنِ مقبرةٍ

وشاهِدُهُ كتبتُ عليهِ إِسمي

أحتاجُ تاريخًا فقط لأموتَ حقًّا

كلُّ شيءٍ جاهزٌ: كفَنٌ.. وصُندوقٌ لجِسمِي

ونوائحٌ يجهلنَ معنى الحُزنِ

يُتقِنَّ الإطالةَ في العَوِيلِ

وفي آخر هذه القصيدة، يتخيل الشاعر جسده يقوم بمهمة أخيرة بعد الموت، هي أن يُبعث وردةً أو يصبح ورقة خضراء من شجر الحقول. يقول: (ص: 82)

أدري بأنَّ حياتيَ اكتَمَلتْ

وأشعرُ أنَّ لي معنًى أخيرا..

الآنَ أُبعثُ وردةً يقتاتُ منها الطيرُ

أو أنمُو لأصبحَ وَرْقةً خضراءَ من شجرِ الحُقولِ

إن نبرة الموت والسَّأم من الحياة، تطفو على قصائد كثيرةٍ لشاعرنا، وتُعمّق لديه طابع القلق الوجودي في شعره، لكن الموت لا يمثل دائما عنده النهاية التي تريحه من شقائه المزمن، فهي بداية ثانية قد تكون مشرقة في بعض الأحيان كما في القصيدة الماضية، فالجسد يصير عنقاء تُبعث من رمادها، فيتجدد ليصير وردة يقتات منها الطير.

خاتمة:

إن القلق الذي يستشعره ياسين بُعبسلام تجاه وجوده ويطبع العديد من قصائد هذا الديوان، لهو قلق يشي عن فلسفة تأملية عميقة لذاته وللوجود، فقد عبّر عن شعوره بالكآبة واليأس في ظل هذا الوجود الهُلامي، ما جعله يعيش وحدة نفسية وسط الناس، معبرا عن شعوره بالتيه والتشظي الذاتي، فبكى ما مضى من الزمان وشكى حاضره، ثم تأمل حياته فأيقن بعبثيتها، ورأى أنْ لا مُخلِّصَ من الموت فرثى نفسه وشيَّعها قبل فوات الأوان.

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً