الرئيسية / الأعداد / سيميائية العتبات في مجموعة نافذة للصمت لهشام أزكيض – خديجة السعيدي

سيميائية العتبات في مجموعة نافذة للصمت لهشام أزكيض – خديجة السعيدي

  سيميائية العتبات في مجموعة نافذة للصمت لهشام أزكيض

خديجة السعيدي*

 

شكلت المجموعة القصصية “نافذة للصمت” الصادرة سنة 2024 عن دائرة الثقافة بالشارقة، للأديب المغربي هشام أزكيض انطلاقة قوية للتجربة السردية التي يعمل على تشييد صرحها لبنة لبنة، وهي تجربة تتأسس على تشييد عوالم قصصية وفق منظور فلسفي عميق يغوص في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها ويضع يده على جروح المجتمع ويطرح أسئلة وجودية كبرى تقوم على الوعي بآليات الكتابة السردية وإبدالاتها الشكلية والأنطولوجية.

وتمثل العتبات النصية فضاءً موازياً للنصوص القصصية في مجموعة “نافذة للصمت”. لأن هذه العتبات ليست عناصر شكلية فقط بل هي نصوص موازية تسهم في بناء المعنى وتوجيه القراءة. لكونها “علامات دلالية في الكشف عن جوانب النص ومحفزات للمتن النصي ”

– عتبات “جيرار جينت، من النص إلى المناص”، عبد الحق بلعابد، تقديم: سعيد يقطين، ص43

1- العتبات الخارجية

1-1 جمالية الغلاف ودلالته

يشكل الغلاف عتبة أساسية للنصوص الإبداعية، إذ يسبق القارئ إلى المتن ويؤطر عملية التلقي. فهو ليس فقط واجهة زخرفية إنما هو نص موازٍ يشتغل بدوره على إنتاج المعنى. ويعد “من أهم المصاحبات الموضحة للقارئ ما سيجده بعد ذلك داخل النص، فهو يتضمن اسم الكاتب والعنوان والجنس الأدبي وحيثيات الطبع والنشر واللوحات التشكيلية”

  • شعرية النص الموازي، “عتبات النص الادبي”، جميل حمداوي، ص109

وفي مجموعة “نافذة للصمت”، يقوم الغلاف بدور مهم في تجسيد الرؤية القصصية لهشام أزكيض من خلال مزاوجته بين البساطة التشكيلية والكثافة الرمزية. إذ يغلب في الخلفية اللون الرمادي المائل إلى الأزرق ما يمنح الغلاف طابعاً بارداً وهادئاً يوازي ثيمة الصمت.

وينقسم الغلاف في واجهته الأولى إلى جزأين علوي فاتح وسفلي أزرق قاتم تتخلله خطوط عمودية بيضاء.

يتصدره العنوان: “نافذة للصمت” بخط أسود في موقع مركزي ويأتي اسم المؤلف ظاهرا بخط أصغر أسفل العنوان، ثم الناشر أسفل الغلاف بتصميم وظيفي جميل.

كل هذه العناصر البصرية منتقاة بعناية، فلون الرمادي يوحي بالحياد والغموض والفراغ وهو ما ينسجم مع دلالة الصمت.

أما الأزرق القاتم فيعكس العمق والسعة وبعد النظر وقد يقترن بالاختناق الهادئ.

ويمنح اللون الأبيض في الخطوط العمودية بعدا ضوئيا يشبه الذبذبات أو إشارات الحياة.

أما الخطوط والأشكال العمودية البيضاء الشبيهة بموجات صوتية أو نبضات قلب فتوحي بحضور الصوت الغائب او الصمت الممتلئ بالمعنى. ويقترح الانقسام القطري وجود “نافذة” فاصلة بين عالمين: الداخل والخارج أو الظلام والنور.

وهكذا يعكس التوزيع الفني للعناصر (عنوان- اسم المؤلف – أشكال مجردة) الاختزال الفني وهو ما يتوازى مع طبيعة القصة القصيرة كجنس أدبي يقوم على التكثيف.

وإذا كانت المجموعة تعالج موضوعات الفقد والتهميش والقمع والغياب والخذلان والزمن المنفلت والاغتراب والهجرة ..، فإن الغلاف يوازي هذه الثيمات بألوان باردة وأشكال مجردة ويشكّل عتبة بصرية تنسجم مع العنوان المركزي “نافذة للصمت” وتكثف أجواء العزلة والحزن والتهميش والانتظار والتأمل والانتصار التي تهيمن على النصوص.

1-2 العنوان بعدٌ جمالي

إن العنوان في الكتابة القصصية الحديثة لا يقف عند كونه بطاقة تعريف، إنما هو “عتبة” بالمعنى الذي يُعطيه جيرار جينيت: “يوجّه التلقّي ويقترح أفقَ التأويل”، لأنه “مجموعة العلامات اللسانية من كلمات وجمل وحتى نصوص قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتشـير إلـى محتـواه الكلي ولتجـذب جمهـوره”

– عتبات “جيرار جينيت من النص إلى المناص”، عبد الحق بلعابد، ص67

وقد وسم الأديب المغربي هشام أزكيض مجموعته القصصية ب “نافذة للصمت” وهو تركيبٌ قصيرٌ ذو كثافة إيحائية عالية يجمع بين كلمتين في علاقة توتّر “نافذة” هي فضاء يرمز للانفتاح والعبور ومنفذ للرؤية و”الصمت” الذي يوحي بالانسحاب وانقطاع الصوت وكثافة المعنى المضمر. هذا التواشج يولّد مفارقة تأسيسية عجيبة إذ كيف يكون الصمت موضوعاً لِنافذة؟ وهل النافذة تُشرّع على الخارج أم إلى داخل الذات؟

إن عبارة “نافذة للصمت” عنوانٌ يَشي ببعد جمالي يقدّم الصمتَ ككثافةٍ دلالية تُرى عبر إطارٍ مُنتقى بعناية، فثنائية (نافذة – صمت) تصنع الحمولات الكبرى للمجموعة حيث يصبح الصمت “تمردا داخليا وتحدٍ لما هو مفروض. وتنفتح قصص المجموعة على أبعاد إنسانية معقدة يرتبط فيها الصمت بالقدرة على تأمل العالم وفهمه على نحو أعمق، ويبرز كوسيلة لخلق مساحة للتعبير الصادق عن الألم والمصالحة مع الذات ونافذة للبوح وأداة لمواجهة القهر الاجتماعي والسياسي ومقاومة ناعمة للواقع القاسي”

– مقال “الصمت كفعل مقاومة وتأمل في قصص «نافذة للصمت»”، موسى أبو رياش، صحيفة القدس العربي.

وتحسن كلّ قصة من قصص المجموعة نصبَ نافذتها على صمتٍ مخصوص نفسي اجتماعي أو وجودي لتتماهى مع الوعد الذي قطعته العتبة منذ البداية.

2- العتبات الداخلية

2-1 الإهداء عتبة وجدانية اجتماعية.

يعتبر الإهداء “تقديرا من الكاتب وعرفانا يحمله للآخريـن سـواء كانـوا أشـخاصا أم مجموعـات، وهـذا الاحتـرام يكـون إمـا فـي شـكل مطبـوع وإمـا فـي شـكل مكتوب يوقعـه الكاتـب بخـط يـده فـي النسـخة المهـداة”

– عتبات جيرار جينيت، عبد الحق بلعابد، ص93

وقد جاء الإهداء في المجموعة موجها إلى “الذين ما زالوا قادرين على انتشال أنفسهم من هذه الأيام، كتابي فيه رائحة حزن ثقيلة، احتموا بالبكاء من حين لآخر وأنتم تقرؤونه”. -نافذة للصمت هشام أزكيض ص5

هذا الإهداء يشي منذ البداية بالثيمة المركزية للمجموعة وهي الصمت بوصفه أثراً للألم الجمعي. إنه إعلان عن تضامن مع المقهورين والمهمّشين اهدي لذوي العزائم القوية ما يجعل من النصوص امتدادا لصوتهم المكبوت. هنا تتجلى الوظيفة الاجتماعية للعتبة حيث يتحول الإهداء إلى خطاب مقاومة صامتة ضد الانكسار.

من الناحية البلاغية نلحظ التكثيف الدلالي عبر استخدام مفردات ذات شحنة انفعالية قوية مثل “حزن ثقيل” حيث الاستعارة هنا تجعل الحزن ماديا قابلا للانتشال. وهي اللغة التي ترسم صورة حسية للمعاناة وتدعو القارئ منذ اللحظة الأولى للانخراط الوجداني في النصوص.

2-2 جمالية عناوين القصص ودلالتها

تتضمن مجموعة “نافذة للصمت” اثنتين وعشرين قصة قصيرة تناولت موضوعات كثيرة منها المرض النفسي الخيانة الأم الهجرة السجن الحب الفقر الذكريات الطلاق .. وتتوزع العناوين كالآتي:

تحت المجهر ص9 قلوب في المزاد ص13 نافذة للصمت ص19 ربما كان هذا الموت ص23 على الهامش! ص27 مِن أجل أمي! ص31

دموع في وجه الذكريات ص35 قطار العمر ص39

لقمة الفقراء ص41 الحب تحت المطر ص43 الألوان لا تكذب ص47 رسالة اعتذار ص51 همه الوحيد ص53 الهاتف الأخير ص55 أحلام منهوبة ص57 عندما نلتقي ص59 ذاكرة غيمة صيفية ص65 سجين الصوت ص69 زهرة بين الصخور ص73 العمر الهارب ص75 طريق النمل ص81 من أجلك ص85

هذه العتبات النصية تعد جزءا لا يتجزأ من البنية الكلية للعمل الأدبي إذ تشكّل أولى بوابات التلقي وتفتح أفق التوقع عند القارئ. والعنوان بوصفه أهم هذه العتبات يقوم بدور مركزي في توجيه عملية القراءة. ومن هنا تكتسي دراسة العناوين في مجموعة “نافذة للصمت” أهمية خاصة لأنها مفاتيح تأويلية تختزل التجربة السردية للقاص هشام أزكيض.

فكيف تسهم عناوين القصص في بناء الدلالة العامة لمجموعة نافذة للصمت؟

على المستوى البنيوي والدلالي تنتمي العناوين في هذه المجموعة إلى حقلين رئيسيين:

-الوجود الفردي الذاتي (العمر الهارب رسالة اعتذار الوداع الأخير).

ـ الوجود الجماعي الوطني (من أجل أمي سجين الصوت نافذة للصمت).

وهناك توازن بين ما هو حياتي يومي وجداني وبين ما هو سياسي اجتماعي وجودي.

والملاحظ حضور ثيمة الصمت وترددها بين ثنايا القصص كلها فالعنوان المركزي “نافذة للصمت” يتكرر صداه في قصص أخرى مثل “سجين الصوت” “العمر الهارب” “رسالة اعتذار” حيث يحضر الصمت باعتباره رمزاً للقمع وللخذلان والتأمل والانتصار والصمود أو للانسحاب الاضطراري من صخب العالم. ما يؤكد على أن الصمت هنا ليس غيابا للكلام بل لغة بديلة للتعبير عن القهر والألم.

وقد تؤدي هذه العناوين وظيفة إيحائية ورمزية إذ يحتفي عنوان “على الهامش!” بالمنسي والمهمش ويعكس “سجين الصوت” مأزق المثقف المبدع في مواجهة الإيديولوجيا والسياسة. بينما تشتغل “رسالة اعتذار” على البعد النفسي والوجداني في العلاقة مع الآخر.

أما من حيث اللغة والأسلوب فإن كل العناوين ذات صيغة تركيبية تتكون من جمل اسمية أو تركيب إضافي ما يمنحها كثافة وإيجازاً يتناسب مع خصائص القصة القصيرة وتتميز أيضا باستعارات بديعة كما هي اللغة الشعرية للقصص كلها “تركت لي مدنا من البكاء ولا تفتأ تمطر كل لحظة شظايا وطن ممزق في الأحداق.. وطن لم يتبق منه سوى أخاديد على الخريطة”

– نافذة للصمت، هشام أزكيض ص 23 – 24

نخلص إذن إلى أن العناوين في “نافذة للصمت” لا تكتفي بكونها إشارات تعريفية لكنها مفاتيح تأويلية تختزل جوهر النصوص المتمثل في الاغتراب والمنفى الداخلي وقسوة الزمن وانكسارات الحلم الجمعي والفردي. إنها تعمل كـ “مرايا صغرى” تكثف رؤية هشام أزكيض للعالم حيث يصبح الصمت لغة وتصبح النافذة منفذا أخيرا نحو الضوء.

خاتمة

جاءت هذه الدراسة “لما كانت العتبات حاملة لدلالات المداخـل والبدايات والمنطلقـات وتملك وظائف تسهم في مفهومية النـص وتشجع المتلقي علـى مقروئيته”

وقد أسهمت عناصر العتبات الخارجية والداخلية للمجموعة القصصية “نافذة للصمت” في البناء العام للنص فتضافرت هـذه العتبات لتدعم المعنى وتجذب المتلقي وتحفزه.

ناقدة من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً