الرئيسية / الأعداد / حوار مع الزجالة إلهام جيهان أويحيى

حوار مع الزجالة إلهام جيهان أويحيى

حــــــوار مع زجـــــــال

حوار مع الزجالة إلهام جيهان أويحيى

حاورها الشاعر الحسَن الگامَح

 

بين بوح “الدارجة” الساحر ورقيّ الكلمة الموزونة، نلتقي اليوم بشاعرةٍ لم تختر الزجل كجنس أدبي فحسب، بل اتخذته موطناً لهويتها، وملاذاً لأسئلتها الوجودية. هي الزجالة التي تنقلت ببراعة بين فصاحة القصيدة العربية ودفء اللسان المغربي “القح”، لتصنع لنفسها صوتاً متفرداً يجمع بين مسرحة النص، وعمق “الغيوان”، وصفاء التجربة الصوفية.

يسعدنا أن نستضيف في هذا الحوار المبدعة إلهام جيهان أويحيى، لنبش في ذاكرة البدايات بين دفاتر المدرسة، ونقتفي أثر الإلهام في تفاصيل الحياة اليومية، ونستشرف معها مستقبل الزجل المغربي كفن أصيل يتجدد ولا يندثر.

أسئلة عن البدايات والالهام

  • كيف كانت بدايتك مع الزجل؟ وهل كان هناك من دعمك لدخول هذا المجال؟

– لم تكن بدايتي مع الزجل قرارًا واعيًا بقدر ما كانت امتدادًا طبيعيًا لعلاقة قديمة بالكلمة. قبل أن أكتب، كنت قارئة نهمة للشعر العربي؛ كنت أجد في القصائد الفصيحة عالَمًا واسعًا من الصور والدهشة، وأحاول أن أقلّد ذلك العالم في دفاتري المدرسية. كانت محاولاتي الأولى في الشعر الفصيح، أكتب بتأثر واضح بما أقرأ، أتعثر أحيانًا في الوزن، وأعيد المحاولة بشغف طفولي لا يعرف اليأس.

لكن شيئًا ما كان يدفعني نحو لغة أقرب إلى نبضي اليومي، إلى الكلام الذي أسمعه في البيت والشارع، إلى الوجع الذي لا يحتمل الرسميات. هناك بدأ الزجل يطرق بابي. لم أترك الفصحى، بل كنت أتنقل بينهما، كأنني أبحث عن الصوت الذي يشبهني أكثر.

أذكر أن الصفحات الأخيرة من دفاتري المدرسية كانت دائمًا خارج النظام؛ بينما تمتلئ الصفحات الأولى بالدروس، كانت الصفحات الأخيرة تمتلئ بمسودات، شطب، كلمات مبتورة، بدايات نصوص لا تكتمل، ومحاولات زجلية أحيانًا. كانت تلك المساحات الهامشية عالمي السري، حيث أختبر قدرتي على البوح دون رقابة.

أما عن الدعم، فقد كان بسيطًا لكنه عميق الأثر. عائلتي الصغيرة كانت تشجعني، ربما لأنها رأت في الكتابة متنفسًا جميلًا لا يضر، وأصدقاء الدراسة كانوا أول جمهور أقرأ له نصوصي بخجل وارتباك. لم يكن التشجيع احتفاليًا، لكنه كان كافيًا لأشعر أن ما أكتبه يستحق أن يُسمع.

هكذا بدأت الرحلة: بين دفاتر المدرسة، وبين حب قديم للشعر، وبين بحث مبكر عن صوت يشبهني.

  • ما الذي جذبك تحديدًا إلى الزجل المغربي مقارنة بأنواع الشعر الأخرى؟

– كانت محاولاتي في الشعر الفصيح جادة وصادقة، وكنت أتعامل معها باعتبارها تمرينًا على الانضباط اللغوي والخيال المركب. غير أنني، مع مرور الوقت، بدأت أشعر بأن شيئًا ما في داخلي يبحث عن مساحة أكثر دفئًا، عن لغة لا تحتاج إلى وسيط بين القلب واللسان. هناك وجدت الزجل.

في الزجل شعرت بعمق مختلف للكلمة؛ عمق لا يأتي من فخامتها، بل من قربها. الكلمة الزجلية لا تطرق الباب، بل تدخل مباشرة إلى القلب لأنها مألوفة، لأنها تُقال في البيت والشارع والسوق، لأنها ابنة الحياة اليومية. كنت أحسّ أن أذنًا أكبر تستمع حين أكتب بالزجل، وأن دائرة التلقي تتسع لتشمل من لا تربطهم بالشعر الفصيح علاقة وثيقة، لكنهم يمتلكون حسًّا جماليًا فطريًا يتذوق الإيقاع والصورة.

ثم إن الأمر يتجاوز الاختيار الفني إلى الانتماء. أنا مرتبطة بهويتي، معتزة بلساني، مؤمنة بأن الدارجة المغربية ليست مجرد وسيلة تواصل عابر، بل وعاء ثقافي حيّ يحمل تاريخًا وذاكرة ووجدانًا جماعيًا. في الزجل وجدت كل مقومات اللغة التي أحتاجها: الإيقاع، المجاز، الكثافة، والقدرة على بناء صورة شعرية نابعة من أرضنا ومن تفاصيل عيشنا.

حين أكتب بالزجل لا أشعر أنني أستعير لغة، بل أستعيد نفسي. أكتب من داخل الهوية لا من خارجها، وأبحث عن صور شعرية تنبت من تربتنا، من شمسنا، من حكايات نسائنا وأمهاتنا، من وجعنا وأفراحنا الصغيرة. لذلك لم يكن الزجل مجرد خيار جمالي، بل كان موقفًا وجدانيًا وانتماءً واعيًا.

  • من هم الزجالون الذين أثروا في مسيرتك، وما هي أبرز قصائدهم التي لا تزال عالقة بذاكرتك؟

– لا يمكنني الحديث عن ملامح تشكّلي الزجلي دون استحضار أثر نصوص ناس الغيوان، التي كانت بالنسبة لي مدرسة قائمة بذاتها. لم تكن مجرد أغانٍ تُردد، بل نصوصًا مشبعة بالرمز والأسئلة والوجع الجمعي. في كلماتهم تعلّمت أن الزجل يمكن أن يكون صوتًا اجتماعيًا عميقًا، وأن البساطة الظاهرة قد تخفي كثافة فكرية كبيرة. كانوا يكتبون بلسان الناس، لكن بوعي فني يجعل النص يعيش طويلًا.

كما أن تأثري لا يقف عند التجارب الحديثة، بل يمتد إلى روح الملحون، هذا التراث الشفهي العريق الذي يجمع بين الشعر والموسيقى والحكمة الشعبية. في الملحون وجدت عمق الصورة، وطول النفس، والبناء الدرامي للنص. هناك تعلمت أن القصيدة ليست فقط إحساسًا لحظيًا، بل بناء متكامل له هندسته الداخلية وإيقاعه الممتد.

أما من الأصوات المعاصرة التي أستمتع بقراءتها، فهناك إدريس بلعطار وعزيز بن سعد. ما يجذبني في نصوصهم هو قدرتهم على تحويل التفاصيل اليومية إلى مشاهد شعرية نابضة، وعلى تحقيق توازن دقيق بين الصورة والإيقاع، بين الرسالة والجمالية. في كتاباتهم أشعر أن الكلمة مسؤولة، وأن النص ليس مجرد تدفق عاطفي بل وعي فني أيضًا.

من خلال هذه التجارب، ترسخ لديّ يقين بأن الزجل ليس هامشًا أدبيًا، بل امتداد حي لذاكرة ثقافية عميقة، وأنه قادر على أن يجمع بين التراث والراهن في نص واحد.

  • متى شعرت لأول مرة أن لديك القدرة على كتابة الزجل؟ وهل تتذكرين أول قصيدة زجلية كتبتها؟

– أتذكر جيدًا اللحظة التي شعرت فيها لأول مرة أن لدي القدرة على كتابة الزجل، تلك اللحظة التي انتقل فيها شعوري من مجرد محاولات مترددة إلى شعور بالثقة. كان ذلك حين قررت أن أخرج بعض نصوصي من دفاتري إلى العالم، نصوص كانت حبيسة الورق، مكتوبة بعفوية وصدق، لكنها لم ترَ النور. كانت تجربة كبيرة بالنسبة لي أن أقرأها أمام فنانين أكن لهم احترامًا كبيرًا، مثل أنور الجندي رحمه الله. والأستاذ عبد الحق الزروالي المسرحي الكبير الذي تتلمذ على يد مسرحيين كبار نصوصهم زجلية ممسرحة .

بعد أن استمعوا إلى نصوصي، كانت كلماتهم بمثابة دفعة قوية: أكدوا لي أن ما كتبته ليس مجرد كلمات عابرة، بل نصوص تستحق أن تُنشر وتسمع، وشبهوها بعمل مسرحي في النصوص، مثل نصوص الطيب الصديقي والطيب لعلج، وذكروا أيضًا تأثير نصوص ناس الغيوان في أسلوبي. كان هذا التشبيه بالنسبة لي بمثابة اعتراف صادق بأن صوتي الزجلي يجد مكانه بين عمالقة هذا الفن المغربي.

أما أول قصيدة كتبتها فكانت بعنوان “الزهر دق الباب”. أتذكر شعور الخوف والفرح في آن واحد، وكانت كأنها ولادة أولى لصوتي الشعري. منذ تلك اللحظة، شعرت بأن الكتابة ليست مجرد هواية، بل رسالة، وأن الزجل يمكن أن يكون وسيلتي للتعبير عن ذاتي وعن حياة من حولي، وعن كل ما يختزن من أحاسيس وألوان وعاطفة في هذا العالم.

تلك التجربة لم تمنحني الثقة فقط، بل غرست بداخلي إيمانًا عميقًا بالكلمة وبالقدرة على أن تصل من القلب إلى القلوب الأخرى، وهو شعور لازمني طوال مسيرتي و لايزال.

أسئلة عن عملية الابداع والأسلوب

  1. كيف تختارين مواضيع قصائدك الزجلية؟ وهل تستمدين إلهامك من أحداث معينة أو مواقف يومية؟

– المواضيع بالنسبة لي ليست مجرد اختيار، بل هي انعكاس للحياة نفسها، لشبكة العلاقات والمشاعر التي تحيط بي وتحيط بالناس من حولي. أكتب عن الحياة بكل تفاصيلها: عن الفرح والحزن، عن الحب بكل أشكاله، عن قدر الإنسان الذي يمر به، وعن الواقع الاجتماعي بما يحمل من صعوبات وأمل، من قصص نجاح وفشل، من فرح ووجع. الزجل بالنسبة لي مرآة تعكس كل ذلك، بلغة قريبة وبسيطة، لكنها غنية بالمعنى والصورة.

إلهامي ينبع من تجربتي الشخصية أولًا، من اللحظات التي أعيشها، ومن التأمل في نفسي وفيمن حولي. ولكني أيضًا أراقب العالم، أستمع لقصص الناس، لمواقفهم اليومية، لأحاديثهم الصغيرة، وحتى لأحداث قد تبدو عابرة، وأجد فيها مادة خصبة للنص الزجلي. هناك شيء ساحر في تحويل تجربة شخصية أو موقف عابر إلى نص يلامس قلوب الآخرين، وكأن الكلمات تصبح جسورًا بين الروح الفردية والروح الجماعية.

أحيانًا يكون الحدث بسيطًا جدًا: كلمة قالها أحدهم، موقف صغير يترك أثرًا في القلب. وأحيانًا تكون القصة مأساوية أو مفرحة بشكل كبير، فتتحول تلقائيًا إلى نصوص تنبض بالصدق. كل ما يحيط بنا من تفاصيل يومية، سواء كانت خاصة بنا أو بالآخرين، يمكن أن يتحول إلى قصيدة إذا أتيح لها مساحة للتنفس على الورق.

الزجل في اعتقادي ليس مجرد كلمات موزونة، بل هو الحياة نفسها، مُجسَّدة في صور شعرية، وسجل للمشاعر والذكريات، وصوت للحظة والزمان، ووسيلة لتقريب القلوب وفهم الإنسان في مجتمعه. الكتابة بهذا الشكل تجعل كل يوم مليئًا بالقصص، وكل تجربة مصدرًا جديدًا للإبداع.

  1. ماهي خطواتك المتبعة في كتابة قصيدة زجلية من الفكرة الأولى الى القصيدة النهائية؟

الكتابة بالنسبة لي هي حياة أخرى تفرض نفسها. أجد كل فكري منصبًا نحو موضوع معين، وتتكرر أبياته في صوت داخلي لا أرتاح حتى أحررها. أبدأ عادة بتسجيل الفكرة أو الموقف، ثم أحدد المزاج: هل هو مرح، هجاء، حب أو نقد اجتماعي. بعد ذلك أختار الإيقاع والقافية التي تناسب الموضوع، وأصوغ الصور اللغوية بطريقة بسيطة ومعبرة. أكتب المسودة الأولى بلا قيود، ثم أضبط القافية والإيقاع وأنقح النص حتى يكون سلسًا وواضحًا. في النهاية، أقرأ القصيدة بصوت عالٍ لأتأكد من وقعها وأحاسيسها قبل اعتمادها كنص نهائي.

  1. هل تفضلين الكتابة عن مواضيع اجتماعية عاطفية وطنية ام سياسية ولماذا؟

 أميل في تجربتي الزجلية إلى المواضيع الاجتماعية والعاطفية، لكنني لا أفصل بينهما، لأنني أؤمن أن الإنسان كائن مركّب، وأن الخاص والعام يتداخلان باستمرار. أكتب عن المجتمع من خلال الفرد، وعن الفرد باعتباره مرآة لمحيطه. تهمّني العلاقات الإنسانية، تحولات القيم، صراعات الذات مع الواقع، وصوت المرأة داخل تفاصيل الحياة اليومية.

العاطفة عندي ليست مجرد موضوع رومانسي، بل هي جوهر الكتابة. أكتب عن الحب باعتباره قوة وجودية، عن الفقد، عن الحنين، عن الأمل حين يولد من رحم الألم. أجد في جدليات الحياة — بين القدر والاختيار، بين الصبر والتمرد، بين الانكسار والقيام — مادة شعرية غنية، لأن التوتر بين هذه الأضداد هو ما يصنع السؤال، والسؤال هو ما يغذي القصيدة.

إلى جانب ذلك، هناك بعد آخر يسكن نصوصي، هو البعد الصوفي. الكتابة الصوفية بالنسبة لي ليست خطابًا دينيًا مباشرًا، بل هي بحث داخلي، تأمل في المعنى، ومحاولة لفهم العلاقة بين الإنسان والمطلق، بين الروح والعالم. في هذا المسار، تصبح القصيدة مساحة للتجلي، ولحظة صفاء يخف فيها ضجيج الواقع وتعلو فيها نبرة التأمل.

الاجتماعي يمنح نصي جذوره، والعاطفي يمنحه دفئه، والصوفي يمنحه عمقه. ومن تداخل هذه العوالم تتشكل قصيدتي، باحثةً عن توازن بين الأرض والروح، بين التجربة اليومية والأسئلة الوجودية الكبرى.

4. كيف تحافظين على أصالة اللهجة المغربية في زجلك مع تطور اللغة الدارجة؟

أحرص على الاشتغال على الدارجة كما تُعاش يوميًا، مع استحضار عمقها الثقافي والرمزي، دون السقوط في التبسيط المخل. التطور اللغوي طبيعي، لكني أوازن بين الحفاظ على روح اللفظ المغربي الأصيل والانفتاح على تعابير جديدة تخدم المعنى ولا تُفرغه من هويته.

5. هل هناك قوالب زجلية معينة تفضلينها (مثل الملحون، العيطة، وغيرها)؟ ولماذا؟

لا أُقيد نفسي بقالب واحد، لكني أميل إلى روح الملحون والمرسة الغيوانية لما يحملانه من عمق موسيقي وبناء محكم، كما أستلهم أحيانًا من العيطة لما فيها من تلقائية وصدق تعبيري. الأهم بالنسبة لي هو أن يخدم القالب الفكرة والإحساس.

6.كيف توازنين بين الوزن والقافية من جهة، والمعنى والرسالة من جهة أخرى في قصائدك؟

أعتبر أن الوزن والقافية وسيلتان وليستا غاية. أبدأ غالبًا بالفكرة والإحساس، ثم يأتي الاشتغال على الإيقاع بشكل يخدم النص دون أن يُقيده. حين يطغى الشكل على المعنى يفقد النص روحه، لذلك أحرص على هذا التوازن.

7.هل تستخدمين الموسيقى كملهم لزجلك، أو العكس؟ وكيف ترين العلاقة بين الزجل والموسيقى؟

العلاقة بين الزجل والموسيقى علاقة تكامل. أحيانًا تولد القصيدة من إيقاع داخلي، وأحيانًا تلهمني موسيقى معينة. الزجل في جوهره موسيقى لفظية، وكل نص ناجح يحمل إيقاعه الخاص حتى في غياب اللحن.

أسئلة عن الزجل كممارسة فنية وثقافية

  1. ما هي أبرز التحديات التي يواجهها الزجال في المغرب اليوم؟

من أبرز التحديات ضعف التوثيق، وقلة المنابر المتخصصة، إضافة إلى النظرة التي تُقلل أحيانًا من قيمة الزجل مقارنة بأجناس أدبية أخرى. كما أن الانتشار الرقمي السريع يطرح تحدي الجودة والتمييز بين التجارب

  1. كيف تريين مكانة الزجل المغربي حاليا على الساحة الفنية والثقافية

أؤمن أن الزجل فن أصيل الجذور، لكنه في الوقت نفسه فن مرن بطبيعته. هذه المرونة هي سر بقائه، وهي التي تمنحه القدرة على أن يجد مكانه في كل زمن ومع كل جيل. فالزجل ليس قالبًا جامدًا، بل كائن حيّ يتغذى من تحولات المجتمع، ويعيد تشكيل نفسه وفق إيقاع المرحلة.

تحولات المجتمع المغربي — الاجتماعية والاقتصادية والثقافية — لم تضعف الزجل كما قد يُعتقد، بل على العكس، زادت من حاجتنا إليه. لأن كل تحول يخلق أسئلة جديدة، والقصيدة الزجلية بطبيعتها قادرة على احتضان السؤال، وعلى التقاط نبض الشارع بسرعة وصدق. الزجل كان دائمًا مرآةً للناس، ولذلك كلما تغيرت ملامح الواقع، وجد فيه مادة جديدة للتعبير.

العولمة والتطور الرقمي لعبا دورًا مهمًا كذلك. في السابق كان صوت الزجال محدود الانتشار، أما اليوم فقد أصبح بإمكانه أن يصل إلى جمهور واسع عبر المنصات الرقمية. هذا الانفتاح أتاح تلاقح التجارب، وسمح بسماع أصوات جديدة كانت ربما ستظل هامشية لولا هذا الفضاء المفتوح. أصبح الزجل يُقرأ ويُسمع خارج دائرته التقليدية، ما ساهم في تجديد روحه وتوسيع أفقه.

كما أن اهتمام المؤسسات الثقافية في المغرب، وعلى رأسها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، بتنظيم تظاهرات وملتقيات خاصة بالزجل، يمنح هذا الفن اعترافًا رسميًا يعزز حضوره ويكرّس مكانته ضمن المشهد الثقافي الوطني. هذا الدعم لا يعني الاكتفاء، لكنه مؤشر على أن الزجل لم يعد يُنظر إليه كفن هامشي، بل كجزء من الهوية الثقافية المغربية.

لهذا أرى أن الزجل بخير، ليس لأنه لم يتغير، بل لأنه تغيّر مع المجتمع، وتأقلم معه، واحتفظ في الوقت نفسه بجوهره: القرب من الناس، والصدق في التعبير..

  1. هل هناك اختلاف بين الزجل الرجالي والزجل النسائي بالمغرب

في تقديري، القصيدة لا تُقاس بجنس كاتبها، بل بالخط الزجلي الذي يتبناه، وبالاختيارات الجمالية والفكرية التي تؤطر تجربته. هناك اختلافات بين الزجالين، نعم، لكن مصدرها الرؤية والأسلوب والمرجعية، لا الهوية البيولوجية.

الزجل في جوهره صوت إنساني قبل أن يكون صوتًا نسويًا أو ذكوريًا. قد تكتب المرأة عن قضايا إنسانية عامة، كما قد يكتب الرجل عن تفاصيل وجدانية دقيقة. الفاصل الحقيقي هو الوعي الفني، ومدى عمق التجربة، والقدرة على تحويلها إلى نص متماسك ومؤثر.

لكن إن كان ثمة اختلاف حقيقي، فهو لا يظهر في طبيعة النص بقدر ما يظهر في سياق حضوره. التحدي الذي يواجه المرأة الزجالة ليس في الكتابة نفسها، بل في كيفية صنع مكانها داخل المشهد الثقافي، وسط التظاهرات والمنابر والأصوات المتعددة. المسألة هنا ليست مسألة قدرة إبداعية، بل مسألة حضور وتموقع.

المرأة أحيانًا مطالبة بأن تثبت نفسها أكثر من مرة، وأن تفرض صوتها وسط فضاء قد يكون مشبعًا بتقاليد معينة. ومع ذلك، فإن حضورها اليوم أصبح أكثر وضوحًا، وأصوات الزجالات باتت تفرض احترامها بقوة النص لا بمجرد الرغبة في التمثيل.

بالنسبة لي، الرهان ليس أن أُقدَّم كـ “زجالة امرأة”، بل كصوت زجلي يحمل رؤيته الخاصة. النص هو ما يبقى، أما التصنيفات فتبقى عابرة أمام قوة الكلمة.

  1. كيف يمكن للجيل الجديد أن يساهم في إحياء الزجل والحفاظ عليه؟

بالقراءة أولًا، ثم بالكتابة الواعية، والانفتاح على التجارب السابقة دون تقليدها. كما أن استثمار الوسائط الرقمية بشكل ذكي يمكن أن يساهم في نشر الزجل وتطويره.

  1. ما هي أهم المحطات في مسيرتك الزجلية التي تعتبرينها علامات فارقة؟

كل تجربة كانت محطة تعلم، سواء من خلال المشاركات في التظاهرات الثقافية أو اللقاء مع الجمهور. هذه التراكمات هي التي تصنع مسارًا متماسكًا وتمنح النص نضجه.

  1. هل ترين أن هناك حاجة لتوثيق الزجل المغربي بشكل أكبر؟ وما هي الطرق المقترحة لذلك؟

بالتأكيد، التوثيق ضروري لحفظ الذاكرة الزجلية. يمكن تحقيق ذلك عبر النشر الورقي، والأرشفة الرقمية، وتشجيع الدراسات الأكاديمية، إضافة إلى تسجيل الأمسيات واللقاءات.

أسئلة شخصية وتأملية

  1. ما هو أعمق أثر تركه الزجل في حياتك الشخصية؟

الزجل منحني مساحة للتعبير والتوازن الداخلي، وأصبح وسيلتي لفهم الذات ومحيطي، ومصالحة مع الكثير من الأسئلة.

  1. لو لم تكوني زجالة، ماذا كنتِ ستكونين؟

كنت سأظل قريبة من الكلمة، ربما في مجال ثقافي اخر أو تواصلي، لأن التعبير جزء أساسي من شخصيتي.

  1. ما هي الرسالة التي تحرصين على إيصالها للجمهور من خلال زجلك؟

أن الكلمة الصادقة قادرة على لمس الإنسان، وأن الفن ليس ترفًا بل ضرورة للتعبير والتغيير.

  1. ما هي القصيدة الزجلية الأقرب إلى قلبك من أعمالك الخاصة، ولماذا؟

كل القصائد لها مكانة في قلبي وكأنها احدى بناتي . فكل قصيدة كُتبت في لحظة صدق كامل، وبالتالي النص حينها لا يكون مجرد كتابة، بل أحاسيس منك وفيك .

  1. بماذا تحلمين بالنسبة لمستقبل الزجل المغربي؟

أن يحظى بمكانته المستحقة، وأن يُدرّس ويُوثّق بشكل أوسع، وأن يستمر في التطور دون فقدان هويته او الانسلاخ عن اللسان المغربي القح . كما ان التظاهرات الثقافية الخاصة بالزجل عددها جد محتشم ارجو ان نرى يوما ما في كل جهة او كل مدينة نشاطا زجليا تحضره كل النخب الرواد وكذلك الجيل الصاعد.

كلمة عن الزجالة إلهام جيهان أويحيى أو شيء من نص زجلي

لْقَفْتْ غْرامْكْ فْالْهْوا

طْمَّاتْك رِيّْـتِي

 ضْمّاتْـك بْجنـاحها

 كانتْ حْجاب

مكتوب عليه بْرِيّْـتي

تعويذَه وانت بها بْرِيـتي

 وزرعتي عروقك فيا

ومني تْبْرِّيـتي.

شافني شجرَه

واقفة مْݣْدّْرَه

ݣال نْتِ بزّاف عليا

نستاهل منك غي شويّا

 ݣلت ليه هاك لْمْنشار

 إلى تبرد

خداه

وقْطَعْـني من النَّصْ

ݣلت ليه راضي وبردتي

ݣال لاَّ …

عُودْك عْريضْ

 بزاف عليا

ݣلت ليه

 خود محَشّه وݣَص.

خداها وحَشّْني من ضّص

قلت لي راضي وبردتي

ݣال خشبك ممدود

 وكثير عليا

ݣلت ليه

دِيرْني حطب

وجِيبْ وْقِيد

وشعلني ودفا بيا .

دفا، دفا……

 حتى سالت عروقو .

وطفاني

وݣلت ليه

 راضي ودْفِيـتي .

ݣال مزال بْرْدان

بغيتك فاخر ليا

 نشعلك وسط رمادك

 نشوي عليك

 ما بقى منك فيا.

لْقَفْتْ غْرامْكْ فْالْهْوا

طْمَّاتْك رِيّْـتِي

 ضْمّاتْـك بْجنـاحها

 كانتْ حْجاب

مكتوب عليه بْرِيّْـتي

تعويذَه وانت بها بْرِيـتي

 وزرعتي عروقك فيا

ومني تْبْرِّيـتي.

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً