الرئيسية / الأعداد / المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

  المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية

اسماعيل المركعي*

مقدمة

اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ إذ يعدّ من الكتّاب الذين وضعوا أسس ولبنات هذا الفن ليكون محطة مهمة في تاريخ الأدب العربي. وقد أتاحت نصوص المقامة فرصة أمام الباحثين والنقاد لدراسة مضامينها والبحث في قضاياها ومقاربتها من زوايا متعددة ومختلفة. وتروم هذه الدراسة إبراز أهم السمات البنيوية والخصائص الأسلوبية في المقامة العربية التراثية عند الهمذاني.

أولا: بنية مقامات الهمذاني وعناصرها:

تعرف الأنواع الأدبية الفنية بقالب خاص يميزها عن غيرها من الأعمال الإبداعية الأخرى، ويجعلها تحظى بخصوصية على مستوى التصنيف والتجنيس؛ وهذا ما نلمس في الفن الأدبي القديم (المقامة)، كونه يتفرد بمجموعة من العناصر على مستوى البنية، وهي:

العنوان:

يعدّ العنوان عتبة أساسية لفهم النص من لدن القارئ؛ حيث يشكل ” بداية الرحلة لمتلقي النص من القراء والنقاد، إذ هو علامة وعتبة من عتبات النص تحيل على عدد من الدلالات الثقافية والنفسية والاجتماعية والسياسية[1]. ودائما ما يلجأ المؤلِّف إلى اختيار العنوان المناسب الذي يعكس مضمون نصّه ويوافق رسالته. وبديع الزمان الهمذاني من الكتّاب الذين كان أدركوا منزلة العنوان باعتباره العبارة الاستهلالية الأولى التي تقع عليها عين المتلقي، لذا حاول توظيف العنوان بدقة في مقاماته؛ حيث نجده اتخذ ثلاثة أشكال، وهي:

1 ـ الأماكن الجغرافية: شكّلت الأماكن الجغرافية حيّزا مهما في عناوين مقامات الهمذاني، ولعل السبب في ذلك يعود إلى كثرة تنقله في البلاد العربية، ومعرفته الكبيرة بجغرافيتها، ومن أمثلتها: [2]

ـ المقامة البغدادية (نسبة إلى مدينة بغداد).

ـ المقامة النيسابورية (نسبة إلى النيسابور).

ـ المقامة الكوفية (نسبة إلى الكوفة).

ـ المقامة البلخية (نسبة إلى بلخ).

ـ المقامة الجرجانية (نسبة إلى جرجان).

2 ـ الأعلام البشرية: ارتبطت بعض مقامات الهمذاني بأسماء بعض الأشخاص، ويدل هذا الأمر أساسا عن الاطلاع الواسع ومعرفته أعلام بلاد العرب في مختلف مجالات الإبداع شعرا ونثرا، ومن أمثلة ذلك:[3]

ـ المقامة الجاحظية: (نسبة إلى شخصية الجاحظ).

ـ المقامة البشرية: (نسبة إلى بشر بن عوانة العبدي).

ـ المقامة التميمية: (نسبة إلى أبي الندى التميمي).

ولا شك أن هذه الأعلام تجذب عقول القارئ وتشدهم لفعل القراءة، لما لها من صيت لاذع في الساحة الأدبية العربية، فأمثال الكاتب الكبير (الجاحظ) الذي كان من كبار أئمة الأدب في العصر العباسي، وبارعا في الفنون والمصنفات، وتاركا إرثا أدبيا ضخما.

3 ـ المواضيع: اختار الهمذاني لبعض مقاماته تسميات توافق طبيعة الموضوعات التي تطرحها وتتناولها، نذكر منها على السبيل التمثيل لا الحصر ما يأتي:

ـ المقامة العلمية: تتعرض إلى كيفية إدراك العلم.

ـ المقامة الخمرية: تصور حالة السكر وجلسات الخمر.

ـ المقامة القردية: تصور شخصية القرّاد الذي يرقص قرده في حلقات بأماكن عامة؛ كسوق عكاظ.

ـ المقامة الشعرية: عبارة عن مجلس لتذاكر الشعر، وإدراك معانيه.

ـ المقامة المجاعية: تتحدث عن موضوع المجاعة وانعكاساتها.

إن أمثلة هذه العناوين تتميز بوظيفة وصفية؛ إذ توحي مباشرة على موضوع المقامة؛ فهي مرآة تعكس صورة الموضوع لدى القارئ دون الحاجة إلى استخراج الأبعاد الدلالية التي تتضمنها، لأنها بعيدة عن العناوين الرمزية والمبهمة، فهي تعرف بـ ” العناوين ذات الطبيعة الإسقاطية”[4].

ب ـ الراوي والبطل:

تعتبر الرواية والبطولة من السمات المميزة للفن المقامي؛ بل هي من الخصائص الثابتة والضرورية لجنس المقامة. فقد اختار الهمذاني شخصية عيسى بن هشام راويا لأحداث مقاماته، وشخصية أبا الفتح الإسكندري بطلا لها. فمسارات الأحداث كلّها داخل مقاماته تبنى على هاتين الشخصيتين المحوريتين.

عيسى بن هشام: اختاره الهمذاني راويا ليسرد على لسانه ما يروج في المجالس أثناء سفره وتنقلاته.

أبو الفتح الإسكندري: جعله الهمذاني مغامرا لمقاماته، مشاركا في بناء أحداثها وتطورها. فهو ” في كل المقامات ينقل المقامة من المكان الذي حدثت فيه، ويكون أحيانا هو أحد أبطالها، وغالبا ما يكشف عن مغامرات البطل الإسكندري، ويجتمع به في آخر المقامة، أينما كانت وحصلت، فهو لا يفارقه، ويلاحقه من بلد إلى آخر”[5].

  • 3 ـ السند:

ونقصد به ما تفتتح به المقامة عند الهمذاني، وهي عبارة عن “جملة ” يكشف من خلالها عن راوي أحداثها، نصّها (حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ). ومن هنا، فقد حضرت هذه العبارة في فواتح مقامات الهمذاني؛ إذ شكلت استهلالا ينطوي على اسم راوي المقامة الذي يتميز بوظيفة حكي القصص والمغامرات الخاصة بالبطل أبو الفتح الإسكندري.

ثانيا: خصائص لغوية وأسلوبية

1 ـ اللغة الواقعية:

نلمس عند الهمذاني الكثير من الواقعية في عرض موضوعات مقاماته، فهو بعيد عن التأمل والتفكير في أشياء خارجة عن نطاق الواقع، على الرغم من الصيغ الأسلوبية الكثيرة الموظفة فيها؛ من تشبيهات وكنايات واستعارات وغيرها. فنجد فيها مثلا موضوع الكدية بوصفه موضوعا مألوفا ومتداولا في الحياة العامة لدى مختلف طبقات الناس عصرئذ؛ حيث يظل موضوعا واقعيا، كواقعية بطله أبي الفتح الإسكندري الذي يقوم بدور البطولة بحضوره في المجالس والسفريات.

ويعتمد الهمذاني في الكتابة لغة وأسلوبا تهيمن عليه الألفاظ المستعملة في الواقع؛ لما لها من قوة في التأثير، والجمل القصيرة ذات المحمول الواحد؛ التي تتيح الإيجاز، ولا تجعل القارئ يبذل مجهودا كبيرا في فهمها واستيعابها؛ إذ فالهمذاني كان ” يبتكر في الألفاظ أكثر من ابتكاره في المعاني”.[6]

2 ـ الأسلوب القصصي:

لقد وظّف الهمذاني في مقاماته أسلوبا يغلب عليه الطابع القصصي؛ لما يتركه من وقع في نفس المتلقي، ومن تأثير في وجدانه، على الرغم من ابتعاد هذا الأسلوب عن الغاية الأساسية من الكتابة القصصية؛ كما أقر بذلك شوقي ضيف بقوله:” ليس للبديع غاية قصصية بالمعنى الدقيق، وإنما غايته أن يصوغ ألفاظا، أو قُل أنغاما من الكلام، ويصبغها بالألوان الفنية التي كانت معروفة في عصره”.[7]

3 ـ السجع:

وهي سمة فنية عُرفت بها المقامة، فكان الهمذاني ينسج كتاباته على اعتمادا على هذه السمة، وقد اتجه البديع إلى السجع لما له من دور في تأدية وظيفة فنية في الأساس.

يقول شوقي ضيف في هذ السياق:” يرى القارئ (…) براعة البديع في استخدام السجع؛ فالكلمات تتشابك بأسلاكه، وكان صائغا ماهرا يحسن ضم جواهرها بعضها إلى بعض، وتكوين عقود منها تأخذ بالأسماع والأبصار. ولا ريب في أن ذلك موهبة يختص بها، أو قُل: إنه فن لم يرق إليه إلا بعد ثقافة واسعة باللغة، وتدريب شاق على صناعة أساليبها؛ بحيث وقف وقوفا دقيقا على خصائصها الصوتية؛ فليس كل سجع يعجبنا، بل السجع منه الثقيل، ومنه الخفيف الذي يرق حتى لكأنه يشف عن المعنى الذي يضطرب في عقل صاحبه وقلبه. وكان بديع الزمان يعرف كيف يصوغ لفظه، وكيف يعرضه، وكيف يوقّعه، وكيف يـُحْدِث فيه من التموجات الصوتية ما يجعله يدخل على الأذن بدون استئذان”.[8]

وعودة إلى مقامات البديع، نجدها مليئة بالسجع، حيث نجد سيلا غزيرا من الألفاظ المتقاربة والمتشابهة، ذات الجرس الواحد والإيقاع المختلف، تدهش السامع بموسيقاها، وتتركه مشدوها إلى درجة التوقّف عن التفكير في معانيها، وينساق بذلك وراء الموسيقى التي تخلقها تلك الأسجاع القصيرة الخفيفة.

يقول على سبيل المثال في المقامة الكوفية :” ..وَلَّما اغْتَمَضَ جَفْنُ اللَّيْلِ وَطَرَّ شَارِبُهُ، قُرِعَ عَلَيْنا البابُ، فَقُلْنا: مَنِ القارِعُ الـمُنْتابُ؟ فقالَ: وَفْدُ اللَّيْلِ وَبَريدُهُ، وَفَلُّ الجُوعِ وَطَريدُهُ، وَحُرٌ قَادَهُ الضُّرُّ، والزَّمَنُ المُرُّ، وَضَيْفٌ وَطْؤُهُ خَفيفٌ، وَضَالَّتُهُ رَغيفٌ، وَجَارٌ يَسْتَعْدِي عَلى الجُوعِ، وَالجْيبِ المَرْقُوعِ، وَغَرِيبٌ أَوقِدَتِ النَّارُ عَلى سَفَرِهِ، وَنَبَحَ العَوَّاءُ عَلَى أَثَرِهِ، وَنُبِذَتْ خَلْفَهُ الحُصَيَّاتُ، وَكُنِسَتْ بَعْدَهُ العَرَصاتُ؛ فَنِضْوُهُ طَليحٌ ، وَعَيْشُهُ تَبْريحٌ، وَمِنَ دُونِ فَرْخَيْهِ مَهَامِهُ فِيحٌ…”.[9]

4 ـ الثراء اللغوي:

تميز الهمذاني بغزارته اللفظية، وبتوظيفه المترادفات والمتقابلات، ولحسن اختيار الكلمات المناسبة؛ بحيث يبتعد عن الاستعمال الزائد وغير المناسب للألفاظ والكلمات، وساعده في ذلك ثراؤه اللغوي في التعبير عما يريد بكل سلاسة. يقول مثلا واصفا الفرس في المقامة الحمدانية :”  هُوَ طَويلُ الأُذُنَيْنِ، قَلِيلُ الاثنين، وَاسِعُ المَرَاثِ، لَيِّنُ الثَّلاَثِ، غَلِيظُ الأَكْرُع، غَامِضُ الأَرْبَعِ، شَدِيدُ النَّفْسِ، لَطِيفُ الخَمْسِ، ضَيّقُ القَلْتِ، رَقِيقُ السِّتِّ، حَدِيدُ السَّمْعِ، غَلِيظُ السَّبْعِ، دَقِيقُ الِّلسَانِ، عَرِيضُ الثَّمانِ، مَدِيدُ الضِّلع، قَصِيرُ التِّسْعِ، وَاسِعُ الشَّجْرِ، بَعِيدُ العَشْرِ، يَأْخُذُ بِالسَّابحِ، وَيُطْلِقُ بِالرَّامِحِ”.[10]

5 ـ التضمين:

وُظّف التضمين على نحو لافت للانتباه في مقامات الهمذاني؛ إذ لا تكاد تخلو من تضمينات متنوعة، منها:

ـــ تضمين الآيات القرآنية.

ـــ تضمين الأحاديث النبوية.

ـــ تضمين الأمثال والألغاز العربية.

ـــ تضمين الأشعار العربية.

يعد التضمين بمختلف أشكاله أحد الصور البلاغية التي يلجأ إليها الأديب في إبداعاتهم، فالهمذاني في مقاماته؛ يضمّن مفردات القرآن الكريم، ونصوص الأحاديث النبوية الشريفة، وكذا بعض الأمثال والألغاز التي عرفت عند العرب، إضافة إلى تضمين بعض الأشعار العربية. وهذا كله يثبت مدى سعة ثقافة الهمذاني وشساعة معرفته واطّلاعه الواسع.

خاتمة

يبقى فن المقامة جديرا بالدراسة والتحليل لما يزخر به من خصائص بنيوية وأسلوبية متنوعة، وقد رامت هذه الدراسة إلى الوقوف عند أبرزها؛ محاولة إبراز العناصر الأساسية المكونة لبنية المقامة العربية عند الأديب بديع الزمان الهمذاني (العنوان والراوي والبطل والسند)، إضافة إلى تبيان أهم الخصائص الأسلوبية الموظفة فيها ( اللغة الواقعية والأسلوب القصصي والسجع والثراء اللغوي والتضمين).

مصادر ومراجع الدراسة

مدخل إلى دراسة العنوان في الشعر السعودي، د. عبد الله بن سليم، منشورات نادي القصيم الأدبي، بريدة، سنة 2008، ط1.

بديع الزمان الهمذاني، مارون عبود، دار مارون عبود، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1993.

مقامات بديع الزمان على أحاديث ابن دريد، إكرام فاعور، دار إقرأ، بيروت، 1983، ط1.

شعرية العنوان دراسة في البنية والوظيفة ، شعر محمد الحمد وسليمان العتيق أنموذجا، د. عبد الله بن محمد الغفيص، مجلة علوم اللغات وآدابها، العدد 67، 2021م.

المقامة، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، ط3، 1973.

 

[1]  ـ مدخل إلى دراسة العنوان في الشعر السعودي، د. عبد الله بن سليم، منشورات نادي القصيم الأدبي، بريدة، سنة 2008، ط1، ص 61.

 [2] ـ بغداد: عاصمة جمهورية العراق حاليا ـ نيسابور: مدينة في مقاطعة خراسان شمالي شرق إيران ـ  الكوفة: مدينة عراقية تقع جنوب بغداد ـ بلخ: مدينة صغيرة في أفغانستان ـ جرجان: مدينة شهيرة تقع شمالي إيران.

 [3] ـ الجاحظ: هو أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني، ويعد أحد أشهر كتّاب العصر العباسي ـ بشر بن عوانة العبدي: من الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ـ التميمي: شخصية أسطورية اخترعها الهمذاني.

[4]  ـ شعرية العنوان دراسة في البنية والوظيفة، شعر محمد الحمد وسليمان العتيق أنموذجا، د. عبد الله بن محمد الغفيص، مجلة علوم اللغات وآدابها، العدد 67، 2021م، ص 36.

[5]  ـ  مقامات بديع الزمان على أحاديث ابن دريد، إكرام فاعور، دار إقرأ، بيروت، 1983، ط1،  ص 124.

[6]ـ بديع الزمان الهمذاني، مارون عبود، دار مارون عبود، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1993، ص 44.

[7]ـ المقامة، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، ط3، 1973، ص 33.

 ـ نفسه، ص 42. [8]

 ـ مقامات بديع الزمان الهمذاني ، محمد عبده، مرجع سابق، ص 29. [9]

 ـ نفسه، ص 174. [10]

ناقد المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً