أصداء فكر لا تسمع إلا صوتها، ولا تسمع غير آذانها

حسام الدين أبو صالحة *
في زوايا الصمت القاسي، والفكر الأصم الراسي، حيث لا أصداء تتردد؛ لصمت مطبق خاو من الرحابة، والاحتواء بغاية الجفاء؛ فلا صوت تسمعه إلا صوتها، ولا تسمع غير آذانها؛ فلا ألفاظ من سواها تنطق، ولا إبداع من عداها يستنطق، فتولد المواهب منسية دون مراعاة لنسب أصيل تقترن به، ولا شهادة ميلاد توثق لها أثراً من فصل، إنها أصداء فكر محبوسة في دائرة مغلقة، ومفرغة من المضمون تدور فيها الأفكار بإبداع آسن غير متجدد؛ لأنها لا تجد نافذة تعبر منها إلى ما دونها.
ـ هناك، خلف ستار من التجاهل، ووراء حائط من التغافل تقف أرواح مبدعة تحمل بين أضلعها قلوباً واعدة، وعقولاً صاعدة أعياها الإنساء، وأجهدها الإقصاء، بين ثنايا تفاصيلها جمالاً لا يرى، وكرماً فكرياً لا يقدر؛ إنها مواهب قادرة على أن تضيء المساحات المعتمة، لكنها تترك في الظل، لا لقصور فيها، بل؛ لأن الأبواب موصدة أمامها، ومعتمة أمام سطوعها؛ حيث لا تفتح دائماً لمن يستحق، بل لمن يرى بأعينهم يتفق.
ـ إنها مفارقة مؤلمة؛ وأفعال محزنة؛ أن يكون الإبداع حاضراً بكل وهجه، لكن المنبر غائب، أو محتكر، أو ربما أصم لا يسمع حتى صدى أصواته المتكررة؛ فتتحول الجريدة التي يفترض أن تكون مرآة للمشاهدة، ومذياعاً للشهرة لكل مبدع، ولو كان يحبو خطواته الأولى إلى غرف مظلمة، وصفحات معتمة، لا تسمع أصواتاً، ولا تبصر إشراقاً، ومع ذلك، تبقى تلك الأصداء حية، لا تخبو، والأفكار متجددة لا تموت، بل تتراكم؛ لتنضج أصحابها، وتمنحهم صبراً يشبه العقيدة الراسخة، والإيمان النقي؛ فالفكر الحقيقي لا يموت في العزلة، بل يتجذر فيها منتظراً لحظة انعتاق؛ حين يجد من يحس بتواجده، فيراه، ويصغي له، ويحتفي به، ويمنح أوراقه شرف تسطير قلم لخلاصة فكره، ونتاج عقله، ففتح نافذة كفيل؛ بأن يحول الصدى إلى صوت، والصوت إلى أثر مسموع، وإبداع مطبوع، ولعل أعظم الخسارات ليست في إقصاء موهبة، بل في حرمان الآخرين من جمال كان يمكن أن يروى قبل أن يوارى الثرى، ومن ضيافة فكرية كانت ستثري العقول، والقلوب معاً، فويل للإقصاء؛ من شر إذا جاء، فالإقصاء لا يعلن نفسه سفاحاً صراحة، بل يتخفى خلف معايير فضفاضة، وعناوين براقة، ليبقى السؤال معلقاً: “من يملك حق الإصغاء؟ ومن يقرر أي صوت يستحق أن يسمع إذا جاء؟”
في هذا الصمت الانتقائي، تقصى التجارب الصادقة؛ لصالح صور مكررة، وأفكار معلبة، ويفضل المألوف على المختلف، حتى، وإن كان الاختلاف هو جوهر الإبداع، وروحه؛ فتفقد المجلة معناها الحقيقي، وتتحول من جسور تعبر عليها الأفكار، إلى حواجز تصنفها، وتعيد تشكيلها وفق هوى ضيق، وعقلية قاصرة، لكن المواهب الحقيقية لا تقاس بعدد النوافذ التي تفتح لها، بل بقدرتها على خلق نوافذها الخاصة؛ فقد تتأخر، وقد تتعثر، لكنها لا تنضب، ولا تتلاشى؛ فتغرد، وستظل تكتب، وترسم، وتبدع، حتى في عزلة لا يراها أحد، وفي تلك العزلة، يتشكل وعي أعمق، وتصقل الروح بما لا تمنحه الأضواء الباهتة.
ـ إن الأصداء التي لا تسمع اليوم، قد لا يمكن بالغد تجاهلها؛ فالكل سيستحسنها، والجميع سيرددها؛ فكل فكرة صادقة تحمل في داخلها بذرة انتشار، وكل صوت حقيقي يشق طريقه، ولو بعد حين، صوب الآذان، وربما حين تدرك الجريدة المقصية للمواهب ما فاتها، يكون المبدعون قد تجاوزوها، وصنعوا فضاءاتهم التي لا تقصي، ولا تصادر، بل تحتفي بكل قريحة، ولو صغرت، وكل كلمة، ولو قلت، وكل نصيحة خالصة، ولو أفصحت عن التقصير، وكل اختلاف طالما لا يسبب الخلاف، ولم يفسد الود حال الإنصاف.
ـ هكذا، لا يبقى الصدى حبيس ذاته، بل يتحول إلى دعوة مفتوحة بأن نصغي أكثر، أن نرى أبعد، وأن نؤمن بأن الجمال لا يحتاج إذناً؛ ليولد، بل يحتاج فقط فرصة؛ ليرى، ويسمع، وفي ختام هذا الصدى، تبقى العبرة أبسط مما نظن، وأعمق مما نتصور؛ إذ ليس كل من صمت خال من القول، ولا كل من ظهر ممتلئ بالحضور، فكم من صوت حقيقي تأخر؛ لأن الطريق لم يمهد له؟، وكم من صدى عال خبا سريعاً؛ لأنه لم يكن سوى تكرار لما سبق؟
ـ إن النزاهة في إتاحة الفرص ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة تنقذ الذائقة من الجمود، وتعيد للمعنى حياته بعد صدود، فحين نقصي المختلف، لا نخسر شخصاً فحسب، بل نخسر أفقاً كاملاً كان يمكن أن يفتح لنا أبواباً جديدة؛ للإبداع، والرؤية، والفهم، والجمال، والإقناع، فالحكمة التي تسود هي؛ أن الأذن التي لا تصغي إلا لنفسها؛ ستبقى أسيرة ضجيجها، وأن المنبر الذي لا يتسع لغيره؛ سيضيق حتى بأهله، فافتحوا النوافذ قبل أن تختنق الغرف، واصغوا لما لم تألفوه؛ ففيه ما يعيد للنبل سماته، وللفكر حياته؛ فالموهبة لا تنتظر الاعتراف بها طويلاً، ولا تقايض صدقها بفرصة غابت أصيلاً؛ فازرع صوتك حيث تستطيع، فإن لم تجد أرضاً، فكن أنت الأرض؛ فالأصوات التي تسقي بنبع الحقيقة، لا بد أن تجد طريقها للنماء، ولو بعد حين من الإيفاء، وانثر كلامك في القلوب، قبل السطور، ودون مشاعرك في كل أثر تخطوه ولو بأوراق الأشجار، أو على سطح الأنهار، وأعماق البحار، وسفوح الجبال، وفي الفيافي، والثمار، لكن لا تطرق للعجز باباً؛ فتنتكب انتكاباً.
كاتب من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي