إعادة إدماج السجناء السابقين في المجتمع: حين يصبح العمل جسراً نحو بداية جديدة

حبيبة زوكي*
لا يقتصر العمل على كونه وسيلة لكسب العيش، بل يشكّل أيضاً جسراً أساسياً نحو الاندماج الكامل في المجتمع. في هذا المقال، يوضح بارتيليمي ديلكامب، ممثل جمعية «وايك أب كافيه»، كيف يمكن للعمل أن يصبح أداة فعّالة لإعادة بناء حياة السجناء السابقين، وتمكينهم من استعادة مكانتهم داخل المجتمع.
لا تنتهي العقوبة السجنية بخروج السجين من أسوار المؤسسة السجنية، بل تبدأ مرحلة أخرى لا تقل صعوبة عن فترة الاعتقال نفسها. فاستعادة المكانة داخل المجتمع، وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية، والبحث عن فرصة عمل، كلها تحديات تواجه السجناء السابقين فور استرجاع حريتهم. لذلك أصبحت إعادة الإدماج إحدى القضايا الأساسية التي تشغل الفاعلين الاجتماعيين والحقوقيين وصناع السياسات العمومية.
وتبرز أهمية هذا الموضوع في ضوء المعطيات التي تشير إلى أن ما يقارب ثلاثة أشخاص من أصل خمسة يعودون إلى ارتكاب الجرائم خلال السنوات الخمس التي تلي الإفراج عنهم. وهو مؤشر يدفع إلى إعادة التفكير في المقاربات التقليدية للعقوبة، والانتقال من منطق الزجر وحده إلى منطق الإصلاح وإعادة الإدماج.
في هذا السياق، تقدم جمعية «وايك أب كافيه» الفرنسية نموذجاً مبتكراً يراهن على مواكبة السجناء السابقين بعد الإفراج عنهم، ومساعدتهم على بناء مشروع حياة جديد قائم على العمل والاستقرار والمسؤولية. وقد أثبتت هذه التجربة نجاعتها؛ إذ لا تتجاوز نسبة العود إلى الجريمة بين المستفيدين من برامج الجمعية 7 في المائة خلال خمس سنوات.
الإدماج مسار إنساني قبل أن يكون إجراءً إدارياً
لا توجد وصفة جاهزة لإعادة إدماج الأشخاص الذين مروا بتجربة السجن. فلكل فرد قصته الخاصة وظروفه النفسية والاجتماعية والمهنية. وقد تستغرق عملية الاندماج بضعة أشهر لدى البعض، بينما تحتاج سنوات لدى آخرين.
غير أن العامل المشترك بين مختلف التجارب الناجحة يتمثل في استعادة الثقة: ثقة الفرد في نفسه وقدرته على التغيير، وثقة المجتمع في إمكانية اندماجه من جديد. لذلك لا تقتصر جهود الإدماج على توفير فرصة عمل، بل تشمل إعادة بناء الإنسان في أبعاده المختلفة.
العمل: بوابة نحو الاستقرار والاندماج
يُعد العمل من أهم الوسائل التي تساعد السجين السابق على استعادة توازنه النفسي والاجتماعي. فإلى جانب توفير دخل يضمن الاستقلالية والكرامة، يمنح العمل الشعور بالانتماء والاعتراف الاجتماعي، ويتيح للفرد فرصة المساهمة الإيجابية داخل المجتمع.
غير أن الولوج إلى سوق الشغل يظل تحدياً كبيراً بالنسبة لكثير من السجناء السابقين، بسبب الانقطاع الطويل عن الحياة المهنية، وضعف المؤهلات الدراسية أو التكوينية، إضافة إلى الصور النمطية والأحكام المسبقة التي قد تواجههم.
ولمواجهة هذه الصعوبات، تعتمد جمعية «وايك أب كافيه» برنامجاً يومياً للمواكبة والتأهيل، تخصص خلاله الفترات الصباحية للتكوين المهني والتوجيه نحو سوق العمل. ويتضمن البرنامج ورشات لإعداد السير الذاتية ورسائل التحفيز، والتدرب على اجتياز مقابلات التوظيف، واكتساب المهارات الأساسية المطلوبة في بيئة العمل.
ولا يهدف هذا المسار إلى مساعدة الأشخاص على العثور على وظيفة فحسب، بل يسعى إلى تمكينهم من بناء مشروع مهني مستدام يعزز استقلاليتهم ويمنحهم آفاقاً جديدة للمستقبل.
إعادة بناء الذات شرط أساسي للاندماج
إذا كان العمل يشكّل ركيزة أساسية للإدماج، فإنه لا يكفي وحده لضمان النجاح. فالتجربة السجنية تترك في كثير من الأحيان آثاراً نفسية واجتماعية عميقة قد تؤثر في قدرة الفرد على التكيف مع حياته الجديدة.
لهذا السبب، تخصص الجمعية جزءاً مهماً من برامجها لإعادة البناء الشخصي، من خلال ورشات في التعبير الشفهي والخطابة والحوار والتفكير النقدي. وتهدف هذه الأنشطة إلى مساعدة المستفيدين على استعادة الثقة بالنفس، وتنمية مهاراتهم التواصلية، وتعزيز إحساسهم بقيمتهم داخل المجتمع.
وتستند هذه المقاربة إلى مفهوم «العدول عن الجنوح»، وهو مفهوم حديث في علم الاجتماع يركز على فهم العوامل التي تساعد الأفراد على التخلي التدريجي عن السلوك الإجرامي وبناء مسار حياة جديد قائم على المسؤولية والاندماج.
دور المقاولات في إنجاح الإدماج
لا يمكن أن تنجح جهود إعادة الإدماج دون مساهمة فعالة من المؤسسات الاقتصادية. فالمقاولات ليست مجرد فضاءات للإنتاج والتشغيل، بل هي أيضاً فاعل أساسي في تعزيز التماسك الاجتماعي وفتح آفاق جديدة أمام الفئات الهشة.
ويمكن للمقاولات أن تساهم في هذا المسار من خلال ثلاثة أشكال رئيسية:
أولاً: التوظيف
وهو الوسيلة الأكثر تأثيراً في منح السجناء السابقين فرصة حقيقية للاندماج واستعادة مكانتهم داخل المجتمع.
ثانياً: تقاسم الخبرات والكفاءات
عبر مشاركة الموظفين في تأطير ورشات تكوينية وتقديم التوجيه والدعم للمستفيدين من برامج الإدماج.
ثالثاً: الدعم المالي
من خلال المساهمة في تمويل الجمعيات والمؤسسات العاملة في هذا المجال، بما يساعدها على تطوير برامجها وتوسيع دائرة المستفيدين منها.
من العقوبة إلى الفرصة: نحو حياة تستعيد الكرامة
إن إعادة إدماج السجناء السابقين ليست قضية تخص فئة معينة من الناس، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة. فكل تجربة إدماج ناجحة تعني فرداً أقل عرضة للعودة إلى الجريمة، وأسرة أكثر استقراراً، ومجتمعاً أكثر أمناً وتماسكاً.
ومن ثم، فإن منح فرصة ثانية للأشخاص الذين أنهوا عقوباتهم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره عملاً خيرياً أو تنازلاً، بل باعتباره استثماراً في الإنسان وفي مستقبل المجتمع. فحين يجد السجين السابق عملاً، ويحظى بالدعم والمواكبة، ويشعر بأن المجتمع مستعد لاحتضانه من جديد، تصبح العودة إلى الحياة الطبيعية أمراً ممكناً، ويتحول الماضي من عبء يثقل كاهله إلى تجربة يتعلم منها، وينطلق بعدها نحو بداية جديدة أكثر استقراراً وأملاً..
اعتماداً على مقابلة مع: بارتيليمي ديلكامب، ممثل جمعية «وايك أب كافيه»
ماستر في العلوم السجنية – الجامعة الدولية بالرباط
كاتبة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي