تصدّع النسق الأبوي وتفكيك سلطة المرجعية التاريخية في رواية «رائحة الموت» لليلى مهيدرة: مقاربة في النقد الثقافي

وسام علي الخالدي *
تنبثق رواية «رائحة الموت» لليلى مهيدرة باعتبارها فضاءً سردياً مأزوماً يتشابك فيه الواقع بالمتخيل، وتتقاطع على تخومه أطياف الذاكرة الفردية مع ثقل الإرث الجمعي؛ لتشكل بذلك مختبراً دلالياً مكثفاً لمساءلة البنيات المهيمنة. ولا تقتصر هذه التجربة على مجرد سرد حكائي عابر، بل تتأتى أهميتها من كونها تفكيكاً نقدياً حياً لواحد من أكثر الأنساق استقراراً في المخيال الاجتماعي والثقافي، أعني به “النسق الأبوي” بكل تجلياته وسلطاته الرمزية والواقعية.

تشتغل الكروكيّات السردية في هذا النص على زعزعة الاستقرار الوهمي للسطوة الأبوية، لا سيما حين ترتبط تلك السطوة بمرجعيات تاريخية أو إثنوغرافية غارقة في التقديس والتكلس. فالأب في الرواية أو الشخصية المهيمنة لا تظهر ككائن بيولوجي فحسب، بل تمثل تجسيداً لنسق ثقافي متكامل يفرض هيمنته على الأجساد والأرواح، ويمارس إكراهاته الرمزية على الوعي واللاوعي الجمعي. ومن هنا، تأتي المقاربة من منظور النقد الثقافي لتكشف عن تلك الأنساق المضمرة التي توارت طويلاً خلف واجهات التقاليد والموروث، عاريةً آليات اشتغالها في قمع الذات وتدجينها.
إن التصدع الذي يصيب النسق الأبوي في هذا العمل لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسرب ببطء عبر تشققات الذاكرة المهشمة والانشطارات النفسية التي تعاني منها الشخصيات، لتتحول الرواية إلى محاكمة صامتة للمرجعيات التاريخية التي طالما وفرت الغطاء الشرعي لتلك الهيمنة. فعندما تنكسر هيبة المرجعية التاريخية وتفقد قدرتها على التوجيه والمعنى، تنهار معها بالضرورة اليقينات المطلقة، لتبرز على السطح ذوات ممزقة تبحث عن هويتها الخاصة خارج أسوار الإرث المفروض. وبهذا المعنى، تنجح ليلى مهيدرة في نقل السرد من مستوى الحكاية المحلية إلى أفق إنساني أرحم وأكثر رحابة، حيث يتحول تفكيك النسق إلى فعل تحرري يعيد للذات همّها الوجودي وقدرتها على المساءلة والرفض.
ولعل أهم ما يمنح رواية «رائحة الموت» لليلى مهيدرة ثقلها النقدي هو أنها لا تكتفي بنقد النسق نظرياً، بل تغوص في “مختبر” السرد لتكشف كيف يتجلى هذا النسق عبر ممارسات يومية، وفضاءات ضيقة، وعلاقات سلطوية مسمومة. فالتصدع الذي يلحق بالنسق الأبوي يمر عبر قنوات ضيقة من الألم الشخصي، حيث تتجلى مرجعية التاريخ لا بوصفها فخراً، بل بوصفها “لعنة” تلاحق الشخصيات.
يتضح هذا التفكيك جلياً في علاقة البطل بـ “الأب” أو “القايد”؛ فذاك الكيان الأبوي لم يعد يمثل الحماية والرعاية، بل تحول إلى مؤسسة قمعية تستمد شرعيتها من تاريخ عائلي أو اجتماعي مثقل بالادعاءات. نجد ذلك في كيفية تصوير الرواية لثقل الإرث؛ إذ تشعر الشخصيات بأنها مقيدة بسلاسل غير مرئية من التوقعات الاجتماعية والتراتبية الطبقية التي فرضها الأب، وتتجلى هذه السلطة في أبهى صور قسوتها حينما يحاول البطل الهروب من قدره المحتوم، ليصطدم بأن جسده ووعيه ما هما إلا امتداد لهذا النسق الذي يرفضه. إن تلك “الرائحة” الملازمة للموت في الرواية ليست سوى تعبير رمزي عن تعفن الأنساق القديمة التي ما زالت تحاول فرض سطوتها على راهنٍ لا ينتمي إليها، وهي رائحة تخرج من شقوق جدران البيت ومن تفاصيل الذاكرة التي لا تبرح تذكر البطل بخطيئة الأب وتاريخه.
وإذا أمعنا النظر في التقنية السردية، نجد أن “المسودات” التي تتناثر في الرواية ليست مجرد أداة فنية، بل هي أداة تفكيكية بامتياز؛ فهي تمثل محاولة البطل لكتابة تاريخه الخاص خارج التاريخ الرسمي الذي كتبه “الأب” أو “النسق”. في كل مرة يمسك فيها البطل بالقلم ليكتب، فإنه في الحقيقة يقوم بعملية “تقويض” للمرجعية التاريخية، محاولاً استرداد حقه في تشكيل هويته بعيداً عن السلطة الأبوية التي تركت ندوبها على روحه. إن هذا التضاد بين “كتابة الأب” التي تفرض واقعاً جامداً، و”كتابة البطل” التي تتسم بالتشتت والبحث عن الذات، يعكس صراعاً ثقافياً وجودياً؛ حيث تُظهر الرواية كيف أن التمسك بالمرجعية التاريخية هو في جوهره تمسك بقالب ميت، وأن التحرر الحقيقي لا يبدأ إلا حين يجرؤ الفرد على الاعتراف بتصدع هذا النسق، ومن ثم البدء في ترميم ذاته من حطام تلك المرجعيات المهشمة.
بهذا، تتحول الرواية من مجرد سرد لقصة شخصية إلى بيان نقدي يضع “الأب” و”التاريخ” تحت مشرط المساءلة، معلنةً أن الموت الذي تفيض به صفحاتها ليس سوى نهاية حتمية لنسق استنفد صلاحيته في الحياة، وبداية لولادة عسيرة لذاتٍ تحاول الانعتاق من ثقل التاريخ المفروض.
ولا تقتصر تجليات هذا الصراع عند حدود العلاقة المباشرة بين الأب والابن، بل تمتد لتغوص في أعماق البنية النفسية للذات السردية، حيث يتداخل ما هو شخصي بما هو جماعي. فالمرجعية التاريخية هنا لا تُقرأ بوصفها متناً مقدساً، بل يُعاد اكتشافها عبر “أرشيف” العائلة المليء بالخبايا والمسكوت عنه. وتعمل الكاتبة على تفكيك هذه المرجعية من خلال تعرية التناقضات الصارخة بين ما يعلنه النسق الأبوي من قيم ومبادئ، وما يمارسه في الخفاء من استبداد وقمع يدفعان بالابن نحو حافة الهاوية والانشطار النفسي.
ويتجلى هذا التفكيك الثقافي بوضوح في تعامل الرواية مع فكرة “المكان”؛ فالبيت أو الفضاء الذي يسيطر عليه الأب لا يمثل وطناً آمناً، بل يتحول إلى سجن رمزي مفعم بروائح التحلل والموت. إن تحطيم هذا المكان أو الرغبة العارمة في الهروب منه، تعكس بوضوح ذلك الرفض الجذري لاستمرار الهيمنة الأبوية. وتبرز هنا براعة ليلى مهيدرة في جعل “رائحة الموت” بمثابة المعادل الموضوعي لانهيار المنظومة برمتها؛ فحيثما حل النسق الأبوي وتجذرت المرجعية التاريخية المتحجرة، حل الخراب والجمود، وحيثما حاولت الذات أن تتنفس حريتها، اصطدمت بجدار الموروث الثقيل.
وبهذا المسار النقدي المتماسك، تُقدّم الرواية قراءة فاحصة ومبصرة لكيفية موت الأنساق القديمة من داخلها، مؤكدة أن الأجيال الجديدة لا تستطيع أن تبني وعيها المستقل إلا على أنقاض ذلك التاريخ المهيمن، وبعد إخضاع الموروث بأكمله لمشرط التفكيك والمساءلة الثقافية العميقة.
ولا تقف حدود هذا التفكيك الثقافي عند حدود العائلة والفضاء المكاني فحسب، بل تمتد لتطال البنية اللغوية والدلالية ذاتها التي تستند إليها تلك المرجعيات التاريخية المزعومة. فاللغة التي تسيطر على السرد ليست لغة محايدة، بل هي لغة محملة بأثقال الإيديولوجيا والتراتبيات الطبقية والجندرية التي ترسخ سطوة الأب وتمنحه هالة من المطلقية والتعالي. ومن هنا، تتعمد الكاتبة تدمير هذا الاحتكار الدلالي للغة عبر خلق مساحات صمت، وفراغات نصية، وتناقضات داخلية تكشف عن هشاشة تلك المرجعيات وتهافتها من الداخل.
وتتجسد هذه المفارقة بأجلى صورها في حالة “التردد الوجودي” التي تعاني منها الشخصيات؛ فهي من جهة تبدو مشدودة بحبال سرية إلى ماضٍ أسطوري يمثله الأب والقايد، ومن جهة أخرى تجد نفسها مدفوعة بقوة قاهرة نحو قطيعة جذرية تفرضها قسوة الواقع وانغلاق الآفاق. إن هذا الصراع الخفي والعلني بين الرغبة في الانتماء إلى جذر تاريخي ما، وبين حتمية التحرر من سطوته الاستبدادية، هو ما يمنح رواية «رائحة الموت» عمقها التراجيدي. لتثبت ليلى مهيدرة في نهاية المطاف أن أي مشروع للتحرر الفردي أو الجماعي يظل ناقصاً ما لم يُخضع النسق الأبوي ومرجعياته التاريخية لمساءلة جذرية، تعيد الاعتبار للذات المهمشة خارج أسوار الإرث وسلطة الموت.
وبهذا المعنى المتكامل، تتجاوز رواية «رائحة الموت» المجرى الحكائي التقليدي لتصبح بياناً جمالياً وفكرياً يعيد صياغة العلاقة بين الذاكرة والنسق، وبين التاريخ والحرية. إن التفكيك الواعي الذي مارسته ليلى مهيدرة للبنيات الأبوية والمرجعيات التاريخية لا يمثل مجرد إدانة لواقع مأزوم، بل يفتح كوة في سقف النص ليتسرب منها نور الوعي الجديد؛ وعيٌ يرفض أن يُورث في قوالب جاهزة، ويختار أن يعيد بناء ذاته ولو من شظايا الألم والوجد المفقود.
ناقدة من العراق
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي