الرئيسية / الأعداد / حب ليلى أم عشق القصيدة ؟  قراءة نقدية في شعر قيس بن الملوح – فاطمة الزهراء العناية

حب ليلى أم عشق القصيدة ؟  قراءة نقدية في شعر قيس بن الملوح – فاطمة الزهراء العناية

حب ليلى أم عشق القصيدة ؟  قراءة نقدية في شعر قيس بن الملوح

فاطمة الزهراء العناية*

 

احتل قيس بن الملوح مكانةً بارزةً في الشعر العربي بوصفه أشهر شعراء الغزل العذري، إذ امتزجت في شعره حرارة العاطفة بصدق التجربة، فغدا رمزًا خالدًا للحب العفيف. غير أن إعادة قراءة شعره من منظور نقدي تثير إشكالية تستحق التأمل؛ هل كان قيس عاشقًا لليلى، أم أن القصيدة غدت معشوقته الحقيقية؟

نشأ قيس بن الملوح في بيئة قبلية كانت تحكمها منظومة من الأعراف الاجتماعية التي أولت الشرف والسمعة منزلةً رفيعة، ومن أبرزها ما عُرف بالتشبيب بالمرأة، أي التصريح باسمها في الشعر وإظهار التعلق بها. وقد عُدَّ هذا السلوك، في كثير من البيئات العربية آنذاك، إخلالًا بسمعة المرأة وأهلها، الأمر الذي كان يدفع أولياءها إلى الامتناع عن تزويجها ممن اشتهر بذكرها في شعره. وفي ضوء هذا العرف، رفض أهل ليلى تزويجها لقيس بعد أن ذاع حبها في قصائده، على الرغم من إدراكه المسبق لما قد يترتب على ذلك من عواقب.

ومن هنا يثور التساؤل الآتي: إذا كان قيس على وعيٍ بعواقب التشبيب بليلى، فما الذي دفعه إلى الاستمرار في نظم الشعر فيها؟ وهل كان عاشقًا لليلى حقًا، أم أن خلود القصيدة كان الغاية الأسمى في تجربته الشعرية؟

فهذا السؤال ظلّ يشغل أذهان عدد من النقاد والدارسين والمهتمين بتجربة قيس بن الملوح، وأثار قراءات متباينة حول حقيقة العلاقة بين حبه لليلى وشغفه بالشعر.

ومن هذا المنطلق، سنحاول في هذا المقال مقاربة هذه الإشكالية من خلال تحليل شعر قيس بن الملوح، والوقوف على حدود العلاقة بين التجربة العاطفية والتجربة الشعرية.

تقوم إحدى القراءات النقدية المحتملة على أن قيس بن الملوح لم يكن عاشقًا لليلى وحدها، بل كان عاشقًا للقصيدة أيضًا. ويستند هذا التصور إلى أن قيس كان على وعيٍ بالأعراف القبلية التي كانت تمنع تزويج المرأة ممن اشتهر بالتشبيب بها، ومع ذلك لم يتوقف عن التصريح بحبه لليلى في شعره، بل واصل نظم القصائد التي زادت من انتشار خبره، وهو ما يرجح – في نظر أصحاب هذه القراءة – أنه آثر خلود التجربة الشعرية على إمكانية الوصال بالحبيبة.

فإن هذا الرأي يثير عدة إشكالات. فإذا كانت القصيدة هي معشوقته الحقيقية، فلماذا خلدته الذاكرة العربية بلقب “مجنون ليلى” لا “مجنون القصيدة”؟ ولماذا ارتبط جنونه وموته بفقدان ليلى لا بفقدان الشعر؟ ثم هل تكشف قصائده فعلًا عن حب سطحي اتخذ من ليلى وسيلة لبلوغ المجد الشعري، أم أنها تشهد على تجربة وجدانية صادقة كانت القصيدة فيها مجرد وعاء فني للتعبير عن ألم العاشق؟

من ابلغ ما كتب قيس :

أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى

أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَذَا الْجِدَارَا

وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي

وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا

تكشف هذه الأبيات عن بلوغ العاطفة عند قيس أقصى درجاتها؛ فالمكان يفقد قيمته المادية ليغدو امتدادًا للمحبوبة وأثرًا من آثارها. لذلك لا يتوجه فعل التقبيل إلى الجدار في ذاته، وإنما إلى ما يحمله من صلة بليلى، وهو ما يؤكده الشاعر بقوله: «وما حبُّ الديار شغفن قلبي ولكن حبُّ من سكن الديارا». ومن هذا المنطلق، يصعب ردُّ هذه التجربة إلى مجرد ولعٍ بالقصيدة؛ إذ إن مثل هذا التعلق لا تخلقه الرغبة في قول الشعر، وإنما تخلقه عاطفة متأججة تفرض نفسها على اللغة، فتغدو القصيدة أثرًا للحب لا سببًا له.

يقول قيس:

فَأَمَّا مِن هَوى لَيلى وَحُبِّي

زِيارَتُها فَإِنِّي لا أَتوبُ

وَكَيفَ وَعِندَها قَلبي رَهينًا

أَتوبُ إِلَيكَ مِنها أَو أُنيبُ

إن هذه اللغة لا تصدر إلا عن قلبٍ أسيرٍ لمعشوقته، لا عن شاعرٍ اتخذ الحب ذريعةً لصناعة الشعر. فالتعبير عن القلب “الرهين” عند ليلى، والإقرار باستحالة التوبة عن حبها، يكشفان عن تجربة وجدانية صادقة تتجاوز حدود الصنعة الأدبية.

وقد أثار محمد الساهل في كتابه «الآلهة لا تبتسم لمن يهمل القدماء» فكرة مفادها أن قيسًا كان عاشقًا للقصيدة أكثر من كونه عاشقًا لليلى، وأن الشعر كان غايته الأولى. غير أن هذه القراءة تبدو قابلةً للمراجعة إذا استحضرنا ما ترويه المصادر من أن قصة حب قيس وليلى بدأت منذ طفولتهما، حين كانا يرعيان الغنم معًا. ففي تلك المرحلة المبكرة لم يكن قيس قد وعى الشعر بوصفه فنًا أو مشروعًا إبداعيًا، وإنما عرف الحب أولًا، ثم جاءت القصيدة لاحقًا لتكون الوعاء الذي احتضن هذا العشق وخلّده.

وفي ضوء ما سبق، يبدو أن الإجابة عن إشكالية: حبُّ ليلى أم عشقُ القصيدة؟ لا تقتضي الفصل بين الطرفين بقدر ما تستوجب فهم العلاقة التي نشأت بينهما في تجربة قيس. فإذا كان الشاعر على وعيٍ تام بالأعراف القبلية التي كانت تجعل التصريح بالحب سببًا في حرمانه من ليلى، فإن إصراره على الاستمرار في نظم الشعر لا يمكن تفسيره إلا بأحد احتمالين: إما أنه كان عاجزًا عن كتمان عاطفته، فغدت القصيدة تعبيرًا اضطراريًا فرضه عليه صدق الوجدان، وإما أن التجربة الشعرية نفسها أصبحت جزءًا من كيانه، فاختار أن يخلّد حبه بالشعر، وإن كان ثمن ذلك فقدان الوصال. وفي كلتا الحالتين، لا تبدو القصيدة نقيضًا للحب، بل الامتداد الطبيعي له؛ إذ لم يكن قيس يخلّد الشعر لذاته، وإنما كان يخلّد ليلى وحبه لها. ولعل الزمن قد أنصف هذا الاختيار؛ فما تزال قصة قيس وليلى حاضرة في الذاكرة الأدبية، شاهدةً على أن الحب، حين يتجسد في قصيدة صادقة، يجاوز حدود الزمن ولا يندثر.

هوامش:

ديوان مجنون ليلى

محمد الساهل الآلهة لا تبتسم لمن يهمل القدماء

كاتبة من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

صراع الذاتي بالروحي: قراءة في لوحة الفنان التشكيلي السوري بسام الحجلي – الحسَن الگامح

الحَسَن الگـامَـح*   على سبيل البدء في عالم الفن التشكيلي، يظل الألم الإنساني أحد أكثر …

اترك تعليقاً