الرئيسية / الأعداد / محمد عزيز ومتاهات العشق المنسي – محمد دخيسي أبو أسامة

محمد عزيز ومتاهات العشق المنسي – محمد دخيسي أبو أسامة

مختبر النص

محمد عزيز ومتاهات العشق المنسي

محمد دخيسي أبو أسامة

 

قد تندُرُ المحطات التي يعشق فيها القارئُ النصَّ، ويعيش لحظاتِه بمتعة وفائدة؛ تُخرجه من حالة القَبول إلى تكسير أفق انتظار رسَمَهُ في ذهنه لفترات من حياته. ومع نُدرة هذا الفعل يختار ساردُ النص الروائي الانغماسَ في واقع مَعيش؛ يُحدِّد من خلاله الانطباع السَّلبي الواقعي والحقيقي، بعيدا عن كل “الأصباغِ” التي تُزيِّنه، وتَخلُق الزيفَ الاجتماعي؛ ومنه الاحتيالُ على القارئ المتربِّص لسماع حقيقة “الطابو” الخفي، والمسكوت عنه.

شكَّل محمد عزيز أفقا جديدا، في تناولِه تيماتٍ تبدو للوهلة الأولى خارجَ إطار الحياة الاجتماعية العربية عامة والمغربية خاصة، لكن الواقع الـمُرَّ جعل المشاهد التوثيقية موازيةً للمتواليات السردية، وخروجًا من التوثيق إلى السرد الحكائي العميق؛ عميقٍ في تتبُّع الأحداث، وعميقٍ في سبْر أغوارِ القوى الفاعلة في النص.

منذ أول فقرة في النص: “تآمرت الذكريات المرة على ما تبقى من ضمير بهية المتشتت بين الرفض والإيجاب، وبين الصد والقَبول. لا معنى للرجوع إلى الوراء، طالما أنها منحت جسدها إلى عدد كبير من الرجال؛ فاستباحوه من تسريحة شعرها إلى أخمص قدميها”(ص. 10)؛ تبرز العلاقة الحميمية التي اسْتباحَها أيضا صاحبُ النص الروائي، فجسَّدها في كثير من الأحوال؛ إيحاءً وإشارة، ترميزا وتوْرية، دلالةً على سُلطة الجسد في سير الأحداث، ومراوحةِ الحالاتِ التفاعلية معه بين البرود والرّعونة من جهة، والرجولةِ الكاملةِ والفُحولة من جهة ثانية. لذلك تعيش الشخصيةُ الرئيسة “بهية” في المتن الروائي حالاتِ التضادِّ في حياتها:

“الجنس والمال” في مقابل “الانحلال والخصاصة”؛ ثنائيات خصَّها المبدع محمد عزيز بروايته “جذور اللهب والسَّغب”، وقد حاول أن يسْتَلهِم بعض الخصوصيات المنبثقة من أعماق الشخصية الرئيسة؛ عاشتها الساردة الخفية “بهية”، وتقمَّصتْ من خلالها أقنعةَ شخصياتٍ أخرى أكثر إدمانا على الرذيلة والشذوذ. فما كانت تؤمن به قبلُ، أضحى متجاوَزاً أمام دقائق الحقيقة الـمُّرة التي اختارتها بعد وفاة زوجها “الشهم، والفحل، والأبِي” الذي ترك في حياتِها شقوقا عميقةً، أرادتْ طمْسها بزواجٍ ثانٍ. لكنَّ الصدمةَ كانت أقوى مما تتصور؛ فعاشت عيشةَ الترف والفخامة المادية، في مقابلِ حياة الذُّلِّ والمهانة والرذيلة التي لم تتوقعها قطُّ في حياتها الماضية. لذلك نجدها تنتفضُ أحيانا في وجه زوجها “الصوري” الجديد، فنصادفها تحدثُه بلهجة الرافض في خطابها: “ابتعِدْ عني… ابتعد عني أيها… نظرتْ إليه نظرة ملؤها الحنق والحقد، ثم جمعت ما تبقى من لُعابٍ في فيمها؛ فبصقت به على وجهه. انسحب في خنوع يهز رأسه استغرابا.

شعرتْ بهية بمذلة لم تشعر بها يوماً من أيام حياتها، فسَرَتْ تصرفاتُ زوجها في نفسها سريان الحمى في عظام المحموم. خُيِّلَ إليها أن ما يفعله يجرعها السم بيده تجريعا.”(ص. 70)

لذا، نقول إن الكاتب محمد عزيز تجاوز حد المعقول إلى المتخيّل، وقد يتبادر إلى ذهن القارئ العادي الذي يقبع في بُرجه العاجي، أن ما استعاده السارد “أو الساردة إن صح التعبيرُ”، لا يمتُّ إلى الخيالِ؛ بقدْرِ ما تسيخُ تفاصيله في واقعٍ مستورٍ، تبدأ أحداثهُ حينَ يخلد المواطن العادي المسالِم إلى مأواهُ؛ فتبدأ مأساة الحياة الثانية فوق أسِرَّةٍ ممسوخةٍ، وموائدَ ماجِنَةٍ، وصحونٍ يمتزجُ فيها الأكل بالعَفَنِ، وسياراتٍ فارهة تجذب الشواذَّ وعطشى الرذيلة، ومودَّاتٍ متبادَلَةٍ ملؤُها السُّكر والعَهْرُ والدِّياثَة…

ينسُج المبدع محمد عزيز هذه الثنائياتِ بطابع تخييلي تسلسلي للأحداث، فيجعلُ القارئ متشوقا لمعرفةِ ما ستؤول إليه خُطاطتُه السردية؛ فيتحول من متذمِّر وناكث لواقع ذليل، إلى مُشفِقٍ على حالِ “بهية”؛ يرجو لها النجاة من براثن هذه الحياة التي لم يكن اختيارُها لها سليما. لذا يتتبع السارد حياتَها الجديدة بنوع من الفضْح والكَشف؛ كشف ينبئ بمعرفة تامة بما حدث، وما يقعُ، والنتيجة التي انتهى إليها مسيرُ الشخصيات. غير أن هناك مواقفَ تبدو أحيانا ذاتَ طابعٍ تقريري، مما يحيل إلى وظيفة التوثيق الحي، أو لنقلْ: السرد التاريخي المصطنع، الذي يحاولُ أن يجعل من الأحداث الاجتماعية سردا تأريخيا ذا طابع تخييلي. لذا يتم ترحيلُ الشخصيات الحقيقية من واقعها إلى واقع تخييلي، ينهل من خلاله المبدعُ لغةً شاعرية أحيانا كثيرة، تمتزج فيها الحقيقة بالمجاز، والوصف بالتخَيُّل، والأنا بالآخر؛ ومن ثَمة تشكيلُ ثنائياتٍ بوَّأتِ العمل الروائي الذي نحن بصدد قراءته، ضمنَ الآفاق الموسعة للكتابة السردية التقليدية؛ إذ لا يتوقف الكاتب عند سرد الحدث/ الواقع، المقتفي أثرَ الشخصيات وانفعالاتِها وردودِ فعلها، بل يتعاد إلى نقدِ الواقع والبحثِ عن الأسس الكفيلة بإخراجه من ورطة الرذيلة إلى مسْكَنِ الفضيلة. فكان اختياره “السردي المصطنع” كفيلا بربط النهاية بالأوْبَة والتَّوبة؛ توبة مسعود، وموت غريب بعد مرض عُضال دَمَّرَه وأعادهُ إلى صوابه، وعودة الأمور إلى مجاريها؛ كأن البدايات غواياتُ شيطانٍ زالَ مع آخر صفحة في الرواية: “تزامَنَ رجوعُ مسعود من أداء مناسكِ العمرةِ بتشييعِ جنازةِ صديقِهِ غريب قبل ثلاثة أيام. وقف على قبره يبكي بكاء هستيريا. دموع الحزن الحارقة تنساب على خديه في صمت. ودعه إلى مثواه الأخير وهو يدعو له بالرحمة والمغفرة.”(ص. 293)

لذا، فقد سُطرتْ المتوايات السردية في رواية “جذور اللهب والسغب”، لتُخرِج الكلَّ من متاهة النفق الذي عاشته بين صفحات الحكي والسرد والتوثيق؛ لتُؤَلِّفَ العلاقةَ بين الكائن والممكن، أو بين الكائن والـمُرتَجى؛ فما سيْرُ الأحداث في هذا الاتجاه إلا غُصَّة عاشها الساردُ لحظاتٍ من الزمن طويلا كان أم قصيرا، فحاول أن ينقلها بنوع من التآمر على الشخصيات، وبطريقة تجمَعُ بين الحقيقي والمتخيَّل.

كما أن الهويةَ الذاتية التي يؤلفها العَقد السردي، الموَقَّع ضمنيا بين الكاتب والقارئ الضمني الـمُتَدَخِّل في بناء الأحداث وصياغتِها؛ تبقى رهينةَ فعلِ السردِ الذي تفرضُه طبيعةُ النص الروائي التوثيقيِّ التخييلي. فمع مرور الأحداث، واتساعِ الهوة بين السارد والقارئ؛ تتسِعُ المساحةُ الفاصلة بين واقع سردي، ومُمكِن تخيُّلي تفرضه طبيعةُ الحدثِ ذاته. فنكتشِفُ مع اقتراب نهاياتِ الـمَشَقَّة والضَّنَك التي رافقت كلًّا من السارد والبطل؛ فكلاهما يعيش على وقْعِ تزاحم الأحداث، ويحاول أن يجد الحلولَ للخروج من نفق الرذيلة، وكلاهما يستثْني العلاقاتِ الإنسانية الحميمية في آخر النص (بين منعم وأروى مثلا)، ليتنفسَ الصُّعَداء، ويَبْلَعَ ريقَهُ في سلام.

رواية “جذور اللهب والسغب”، محمد عزيز، مطبعة الجسور، وجدة، ط. 1، 2023.

 

ناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

صراع الذاتي بالروحي: قراءة في لوحة الفنان التشكيلي السوري بسام الحجلي – الحسَن الگامح

الحَسَن الگـامَـح*   على سبيل البدء في عالم الفن التشكيلي، يظل الألم الإنساني أحد أكثر …

اترك تعليقاً