الرئيسية / الأعداد / رحلة الخيال أو كيف يؤسس الخيال عوالمه – حسن إمامي

رحلة الخيال أو كيف يؤسس الخيال عوالمه – حسن إمامي

رحلة الخيال أو كيف يؤسس الخيال عوالمه

حسن إمامي*

بين الذاتي والموضوعي:

بين مصطلحات التأسيس والإنتاج والتوليف، وغيرها من الألفاظ والمصطلحات، نجد الخيال لا يؤمن بها ولا يريدها حدودا أو حواجز تحول بينه وبين حرية اشتغاله. وقد جاءت هذه الملاحظات حين تجربة كتابية جديدة خلال هذه الشهور من السنة الجارية. ولكن، ألا يمكننا القول بأن الخيال كذلك تحكمه حواجز وموانع؟ تناقض في التساؤلات التي نطرحها خلال تقديم هذا الموضوع. فما درجات التحكم من دونه التي تحضر في عمليات التخيل والتخييل؟ وما هي أسباب ذلك؟ ربما ما يحكم لا شعور ولا وعي الإنسان في يقظته من طبقات لا شعورية قد ينطبق على موضوع الخيال والتخييل. بمعنى مدى وجود آليات تحكم ومراقبة داخلية توجه وتمنع كما قد تجيز وتشرعن. حتى الحلم قد يحد من حريته نظام تحكم، كما قد يخترق هذا النظام بما قد يتجلى وينجلي.

كانت البداية مع رحلة رواية جديدة قائمة في سيرورة نسجها ومنقبة عن خيوط تشكيلها. أرادت التجربة الجديدة الاشتغال على مرحلة تاريخية مرتبطة بالعهد الانتقالي بين الحضور الفينيقي والاختراق الروماني للمجال الترابي المغربي. ما أزال أبحث عن معطيات تاريخية مرتبطة بالمجال والتي يمكنني توظيفها في نسج الرواية وتأثيث حياة شخوصها وأحداثها وجدلياتها. لكن المفاجئ هو زحف المقروء السابق الذي اختزنته الذاكرة ليتقدم ويتمثل كمقترح للتخيل والتخييل. بدأت الكتابة بفضاء جبال زرهون، وسميتها مؤقتا ب”فضاء (الجبل السعيد)”. استحضرت مدينة أليلي أو وليلي أو وليلى… تسميات عدة أردت منها التذكير بأن المدينة كانت قائمة مع العهد الموري قبل مجيء الرومان. لكن كيف كانت الحياة وما هي أهم الأحداث التي ميزت المرحلة؟ ذلك ما ينقصني في البحث والاعتماد المرجعي. سافر الذهن إلى خط الشمال، وبالخصوص اتجاه نهر اللوكوس ومدينة العرائش الحالية، حيث هناك أحداث ارتبطت وأنتجت مدينة واقتصادا وملاحة. لحدود الآن يبدو الأمر عاديا وسليما. لكن كيف سأنتقل بالأحداث؟ وما هو نوع الخيال الذي سأعتمد؟ حينما بدأت ربط الشخصيات المقترحة بالأحداث والفضاء ككل، حدست ولمست تداخلا مع مقروء سابق. كنت أعلم أنني قرأت رواية سيرة حمار للكاتب حسن أوريد بل كتبت قراءة نقدية حولها، وقرأت رواية تراتيل أمازيغية للروائي مصطفى الغتيري. لمست أنني انسقت إلى نهر متخيلِ الروايتين وبالخصوص رواية تراتيل أمازيغية. طرحت السؤال على نفسي: هل يمكنني المضي في ما بدأت؟ هل أنا متعمد الاقتباس مما سبق؟ كل هذا دون إهمال ذكر التأثير السينمائي والفني والإعلامي الذي تزودت به عبر عقود من مراحل هذا العمر.

الجواب الموضوعي الذي شغل الذهن وهو يبرئ ذاته، وهو يبرر اشتغاله، وهو يرافع عن استقلالية اشتغاله، تمثل في كون المعطيات التاريخية شحيحة في ما يخص المرحلة، وفي كون الاغتراف من التاريخ يكون مشتركا من نبع وخزان واحد، في خطورة هذا الشح أو هذا التحكم في توليف التاريخ وقراءته وعرضه، إذا ما نبّهنا إلى هيمنة القراءة الغربية المبنية على مركزية تحكمية أحادية في الرؤية والإنتاج والعرض ـ نستحضر هنا مصطلح المركزية الأوربية Eurocentrisme ـ مثلا. هذه الموضوعية جعلتني أقارن بين مقروءات عدة نقدية وإبداعية ألاحظ فيها هذا التداخل وهذا التقاطع وهذا التناص الذي انتبه إليه الكتاب والكاتبات ونال حظه من التوسع في التشخيص والتحليل…

تشبيه:

لعلها لوحة تشكيلية واحدة دُعِي الجل إلى الرسم فوقها وإلى تلوينها وإضافة تخطيطات رسومية داخلها. لعل الملاحظ لعرض اللوحات وقد عرضت أمامه في معرض واحد ورواق مشترك، سيقول: هذه اللوحة كان عليها أن تجعل تناسقا بين الألوان، أو هذه كان عليها أن تنقص من كثرة الخطوط وتزاحم الأشكال، وهلم ملاحظات… لكنها كلها لوحات إبداعية تمتلك جماليتها وخصوصيتها واستقلاليتها عن الأخريات. ما يجمعها هو النبع المشترك، الأرضية المشتركة ببيئتها التشكيلية الخام الأولى.

فهل هذا ما وقع مع هذا التداخل، وهذا التزاحم، وهذا التقاطع حين تفاعلي التخيلي مع المادة ومع الموضوع؟

تحضر ملاحظة مقروء كل جيل من الأجيال، إذا ما كان قد اشترك في مرجعيات واحدة فكرية وسياسية وثقافية وفنية وأدبية. قد نلاحظ التجلي المتشابه بين هذا وذاك، ولا يتميز عنه إلا من امتلك أصالة ذاتية جديدة تتجاوز نسبيا ما سبق.

البين – ذاتي:

وجدتني أتوقف مع تكثيف القراءات بدل المضي في الكتابة. وجدتني في تجربة جديدة انتقلت خلالها إلى كتابة روائية جديدة ـ قديمة. ما دامت هي ورشة ضمن ورشات مرتبطة بالكتابة السردية والروائية. وهنا مربط الفرس كما في التشبيه. كيف سينقاد الحكي والتخييل ليكون صيدا لتخيل قديم ـ جديد؟ كيف سيمتلك الخيال أسلحته لكن بحضور في وعي وكتابة وإبداع الكاتب لما هو مبدِعُه؟ وهل هذا ما وقع للروايات القديمة والأساطير والحكايات التي تنتقل تثاقفا وتفاعلا وتناصا بين الشعوب والحضارات والثقافات؟

في انتقالي بالكتابة من مرحلة ما قبل التواجد الروماني في شمال أفريقيا (فضاء الجبل السعيد) إلى مرحلة بداية القرن العشرين بالتأريخ الميلادي الغربي حول (قصبة بني عمار)، ها أنا أستنجد بالخيال لكي أخلق عالما مناسبا لرحلة أبطال وشخصيات الرواية الجديدة. بعد شبه الانتهاء من العمل الأخير لاحظت أن علاقة العشق ومشروع الزواج حاضر بين الروايتين. لاحظت أن رحلة السفر في إحضار مهر أو قربان الزواج، في مشروع العريس، انكتبت طوعا عند الأول الموري، وقهرا وقسرا عند الثاني في بداية القرن العشرين. في الرواية الأولى يحضر الاستعمار الروماني، وفي الثانية يحضر الاستعمار الفرنسي. تأسيس لبداية احتلال لبلاد المغرب ” الطنجي” بالاصطلاح القديم، في المرحلتين.

أتساءل الآن: كم يحتاج الذهن من مسافات لكي يستطيع خلق عوالم جديدة، تخييلية مستقلة عما سبق، حتى لا يسقط في شبه تكرار أو تعسف على الخيال؟

فعلا يحضر التاريخي والموضوعي في التجربة الذاتية الحاضرة هنا، كما تحضر التجربة الذاتية الشخصية للكاتب في كل فِعل كتابي وانكتابي جديد. وتلك حلاوة العيش داخل الأدب والكتابة السردية ككل.

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً