الرئيسية / الأعداد / سمفونية الوفاء المدرار في قصيدة “هذي الديار” – محمد إدارغة

سمفونية الوفاء المدرار في قصيدة “هذي الديار” – محمد إدارغة

دراسات

سمفونية الوفاء المدرار في قصيدة “هذي الديار”

محمد إدارغة*

تمهيد: سوابق علاقة لا تنتهي

شاءت الأقدار أن تنبثق عرى صداقة إبداعية وإنسانية بيني وبين الشاعر الكبير إسماعيل زويريق (أبو عدنان) منذ أوائل عام 1999. وبدأت هذه المسيرة بإهداء ديوانه “طائر الأرق”، وتلا ذلك اهتمام متقابل ومبادرات نبيلة؛ حيث خص الشاعر ابني “إسماعيل” بقصيدة مهداة بخط اليد بمناسبة ذكرى مولده الأربعينية.

أثمرت هذه الصداقة الممتدة متابعات نقدية وحوارات مطولة (مثل الحوار المنشور في “نفض الغبار”)، وقراءات استقصائية في منجزه الضخم، لا سيما مشروعه المديحي العتيد “على النهج”، إلى جانب تتبّع مساره الإبداعي المتشعب في الشعر والبحث والسرد والتشكيل.

أولاً: إسماعيل زويريق والوفاء للقصيدة العمودية

ينتمي الشاعر إسماعيل زويريق إلى فئة الشعراء الذين يزاوجون بين مختلف الأشكال الشعرية (العمودي، التفعيلي، والنثري)، إلا أنه يظل أشد قُرْباً وأكثر انتصاراً ووفاءً للقصيدة العمودية الأصيلة؛ حيث يرى فيها امتداداً لهويته وثقافته الأصيلة.

ويعود انطلاق مساره البياني إلى عام 1960 بقصيدته الأولى “وحدي” وهو في سن السادسة عشرة. وعلى مدار أكثر من ستة عقود، رفد المكتبة العربية بما يزيد على 50 ديواناً شعرياً، تتصدرها أجزاء “على النهج” في المديح النبوي (والتي تتجاوز أجزاؤها 18,300 بيت)، مما بوّأه بجدارة لقب “شاعر الرسول ﷺ”.

ثانياً: قصيدة “هذي الديار”.. غيض من فيض

تتنزل قصيدة “هذي الديار” ضمن الجزء الثامن من المجلد الرابع لـ “على النهج” (2021). وتقع القصيدة في 48 بيتاً موزعة على سبعة مقاطع طباعية.

أبرز مرتكزات البنية والمعنى في القصيدة:

الافتتاحية الطللية برؤية جديدة: تستفتح القصيدة ببيت عمودي متناظر:

هذي الديار وأين الأهل والجارُ … ساروا وما سار قلبي حينما ساروا

ورغم أن المطلع يستحضر سنن المقدمات الطللية القديمة في الوقوف على الأطلال وشكوى الفراق، إلا أن الشاعر يضفي عليها مسحة إيمانية تجعلها تتخلص من سطوة الموروث القديم وتلتحق بسياق واقعي وراهن.

سؤال الداء والابتلاء (السياق الخاص): تستعرض القصيدة تجربة أسرية وإنسانية حَرِجة عاشها الشاعر مع أسرته إبان تفشي جائحة “كورونا”. إذ تفيض الأبيات بمشاعر القلق والتوجس، مستخدمة منظومة كثيفة من ضمائر المتكلم والجمع لتعكس التلاحم الأسري في مواجهة المرض، قبل أن ينبلج نور الأمل والإيمان بقضاء الله وقدره:

ما همني فيدُ المولى قد انبسطت … تجلي الظلام فما للصبح إدبارُ

سؤال الشعر والمديح النبوي (السياق العام): يتساءل الشاعر عن جدوى الشعر وجمالياته في البيت الحادي عشر:

أحب أن أكتب الشعر الجميل وهل … تجدي إذا قضت الأقدار أشعارُ

ليتحول النص ببراعة من ضيق المحنة والداء إلى رحابة المديح النبوي والاستظلال بضمان المصطفى ﷺ، حيث الطمأنينة والسكينة:

أنا الذي في ضمان المصطفى جذلاً … أحيا فكيف أمام الداء أنهارُ

ثالثاً: المقومات الجمالية والإيقاعية للنص

البناء الهندسي والإيقاعي: اعتمد الشاعر بحر البسيط المتاز بجزالة الموسيقى ودقة الإيقاع والمناسب للموضوعات الجادة.

التصريع والروي: جاء المطلع مصدراً بالتصريع بين الصدر والعجز على حرف الراء، واستمر حرف الراء المرفوع (الضم) روياً لجميع أبيات القصيدة الـ 48، وهو ما يتناغم مع معاني “الرفع” والدعاء برفع البلاء والوباء.

شعرية اللغة ومصفوفة الضمائر: تميز النص بسلاسة اللفظ وتنوع الأساليب والتركيبات الجملية. وتوزعت الضمائر فيه لتجعل المتكلم الحاضر بؤرة للتعبير الذاتي والانفعال الوجداني والإيماني.

خاتمة

تظل قصيدة “هذي الديار” النموذج الأبرز لوفاء الشاعر إسماعيل زويريق لعرش القصيدة العمودية؛ إذ نجح في تطويع أصالتها الفنية الجمالية لتعبر عن أدق المباشرات الذاتية والإنسانية، ولتكون ملاذاً يستغيث به ومبحراً يرسو فيه عند رحاب المديح النبوي الشريف.

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

صراع الذاتي بالروحي: قراءة في لوحة الفنان التشكيلي السوري بسام الحجلي – الحسَن الگامح

الحَسَن الگـامَـح*   على سبيل البدء في عالم الفن التشكيلي، يظل الألم الإنساني أحد أكثر …

اترك تعليقاً