الرئيسية / الأعداد / الهايكو العربي .. بين المجاملة ورَصانة التأسيس (الجزء الثالث) – توفيق أبوخميس

الهايكو العربي .. بين المجاملة ورَصانة التأسيس (الجزء الثالث) – توفيق أبوخميس

إضاءات على الهايكـــــــــــو

الهايكو العربي .. بين المجاملة ورَصانة التأسيس (الجزء الثالث)

توفيق أبوخميس*

 

“وما دام التطور التاريخي في الأشكال “الاجناس الأدبية” أمر حاصل، يصح القول أن لا طفرات في الأدب أو لا ابتداع لنوع أدبي ما، إن لم يكن هناك مخاض تاريخي عاشه المبدع مع مجموعة مبدعين فأنتجوه أدبا”

د. نادية هناوي*١

نظرية الأجناس الأدبية theory of literary genres مصطلح يشير إلى مبدأ تنظيمي يصنف الأعمال الأدبية تبعاً لأنماط أدبية خاصة من التنظيم أو البنية الداخليين لهذه الأعمال، وتستمد غالب هذه الأنماط من الأعمال الأدبية الرفيعة التي تتحول تقنياتها وقواعدها ومبادئ تنظيمها وطرائق بنائها، بفعل جملة من العوامل الاجتماعية، إلى معايير يأخذها الكتاب بالحسبان عندما يشرعون بكتابة نصوصهم، ويجعل النقاد من هذه المعايير كذلك منطلقاً في تقويمهم للنصوص التي يواجهونها، كما يحدد بها القراء آفاق توقعاتهم من النصوص عند قراءتها وتقديرها. وتكوّن الأجناس الأدبية فضاء جاذب وله تأثير فعال جداً في عملية إنتاج الأعمال الأدبية ونقدها وتداولها في أي تقليد أدبي كان، بحيث تؤدي الأجناس الأدبية دورها كمؤسسة مهمة من مؤسسات أي مجتمع، بحيث تؤدي جملة من الوظائف تتصل بالكاتب والمتلقي العام والمتلقي الخبير معاً

لقد شغلت نظرية الأجناس الأدبية مكانة كبيرة في الكتابة الأدبية والنقد العربي، حيث تعد هذه القضية من القضايا الأساسية والمحورية التي تناولها بالبحث والدراسة معظم النقاد والباحثين من زمن أرسطو إلى النقاد الحديثين، وتسعى نظرية الأجناس الأدبية إلى تصنيف أشكال الخطب والممارسات الإبداعية على شتى أنواعها والتي يبدعها الأدباء، وتصنف أشكال الخطاب وفق معايير وخصائص، حيث ترتكز نظرية الأجناس الأدبية على مجموعة من الجوانب النظرية التي تعرّفنا بأصل الأجناس الأدبية وتعتمد منهجية الإلمام بمختلف الجوانب التي تحسم الجدل في تحديد نوع النص، وقد توسعت الدراسات العربية في نظرية الأجناس الأدبية حتى شملت التناص والسيميولوجيا والنقد، فقد تولدت على يد النقاد مجموعة من النظريات للأجناس الأدبية والتي نذكرها في المقال السابق.

الأجناس الأدبية ليست مفهوم خاص بكل جماعة أو بلد أو زمن أو دين، فهي تُعدُّ معياراً عاماً يلزم الجميع.

“ولعل السبب في مائعيه التعاطي مع التجنيس لأي شكل من أشكال الكتابة الإبداعية، متأت من كثرة المعايير التي تضبط هذه الكتابة أو تلك، لتضعها في خانة معينة وقد وسمت باسم معين هو جنس مؤطر بحدود لا تقبل العبور أو الاختراق.

ولقد غدا إقرار منظري الاجناس بحقيقة أن لا جنس يمكن أن يوصف بأنه كبير أو مستقل، أمراً مفروغاً منه، ما دام أي شكل كتابي هو صنيعة جنس أكبر منه أو هو نتاج تركيز على بعد فني في الجنس نفسه أو حصيلة تداخل واشتراك مع جنس آخر. وهذه الحقيقة هي التي تجعل التجنيس و اللا تجنيس مشروطين بمعيار نعتقد أن ملكيته بالأساس فكرية والاتصاف الجماعي في الكتابة فيه بالتأكيد قطعي وناجز.

وهذا المعيار هو الاختلاف الذي هو ضديد الاختلاط الذي به نستطيع أن نؤشر على الشيء من دون أن يعتري تأشيرنا أي اعتراض أو استدراك أو مراوغة، في أنَّ هناك جنساً آخر تجمعه به ميزة أو أكثر. مما يسميه جيل دولوز*٢ ( مبدأ الاختلاط المدمر)”

من عيوبنا الواضحة في المشهد الأدبي والنقدي: المجاملات المكشوفة ، التي زادت من وجودها وسائل التواصل الاجتماعي.

نقرأ أحياناً بعض النصوص السطحية البسيطة فنجد التعليقات العالية التي تشيد بتميزها، مما يساهم في خداع أصحابها فيظنون أنهم وصلوا لمرحلة التميز والفرادة، خصوصاً حين تصدر تلك التعليقات ممن نصبوا أنفسهم متخصصين.

لقد كان نقادنا القدامى أكثر شجاعة وصدقاً ، حتى لو قسوا في آرائهم النقدية، لذلك كانت تلك الفيوض النقدية نظريات وتأليف بحوث عميقة ودقيقة .

لكن حين تتحول المجاملة إلى ثقافة، والترقيع إلى منهج، والتبرير إلى دفاع، والتطبيل إلى وسيلة لتغليف الحقيقة، لا تعود المشكلة في التقييم الأدبي وحده .. بل في البيئة التي تمنع اكتشاف الخطأ وتصحيحه …!

الأخطر أن بعضهم لا يريد أن يسمع:

“هذا النص ليس بهايكو أو لا يلامس جوهره”

بل يريد سماع:

“فكرة عظيمة، وأسلوب ممتاز، ونص مبهر للغاية” .. بينما تقييم النص عكس ذلك تماما …!

والسؤال الذي قد يزعج البعض ايضاً:

هل نحن حقاً نبحث عن الحقيقة التي تساعدنا على تصحيح المسار، أم عن الكلام الجميل الذي يدغدغ مشاعرنا ويجعل صاحب الكتابة يشعر أن كل شيء على ما يرام …؟!

 

يتبع ..

هوامش:

1- نادية سعدون هناوي: هي كاتبة وناقدة أدبيّة عراقية صدر لها عددٌ من الكتب لعلَّ أبرزها كتاب «نحو نظرية عابرة للأجناس» وكذا كتاب “السرد القابض على التاريخ” فضلًا عن كتاب «القارئ في الخطاب النقدي العربي المعاصر: نجيب محفوظ أنموذجاً” وكتاب “مقاربات في تجنيس الشعر ونقد التفاعلية” وكتب أخرى من هذا القبيل

2- جيل دولوز: فيلسوف كاتب وناقد أدبي فرنسي (1925-1995)

شاعر وناقد من الأردن

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً