ديوان لامية الوطن للشاعر إسماعيل زويريق أصالة الاستمداد وشعرية المنجز

محمد عيناق*
الشاعر:
إسماعيل زويريق شاعر مغربي مراكشي، ظل وفيا لعشق القصيدة منذ أن وقع في أحضان البوح الشعري؛ أصدر أزيد من أربعين مجموعة شعرية؛ لن أبالغ إذا قلت: إنه يتصدر المشهد الشعري المغربي المعاصر؛ ينحت بَوْحَهُ من صخر وجدانه المرهف؛ وإذا اضطر إلى الغَرْفِ مَالَ إلى بحر عواطفه الجياشة، يلفظ القصيدة كما يتنفس الهواء؛ جال في أغراض الشعر ومعانيه طولا وعرضا، يكفي أنه مدح الرسول صلى الله عليه وسلم بما لم يمدحه به غيره –كما وكيفا- حتى لقب بشاعر الرسول.
وفي بحر عام 2023 أصدر مجموعة شعرية بعنوان: (لامية الوطن)؛ تتكون من ثمانين قصيدة ذات البنية التناظرية القائمة على نظام الشطرين (العمودية)؛ وقبل أن ألج عالم هذا المتن لتسليط الضوء على ما يحبل به من خصائص فنية ومقومات جمالية في حدود أهداف هذه القراءة، تستوقفني أولا:

عتبة العنوان.. وأصالة الاستمداد:
العنوان مدخل كل فضاء ودليل تفاصيله وبوصلة معالمه، و”لحظة اختيار العنوان هي لحظة إبداع بامتياز، لحظة تمتزج فيها الرغبة في تحقيق الدقة اللازمة في المجال الذي هو بصدده، مع الإعجاب بالذات، فتنصهر الذات بالموضوع؛ فتراها في أغلب الأحيان تنشد التميز والسبق، وتتجاوز أعمال السابقين، أو قل: هي الرغبة في الإتيان بما لم يُسبَق إليه”[1]؛ ألا تبوح الأبيات التالية بشيء من ذلك؟ يقول إسماعيل زويريق:
| فلا شيء يسمو عَلَيَّ إذا ما فعندي إلى كل فن طريق فهذا أنا بين أهل القصيد وهذا أنا من خيوط الضياء |
شربت القريض بكأس دهاق سيوصلني للجميل المطاق كأني أنا بين كأس وساق أصوغ لنفسي سراج ائتلاق[2] |
والعنوان: (لامية الوطن) يثير السؤال بقوة -أولا- عن حدود الاستمداد؟
اللامية مصدر صناعي مكون من اللام (اسم الحرف الهجائي) وياء النسبة وتاء التأنيث؛ وتطلق هذه اللفظة عادة على كل قصيدة بنيت على روي اللام؛ غير أنها اكتسبت دلالة اصطلاحية خاصة حين أطلقت في تراثنا العربي على قصائد معينة مضافة إلى عَلَمٍ قومي (العرب-العجم) أو فردي (الطغرائي-الشنفرى).
وبالرجوع إلى معاجم المؤلفات وقواعد بيانات المكتبات نلاحظ أن اللاميات التي حملت هذه الصفة كثيرة، وهي إما قصائد شعرية أو منظومات في العلوم والمعارف[3]؛ فمن اللاميات الشعرية أذكر:
– لامية العرب للشنفرى ثابت بن أواس الأزدي.
– لامية العجم للطغرائي الحسين بن علي الدؤلي الكناني.
– لامية الروم، لابن الحكيم الحلبي محمد بن محمد.
– لامية اليهود للسموأل بن غريض بن عادياء الأزدي.
– لامية الهنود لعبد المقتدر الكِندي الدهلوي.
غير أن لاميتين فقط نالتا شهرة واسعة وحظيتا باهتمام الشعراء والنقاد والمستشرقين والمترجمين، معارضة وشرحا وترجمة وما إلى ذلك؛ أعني: لامية العرب التي قال فيها عمر بن الخطاب: “علّموا أولادكم لامية العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق”[4]؛ ولامية العجم التي يصف فيها الطغرائي حاله ويشكو زمانه[5]؛ قال عنها الصفدي: “أما فصاحة لفظها: فيسبق السمع إلى حفظها، وأما انسجامها: فيطوف منه بخمر الأنس جامها، وأما معانيها فنزهة معانيها، وأما قوافيها فتذهب القوى فيها…”[6]؛ وفي هذا المنعطف تستوقفني:
شعرية المنجز:
يربط إسماعيل زويريق بوعي الشاعر ومعرفته الحالمة اليوم بهذا المنجز الشعري الحاضر بالماضي مؤثرا ومتأثرا:
مؤثرا بفتح شهية القارئ على نمط معين من الإبداع: اللاميات (الشعرية)، بعد أن لفها النسيان أو كاد.
ومتأثرا باختياره لهذا المصدر الصناعي جزءا من مكونات عنوان مجموعته الشعرية.
(لامية الوطن) الصادر عام 2023 يغري بالبحث عن آفاق المغايرة ودرجات التميز والخصوصية، ويطرح أسئلة كثيرة تتعلق في مجملها بشرعية التناص وشعرية المنجز وجمالية التلقي.
تميز عنوان المجموعة الشعرية بإضافة اللامية للوطن، والوطن مَنْزِلُ الإنسان ومحله الذي يقيم به، ففي اللسان: “أَوْطَنَ فلانٌ أَرض كذا وكذا أَي اتخذها محلاً ومسْكَناً يقيم فيها “[7]؛ الوطن بوتقة انصهار العرقي والديني والفردي في ذات واحدة وهوية واحدة هي: الوطن الجامع؛ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على امتلاك الشاعر لمعرفة رؤياوية عميقة تنطلق من كل ما هو فردي وآني إلى المشترك الإنساني في أبعاده السامية والشمولية.
(لامية الوطن): مركب إضافي ارتقى من عنوان أول قصيدة[8] إلى عنوان المجموعة كلها؛ وسواء أكان هذا المركب خبرا لمبتدأ محذوف؛ أو مبتدأ خبره مجموع المتن، فإن القصيدة ذات العنوان نفسه أعتبرها مدخلا مهما لاستجلاء معالم الخبر أو المبتدأ أو كليهما.
افتتح إسماعيل زويريق هذه القصيدة بمقدمة مأساوية إلى حد السوداوية تحدث فيها عن شعوره بخريف العمر قائلا:
| يا نفس لا زادت الأيام في أجلي قد أشفق العمر واسودّت غزالته هذا الخريف خريف العمر يسرع بي |
إن كنت أبصر وجه الليل في الطفل فكيف أقضي الذي يبقى من الأجل صوب المآل لأمر غير محتمل[9] |
فالخريف هنا لا تقتصر دلالته على الزمن فقط، بل يوحي بعمق الشعور بمأساة الانفصال عن المكان، وهو ما يمكن استنباطه من الدلالات التي تحيل عليها مفردات الأبيات التالية:
| إن كان فيك من الأيام باقية إذ كيف يعشق مرعًى من به عوز هذا الوجود وما أغنى محاسنه أطلق جناحك ما هذا الحمى عَسَلٌ |
فاختر لنفسك وَكْرَ الليل واعتزل يقيم فيه بلا شاة ولا حمل على رباهُ تغنى طائر الغزل إن لم تجد ما تروم النفسُ فارتحل[10] |
إن هذه الأبيات المقتطفة من مقدمة القصيدة التي يحمل الديوان عنوانها: (لامية الوطن) تترجم الصراع القوي بين إرادتين: إرادة متشبثة بمحاسن الوجود المكانية والزمانية، وإرادة مجبرة على حتمية الاعتزال والرحيل؛ هذا الصراع بين الإرادتين هو -إن صح التعبير- معنى المعنى، هو البناء الرمزي الجامع لقصائد الديوان التي وإن ارتبطت أغلبها بمناسبة معينة أو حدث خاص، فهي تنطلق من تلك المناسبة لتشرئب نحو المعاني العميقة والدلالات الرمزية الكبرى.
تتجلى قوة وجبروت الإرادة المجبرة على حتمية الاعتزال والرحيل في قوله:
| من بالبقاء على الغبراء ينفرد إنا نحثُّ خطانا نحو ما سلكت قضت وما عيشها رغم الذي ملكت مضت وما تركت فوق الثرى أثرا كأنها لم تعش يوما ولا وطئت |
ومن له في الندى يخفي القضاء يدُ من قبلنا أممٌ لم يحصها عدد إلا كلمح لطرف هدّه الرمد فلم يؤَبَّدْ ولم يخلَّدْ فوقه أحد أقدامها يبسا أو ضمها أمد[11] |
الشاعر إسماعيل زويريق -وهو ضمير المتكلم في القصائد- منخرط بقوة ضمن الإرادة الأولى: الإرادة المتشبثة بمحاسن الوجود المكانية والزمانية، رافعا التحدي ورافضا الاستسلام، يدل على ذلك قوله:
| فيم النزوح عن الحمراء مبتعدا إن يرحل الناس عنها كلهم فأنا هنا سأبقى فلي في كل مقبرة مراكش الحب ما عنها أرى بدلا |
وقبرُ عدنانَ بالحمراء لم يحل مادام عدنان فيها غيرُ مرتحل من الأحبة من في القلب لم يزل وأي معنى يراه المرء في البدل[12] |
فهل اختزل إسماعيل زويريق الوطن -كل الوطن- في مراكش؟
وهل نجح في جعل مراكش شعريا رمزا للوطن؟
أولم تطلق مراكش قديما على كل ربوع المغرب الأقصى؟ وربما ما تزال عند بعضهم تستعمل كذلك؟
أسئلة تستمد شرعية طرحها من طبيعة قصائد هذا الديوان التي تتوزع عبر ستة محاور حسب تقسيم الشاعر، وهي: مراكشيات (8 قصائد)، اعترافات بأعلامها (37 قصيدة)، في تكريمي (4 قصائد)، مراث في أعلامها الأصدقاء (15 قصيدة)، إخوانيات (14 قصيدة)، تقريضات (2 قصيدتان)؛ وهو تقسيم باعتقادي مخاتل (بالمعنى الفني إن صح التعبير) إلى حد كبير، الغاية منه خلخلة أفق انتظار المتلقي، والرمي به في أحضان السؤال: أيهما المقصود بالوطن: مراكش أم المغرب؟
يبدو الوطن للوهلة الأولى محددا في مراكش؛ فإذا أعدنا تقسيم نصوص هذا الديوان فإننا نجدها لا تخرج -من حيث الارتباط بالأرض- عن مجال مراكش الحمراء؛ فهي إما قصائد في وصفها؛ أو قصائد قيلت بمناسبة تكريمه (وهو المراكشي حتى النخاع)، أو قصائد قيلت بمناسبة تكريم شخصيات مراكشية، أو قصائد قيلت بمناسبة تكريم شخصيات وطنية في مراكش، وما دون ذلك قليل جدا ولا يبعد عن دائرة هذه المجالات.
فلامية الوطن من أولها إلى آخرها لامية مراكش؛ يقول:
| هذي مراكش ما أزهى مآثرها تخذت مراكش الحمراء لي سكنا في نبض قلبك نبضي يا مراكش هل وفيك صغت من الألوان لامية |
وما به منيت يدعو إلى الوهل لغير مراكش الحمراءِ لم أملِ تصفو المودة إن كانت على دخل تعطي الحياة لمن أضحى على عجل[13] |
وليس هذا فحسب، فمراكش الحمراء حاضرة في جل -إن لم أقل: في كل- قصائد الديوان، من ذلك قوله من قصيدة مهداة إلى الشاعر أحمد بلحاج أية وارهام، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق:
| مراكش اليوم ما أضحت مزينة لولاك يا شاعر الغبراء ما ضمنت |
إلا لأنك في أسماعها شنف مكانها بين من بالفضل قد عرفوا[14] |
نعم، يبدو الوطن للوهلة الأولى محددا في مراكش، لكن في قصائد الديوان إشارات خفية، لن أبالغ إذا قلت: لن يدركها إلا بصير بأودية الشعر ومجازات الشعراء؛ أقول: إشارات خفية دالة على أن مراكش ليست سوى جزء من كل، وقبس من سراج؛ يقول من قصيدة أنشأها بمناسبة اليوم العالمي للمدرس، وفيها يسمو المكان من أبعاده المحلية إلى آفاقه الوطنية:
| إني لأشهد يا معلم عن مهمـ أديتها فرحا بكل تفنن المغرب الأقصى بك احتل السُّها |
ـتك النبيلة لم تكن مشغولا لا تبتغي غير الثواب بديلا عرشا ونافس في الرقيّ جليلا[15] |
إلى أن قال:
| لم لو تكن ما كان ما وصلت له فانظر إلى الكتبية الزهراء في وابسط عيونك في المحافل كلها |
هذي البلاد حضارة وميولا عليائها تر في الشموخ دليلا تجد الحقيقة فصلت تفصيلا[16] |
ويقول من قصيدة أخرى:
| فما هذه الحمراء إلا سعيدة | وقد تسعدُ الدنيا بما نحن نسعد[17] |
فشموخ الكتبية بمراكش رمز لشموخ الوطن، وسعادة الحمراء عربون سعادة الدنيا بأسرها.
وجاء لفظ الوطن تعبيرا صريحا على قطر المغرب الأقصى في قوله من قصيدة مهداة إلى شيخ القراء عمر القزابري:
| ما أن رأيتك حتى هزني طرب فصحت هذا الذي أضحى به وطني قد طوقتك يد الإنعام في وطني |
ما كان يخفى عن صحبي ويستتر يزهو على كل قطر حين يفتخر فكل قطر لما يرضيك يبتدر[18] |
لقد دل اختيار الشاعر إسماعيل زويريق اللامية مضافة إلى الوطن عنوانا لمجموعته الشعرية على شعوره القوي بالندية وهو يستحضر فحولَ الشعر العربي: الشنفرى والطغرائي وأضرابَهم وشراحَهم ونقادَ شعرهم ومترجميهم، مانحا إياهم شهادة ولادة جديدة، وليلفت انتباه القارئ المعاصر إلى قوة عارضته في المعارضة والمبارزة والمجاراة وركوب حلم التفوق.
إن قراءة هذا الديوان (لامية الوطن) في سياق مجموع أشعار إسماعيل زويريق (الدواوين السابقة) تؤكد أن الرجل ليس شاعرا وطنيا منغلقا على ذاته، ولا إسلاميا وعروبيا إقصائيا وهو الذي بلغ بمدحه للرسول الكريم ما لم يبلغه شاعر قبله، وهو الذي واكب بشعره أيضا كل أحداث الأمة العربية الراهنة بانتصاراتها وانتكاساتها.
باحث في الأدب المغربي من المغرب
المراجع:
[1] العنوان، حقيقته وتحققه في الكتاب العربي المخطوط، عباس أحمد أرحيلة، دار كنوز المعرفة، عمان، ط1/2015، ص59.
[2] لامية الوطن (شعر)، إسماعيل زويريق، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، ط1/2023، ص114.
[3] كشف الظنون، ج2 ص1536 وما بعدها. وأيضا: من عيون الشعر اللاميات، دار الرشيد. دم. دت.
[4] الغيث المسجم في شرح لامية العجم، الصفدي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2016، ط1/ ج1 ص27.
[5] كشف الظنون، ج2 ص1537.
[6] الغيث المسجم، ج1 ص10.
[7] لسان العرب، مادة: وطن.
[8] لامية الوطن، ص7.
[9] لامية الوطن، ص7.
[10] لامية الوطن، ص7.
[11] لامية الوطن، ص13.
[12] لامية الوطن، ص7.
[13] لامية الوطن، ص9-11.
[14] لامية الوطن، ص67.
[15] لامية الوطن، ص25.
[16] لامية الوطن، ص26.
[17] لامية الوطن، ص37.
[18] لامية الوطن، ص94-96.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي