لماذا أكتب الهايكو؟

عادل عطية*
سألني أحدهم ذات مساء، سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه أخذني إلى أماكن بعيدة في داخلي: لماذا تكتب شعر الهايكو؟
لم أجد جوابًا سريعًا؛ فبعض الأسئلة لا تُجاب بالكلمات الأولى التي تخطر على البال، لأنها تلامس شيئًا عميقًا في الروح، شيئًا ربما عاش فينا طويلًا قبل أن نعرف له اسمًا.
قلت له: أكتب الهايكو لأنني أحب الأشياء التي لا ترفع صوتها.
أحب وردة تفتح قلبها في صمت، ونافذة ينساب منها ضوء خافت في آخر الليل، وقطرة مطر تستقر فوق ورقة ثم تسقط دون أن يصفق لها أحد.
أحب وجهًا يبتسم رغم التعب، ويدًا تمتد في لحظة احتياج، وعينين تقولان ما عجز اللسان عن قوله.
ربما لهذا وجدتني قريبًا من الهايكو؛ فالهايكو لا يطلب منك أن تصرخ كي تُسمَع، ولا أن تملأ الصفحات كي تقول شيئًا عظيمًا.
إنه يكتفي بلحظة، لحظة واحدة صادقة، لحظة قد تبدو عابرة للآخرين، لكنها بالنسبة إلى الشاعر قد تكون عالمًا كاملًا.
أنا لا أكتب الهايكو لأنني أعشق الاختصار فحسب، وإنما لأنني مؤمن بأن بعض المشاعر إذا أطلتَ الحديث عنها فقدت شيئًا من سحرها.
الحب مثلًا…
هل يحتاج الحب دائمًا إلى قصيدة طويلة؟
أحيانًا تكفي نظرة من شخص نحبه، كي نفهم كل ما لم يقله، تكفي رائحة عطر عابر في الطريق كي تعيد إلينا سنوات كاملة، تكفي أغنية قديمة كي تفتح في القلب بابًا ظنناه أُغلق إلى الأبد، تكفي نافذة مضاءة في بيت بعيد، لنشعر أن هناك قلبًا آخر مستيقظًا مثلنا، ينتظر شيئًا لا يعرف كيف يسميه.
هذه هي المساحة التي أحب أن أكتب فيها.
بين ما يُقال وما لا يُقال، بين الضوء والظل، بين الحضور والغياب، بين لحظة تحدث الآن، وذكرى ستأتي ذات يوم لتقول لنا: كم كان ذلك الوقت جميلًا، ولم نكن نعرف.
أكتب الهايكو لأنني أخشى على التفاصيل الصغيرة من النسيان. أخشى أن تمر بنا الحياة مسرعة، فنكتشف في النهاية أننا كنا منشغلين بالوصول، ولم نلتفت إلى الطريق.
لهذا أتوقف، أتأمل، أصغي.
أحاول أن أرى ما وراء الأشياء، فربما كانت ورقة شجرة تسقط أمامي تحمل حكاية عن الفقد، وربما كان المطر يكتب على زجاج النافذة رسالة حب، وربما كان طائر وحيد فوق غصن يختصر في وقفته حكاية إنسان قضى عمره يبحث عن رفيق.
الشاعر، في رأيي، ليس من يرى ما لا يراه الناس… بل من يرى ما يرونه جميعًا، لكنه يشعر به بطريقة مختلفة.
والهايكو يمنحني هذه الحرية، أن أمسك باللحظة قبل أن تهرب، أن أضعها بين ثلاثة أسطر، ثم أترك للقارئ أن يكمل الحكاية بقلبه. فأنا لا أحب أن أقول للقارئ كل شيء. أحب أن أترك له نافذة صغيرة، ربما يدخل منها حنينه، ربما يدخل منها وجه شخص أحبه ذات يوم، ربما تدخل منها ذكرى أم، أو أب، أو صديق، أو مدينة، أو بيت قديم لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة.
وحين يحدث ذلك، أشعر أن القصيدة لم تعد قصيدتي وحدي، لقد أصبحت له، وهذا، بالنسبة إليّ، أجمل ما يمكن أن يحدث للنص.
سألني صاحبي: لكن هل تستطيع ثلاثة أسطر أن تحمل كل هذه المشاعر؟
ابتسمت وقلت: وهل يحتاج القلب إلى أكثر من كلمة واحدة كي يرتجف؟، وهل تحتاج العين إلى قصيدة كاملة كي تبكي؟، وهل يحتاج العاشق إلى صفحات كي يقول: أحبك؟
لا.
أحيانًا تكون الكلمة القليلة أصدق من الكلام الكثير، والصمت، في بعض اللحظات، أبلغ من ألف خطاب.
لهذا أكتب الهايكو.
أكتبه لأصالح الإنسان مع التفاصيل التي نسيها، أكتبه لأقول له: تمهّل قليلًا… انظر إلى السماء، استمع إلى المطر، تأمل وجه من تحب.
قل لأمك إنك تحبها قبل أن يصبح الاعتراف متأخرًا.
احتضن من يخاف عليك، سامح من تستطيع مسامحته، وافرح بفنجان قهوتك، وبصباحك، وبوجود من تحب إلى جوارك.
فالحياة ليست فقط تلك الأحداث الكبرى التي ننتظرها. الحياة في التفاصيل الصغيرة التي نعبرها كل يوم دون أن نمنحها حقها من الانتباه.
وفي النهاية، ربما أكتب الهايكو لسبب أبسط من كل ما قلت: لأنني أحب الحياة. أحبها وهي تضحك، وأحبها وهي تبكي.
أحب صباحاتها ومساءاتها، لقاءاتها وفراقاتها، مطرها وشمسها، وحتى حزنها الذي يترك في القلب شيئًا من الجمال.
أكتب الهايكو لأنني أريد أن أنقذ من الزمن لحظة جميلة قبل أن تصبح ذكرى. أن أقول لها: تمهّلي… دعيني أراكِ مرة أخرى، دعيني أكتبكِ قبل أن ترحلي، فكل هايكو أكتبه ليس مجرد قصيدة قصيرة… إنه محاولة صغيرة لإنقاذ لحظة من الموت.
وربما لهذا، حين يسألني أحدهم: لماذا تكتب الهايكو؟
أجيبه ببساطة: لأن بعض الجمال يمر بنا مرة واحدة… وأنا لا أريد له أن يمر دون أن أقول له: رأيتك.
كاتب من مصر
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي