الرئيسية / الأعداد / الهايكو أفق حوار عالمي – محمد بنفارس

الهايكو أفق حوار عالمي – محمد بنفارس

عين على الهايكو

الهايكو أفق حوار عالمي

محمد بنفارس*

 

طوكيو: عاصمة الهايكو 2026

احتضنت طوكيو، من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، المؤتمر العالمي الثاني عشر للهايكو، الذي نظمته جمعية الهايكو العالمية برئاسة الهايجن والناقد الياباني بانيا ناتسويشي. جمع المؤتمر هايجن من خلفيات لغوية وثقافية متعددة، ضمن برنامج تنوعت فقراته بين المداخلات الفكرية والقراءات الهايكوية والجولات الثقافية والتجارب الكتابية المشتركة.

وتتيح العودة إلى أعمال هذا اللقاء تناول عدد من القضايا المتصلة بممارسة الهايكو في سياقات ثقافية مختلفة، والعلاقة بين خصوصية التجارب المحلية وإمكانات التواصل على المستوى العالمي. كما توفر المداخلات والأنطولوجيا والتسجيلات مواد توثيقية تساعد على استعادة جوانب من هذا التفاعل ودراستها خارج زمن المؤتمر.

من اللقاء إلى الحوار

انطلق البرنامج يوم 2 أكتوبر باستقبال المشاركين وحفل عشاء افتتاحي، ألقى خلاله بانيا ناتسويشي، رئيس جمعية الهايكو العالمية، كلمة ترحيبية، وتخللت اللقاء قراءات للهايكو مصحوبة بالموسيقى. أتاح هذا الاستهلال للمشاركين فرصة التعارف وتبادل النصوص، وجعل القراءة الهايكوية مدخلا للتواصل بينهم.

وفي اليوم التالي، تضمن البرنامج توقيع وإهداء وتبادل الكتب. كما تم إلقاء مداخلتين فكريتين لتويومي إيوواكي-ريبيل وبانيا ناتسويشي. أما يوم 4 أكتوبر، فقد شهد مداخلة فكرية ألقاها محمد بنفارس أعقبتها مناقشة. وتواصل البرنامج بعرض فيلم عن تاريخ اليابان وثقافتها، ثم أنشطة ثقافية وكتابية وجلسات ختامية.

المداخلات الفكرية: رؤى وأسئلة مفتوحة

  • تويو مي إيوواكي-ريبيل، من اليابان والمقيمة في ألمانيا: “الفلسفة الشرقية والغربية: مقاربة

فلسفية مقارنة“

تتبعت المداخلة تطور التفكير الفلسفي المقارن بين الشرق والغرب، مستحضرةً عددًا من المرجعيات الفكرية التي أسهمت في تشكيل هذا الحقل. وانتقلت من خلفياته التاريخية إلى اتجاهاته المعاصرة، وصولًا إلى مفهوم الفلسفة العالمية وعلاقته بمشروع الهايكو العالمي الذي يطرحه بانيا ناتسويشي.

  • بانيا ناتسويشي، من اليابان: “الهايكو العالمي والجهات الأربع”

تناولت المداخلة تنوع الهايكو العالمي واختلاف تجلياته بحسب السياقات الثقافية والجغرافية. واستند بانيا إلى نماذج شعرية متعددة من أنطولوجيا World Haiku لرصد أوجه الاختلاف في الكتابة والتعبير، وإبراز تعدد التجارب وتفاوتها، وطرح مسألة العلاقة بين الخصوصيات المحلية والأفق الشعري المشترك.

  • محمد بنفارس، من المغرب: “فن الهايكو: شرق/غرب، شمال/جنوب”

تنطلق المداخلة من إعادة النظر في الجهات الأربع باعتبارها مواقع مختلفة لتلقي الهايكو وممارسته. وتتتبع تحوله عبر اللغات والثقافات، من التجربة اليابانية إلى الترجمة وإعادة التشكيل في الغرب، وصولا إلى إمكانات التعبير في سياقات الشمال والجنوب. وتناقش، من خلال نماذج هايكوية، ما يتغير في انتقال الهايكو وما يستمر في علاقته باللغة والمشهد والأجواء والأثر، مع التوقف عند موسمية الهايكو وإشكالية نقلها بين البيئات المختلفة.

وتشكل هذه المداخلات مادة أساسية لدراسة القضايا الفكرية التي طُرحت خلال المؤتمر. وسيُخصص لها لاحقًا بحث مقارن يستند إلى مضامينها، ويتناول نقاط الالتقاء والاختلاف بين المقاربات الثلاث.

المكان فضاء للممارسة

لم يقتصر البرنامج على قاعات اللقاءات؛ فقد تضمن عرض فيلم عن تاريخ اليابان وثقافتها، وجولة ثقافية في طوكيو شملت حديقة ياسودا المرتبطة بذاكرة الشاعر ماتسوؤ باشو، أحد أبرز أعلام الهايكو الياباني.

ارتبطت الجولة أيضا بممارسة الكتابة. فقد أنجز المشاركون نصوص هايكو تفاعلا مع ما عاينوه خلال تجوالهم، ثم قرؤوا ما كتبوه. وجمعت هذه التجربة بين المشاهدة والكتابة والقراءة، وانتقلت من ملاحظة المكان إلى صياغة استجابة نصية له.

كما أتاحت تجربة كتابة الهايكو باستخدام أسلوب الكاليغراف الياباني تقاطعا بين التعبير الهايكوي وفن الخط. وجمعت هذه الفقرة بين لغات المشاركين وتقليد فني ياباني عريق، بحيث فتحت فرصة للتفاعل بين أنماط مختلفة من التعبير.

التعدد اللغوي والثقافي: من التجاور إلى التبادل

حضر تنوع المشاركين في المداخلات والقراءات والتجارب الجماعية. وأتاح هذا التنوع التعرف إلى ممارسات مختلفة للهايكو، ومقارنة طرائق بناء المشهد الشعري واختيار اللغة والتعامل مع المحيط.

ويتطلب الانتقال من مجرد اجتماع تجارب متعددة إلى الحوار بينها الإصغاء إلى خصوصية كل تجربة، والانتباه إلى ما تتيحه الفوارق اللغوية من إمكانات، وما تطرحه من تحديات في الترجمة والتلقي. وانطلاق من هذه الرؤيا، يمكن اعتبار المؤتمر فضاء للقاء بين تجارب تختلف في مرجعياتها وأساليبها، وتجد في الهايكو وسيطا مشتركا للتواصل.

واختُتم البرنامج بعشاء تخللته قراءات للهايكو بمصاحبة فرقة موسيقية وفقرات موسيقية، فاجتمعت الكلمة الشعرية والموسيقى في ختام اللقاء.

الأنطولوجيا: ذاكرة هايكوية للمؤتمر

رافقت المؤتمر أنطولوجيا أعدّها بانيا ناتسويشي وترجم نصوصها إلى اليابانية، تحت عنوان “فن الهايكو: شرق، غرب، شمال وجنوب”. وتضم المجموعة نصوصا للمشاركات والمشاركين ولوحات فنية، وقد وُزّعت نسخ منها خلال اللقاء.

وتوثق الأنطولوجيا سمة التعدد اللغوي والثقافي الذي ميّز المؤتمر، وتتيح العودة إلى أسماء المشاركين وتجاربهم الهايكوية خارج زمن انعقاده. كما تمثل مادة يمكن الاستناد إليها في دراسات لاحقة تتناول اختلاف الممارسات الشعرية وطرائق انتقال الهايكو بين اللغات والثقافات.

ما الذي بقي بعد المؤتمر؟

امتد برنامج المؤتمر على ثلاثة أيام، وأنتج مواد قابلة للتوثيق والقراءة والمقارنة، تشمل المداخلات والقراءات والأنطولوجيا والنصوص التي أنجزها المشاركون خلال الخرجات، إلى جانب التسجيلات والصور التي تحفظ جوانب من التجربة.

وتتيح هذه المواد العودة إلى أشغال المؤتمر ودراسة مخرجاته ومقارنة تجاربه، ومتابعة الأسئلة التي أثارها حول الهايكو وممارسته في سياقات لغوية وثقافية متعددة. وتظل أهمية هذه اللقاءات مرتبطة بما تتيحه من تبادل، واستمرار الحوار عبر القراءة والترجمة والنشر والتواصل بين الهايجن.

شاعر ومترجم  من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

مقدمات أساسية في الوعي والنهوض بالثقافة والفكر – حسن إمامي

حسن إمامي*    (هذه مجرد مساهمة واقتراحات لا تكون لها قوة وجود وإمكانية تحقق ما …

اترك تعليقاً