ذاكرة تحت الطلب

فاطمة الديبي*
تجلسُ هناك، كأنها منحوتةٌ من صمتٍ وأناقة، تُلقي بنظراتها الرقيقة عبر زجاج النافذة، حيث تغسل السماءُ وجه الأرض بدموعٍ خريفيةٍ هاملة. ثمة تلاحمٌ خفيٌّ بين ضوء النهار الشاحب وألوان الخريف المشتعلة في الخارج، صاغ حولها هالةً من رومانسيةٍ حزينة. تكسّرت طيّات ثوبها على الكرسي في تموّجاتٍ هادئة، بينما كانت نسماتُ الهواء تتسلّل خلسةً من فتحةٍ مواربة، تعبث بطرف شالها الحريري.
يتصاعدُ من فنجانها بخارُ القهوة، كأنه أنفاسُ ذكرياتٍ تبحث عن مستقر؛ رائحةٌ دافئة تملأ الأرجاء، وعلى تقاسيم وجهها ارتسمت ملامحُ تأمّلٍ ساكن. ورغم وحدتها، كان حضورها يضجّ بالحياة، متناغماً مع صخب المطر في الخارج، كلحنٍ منفردٍ يعزف السكون في قلب العاصفة.
قطع هذا اللحنَ الهادئَ طنينٌ خافتٌ لهاتفها الموضوع على الطاولة الرخامية. لم تتحرّك، بل ظلّت مسمّرةً نظراتها نحو شجرة الزيتون التي تعانق الريح في الخارج. كانت تعلم أن الرسالة المنتظرة قد وصلت أخيراً، لكنها آثرت أن تعيش لذّة الترقّب لثوانٍ إضافية. ارتشفت آخر ما تبقّى من دفءٍ في فنجانها، ثم التفتت بابتسامةٍ غامضةٍ امتزجت ببريق المطر في عينيها. مدّت يدها ببطءٍ نحو الهاتف، لا خوفاً من المحتوى، بل تقديراً لتلك اللحظة الفاصلة التي ستبدّل سكون الغرفة إلى ضجيجٍ من نوعٍ آخر؛ ضجيج الحياة التي قرّرت أخيراً أن تطرق بابها.
أضاءت الشاشة الباردة، فانعكس نورها على عينيها المتعبتين، لتقرأ سطراً تقنيّاً جافّاً:
«تحذير: النظام بحاجة إلى إعادة شحن… هل ترغبين في تمديد زمن المحاكاة؟»
تصلّبت الابتسامة على شفتيها، وبدأت تفاصيل الغرفة تتلاشى من الأطراف، كلوحةٍ مائيةٍ ذابَت ملامحُها. نظرت إلى يدها، فلم تجد سوى وميضٍ رقميٍّ باهت، وفي اللحظة التي همّت فيها بلمس هاتفها، انطفأ كلّ شيء. غرق الخريف في سوادٍ مطلق، لتجد نفسها داخل كبسولةٍ ضيّقة، وجسدها موصولٌ بأسلاكٍ دقيقة، بينما يهمس صوتٌ آليٌّ في أذنيها:
«انتهت جلسة استعادة الذاكرة… نرجو العودة إلى الواقع، فالشمس لم تشرق على الأرض منذ قرنٍ من الزمان».
قاصة من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي