
قراءة نقديّة في رواية “المتشابهون” لأحمد طايل
فوزية الصفّار الزاوق[1]
تمهيد:
“المتشابهون” رواية سكنت صاحبها ولا تزال، سَعِد بإنشائها نصًا جميلا، ووجها من وجوه العشق لبلده. انصهرت فيها الحقيقة بالخيال والحلم بالواقع والماضي بالحاضر. يثبت كاتبها للمتلقّي أن ليس من يكتب شابّا كمن يكتب كهلا، وقدّ تقدّمت به السنّ ونضجت أفكاره. إنّه، كان يكتب ليصوّر الواقع، واليوم يكتب ليُعمل الرأي والرّوِيَّة في تضاريس هذا الواقع. إنّه نصّ مُربك، فيه تحوّلت لحظة الإبداع إلى قسوة أوجاعٍ، وفيه تحوّل الخطاب التاريخيّ خطابًا روائيّا إبداعيّا منشغلا، بقضايا الراهن منفتحا على المستقبل.
- التقديم الماديّ والمعنويّ للكتاب:
- التقديم الماديّ للرواية:
بين أيدينا اليوم كتاب عنوانه “المتشابهون” للروائيّ المصريّ أحمد طايل[2]، يقع في 287 صفحة، وسمه المؤلّف بجنس أدبيّ معروف هو جنس الرواية، صادرة عن دار سمير منصور للنشر والتوزيع بغزّة فلسطين 2023. تضمّ أربعة عشر لوحة فنيّة في أغراض شتّى لا يكاد يجمع بينها في الظاهر، جامع ولكنها، في الباطن، وحدة. من المفيد أن نعرّف بمؤلفها:
- من هو مؤلّفها؟
هو أصيل محافظة الغربيّة (طنطا)، من مواليد سنة 1956، شُغف بالكتابة منذ مراحل التعليم الأولى، كانت حياته مشدودة إلى الأسرة والسماع إلى حكايات الأب وأصدقائه والأمّ والنساء المقرّبات منها. يمثّل وجها من أبرز الوجوه الثقافيّة. عمل لبعض الوقت في الصحافة، مُراسلا ثقافيّا “لأخبار الأدب المصريّة” تحت رئاسة الأديب والمبدع والصحفيّ جمال الغيطاني، وكانت بداية قويّة، عرّفته بالكثير من أصحاب القلم. وكتب أيضا المقالات بالصحف الإقليميّة، ثم اتّجه إلى إجراء الحوارات الأدبيّة مع العديد من كبار الكتّاب في مصر وخارجها.[3]

- في عتبات النصّ الروائيّ:
- سلطة العنوان متعة القارئ:
يعتبر العنوان من العتبات الهامّة التي أولتها الدراسات الأدبيّة والنقديّة عناية خاصّة. إنّها العتبة الأولى التي نلج من خلالها المتن السرديّ. وما العنوان، في المطلق، إلاّ نصّ مختزل ومكثّف ومختصر بنية ودلالة.
جاء العنوان في هذه الرواية كلمة واحدة، مُعرّفة بالألف واللاّم، في صيغة الجمع. ولقارئ هذا النصّ الروائيّ أن يتعرّف على الوظيفة التأويليّة، وأن يفكّ شفراته التي تساعد القارئ على فكّ ألغاز الروايّة، والوقوف على مرجعيّات الكتابة فيها. إنّنا تجاه عنوان يبدو، في الظاهر، باهتا، ولكنّه، في العمق، مُخاتل، يُوحي بأكثر من معنى. ومن العنوان إلى ورقة الغلاف، وهي العتبة النصيّة الثانية، وردت قاتمة وضبابيّة إلى حدّ مّا.
- عتبة التصدير:
يُعدّ هذا التصدير مرجعيّة هامّة يؤسّس للنصّ الأدبيّ حينا، ويُنشّط أفق انتظاره أحياناً أخر. صدّر أحمد طايل روايته بمثل شعبيّ، كثيرا ما كان يتردّد بين الناس، و“يخلق من الشبه أربعين“.[4] وهو تعبير مجازيّ مُبالغ فيه، يصف، في الظاهر، شدّة الشبه بين شخص وآخر، وفي الباطن، تذهب فيه النفس كلّ مذهب. والمتأمّل في هذا النصّ يدرك أنّ التشابه موجود على مرّ الأجيال والعصور، قد يتجلّى، في الملامح والبنية الجسديّة حينا، وقد يبدو في ضرب من الكياسة والفطنة حينا آخر، وقد يتعدّى ذلك إلى تشابه في الفكر والروح والرؤى. وقد تتباعد بنا الحياة، ويأخذ كلّ منّا مسارًا مختلفا على الآخر، ومع هذا يبقى التشابه كامن فينا،” من بعيد ينادينا”. المهمّ، أنّ هناك خطّ ناظم يُوحّد بيننا جميعًا، هو هذا التشابه المضمر حينا والمظهر أحيانا، إنّه التشابه المتوارث بين الأجيال، وعبر سير الآباء والأجداد. لكلّ منّا أصفياؤه، حتّى لو تباعدوا أعواما طويلة، وكأنّ الفراق لم يحدث، فيرتبطون ببعضهم ارتباطا روحيّا وفكريّا وإنسانيّا للمُصالحة مع الذات، لذا لا بدّ أن نبحث بلا كلل عمّن يشبهنا لنجد راحتنا. والخلاصة أنّ التشابه مطلوب، والاستثناء منشود، والانسجام والتناغم والألفة تبقى مقصدا محمودا من مقاصد الشعوب.
- التقديم المعنويّ للرواية:
هي رواية “المتشابهون” للكاتب المصريّ أحمد طايل، إنّها تنقل الواقع بكل تفاصيله في صيغة حكائيّة، لا تخلو من جماليّة، قرأتها وشُغفت بها، أعدت قراءتها أكثر من مرّة، فاستبان لي، الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فزدت بها ولعًا وأيقنت بأنّ لهذه الرواية مذاق مختلف ونكهة مخصوصة.إنّ المطّلع على هذه الرواية، ولو على عجل، يُدرك أنّ صاحبها تجاوز فيها المألوف، متطلّعا إلى كتابة نصّ مُستحدث، لا يخلو من طرافة، يَحْوِي أكثر من حدث يمزج الواقع بالمتخيّل، ويُحيل على ذات الكاتب، وهو يُنشئ أدبا أصيلا “له مناسكه وطقوسه إنّه، على حدّ تعبير الناقد التونسيّ المنجي الشملي، “فيه للروح متعة، وللقلب غذاء وللعقل نور”[5]. ولا شكّ، أنّ أيّ عمل إبداعيّ، يُغذّي السرد، ويُؤطّر الحكاية، ويستعيد التجربة الحياتيّة بُغْية ” تأسيس مَلْفُوظ قادر على غواية القارئ واستدراجه إلى الانخراط في القراءة والتأويل وإنتاج النصّ”[6]. إنّها فنّ كلام، جُلّه ” إمتاع ومؤانسة“.
- بنية الرواية:
تتضمن رواية “المتشابهون” أربعة عشر لوحة فنّيّة، قابلة لقراءات متعدّدة، قراءة واحدة لا تكفينا، للنّفاذ إلى جوانبها الخفيّة. إننّا، إزاء مهرجان فنون، تتعطّش له النفوس الظمأى لكلّ فنّ أصيل. إنّ المؤلّف، وهو ينشئ نصّه الروائيّ، يحفر عميقا في ذواتنا، ويُخاتل قارئه ويرسم له رؤى فلسفيّة، تدفع به إلى التفكير دفعا. جاءت هذه الرواية مشحونة بقضايا متنوّعة، يُهيمن عليها الوصف في نصّ يفترض سيادة السرد. إنّه، طوال عقود عمره، كان يتعامل مع الحياة بمرونة تامّة. كان يعتنق شعارًا ينير سبيله، لم يَحِدْ عنه، ولو مرّة على سبيل الخطأ، مُفاده ” ابتسم للدنيا تضحك لك“. ولكن، مع التقدم في السنّ، زاوجت تلك المساحة من الشعر الأبيض تجاعيد، استولت على الوجه والعنق مع انكماش بالجلد المصاحب لها، ممّا زاد في كَدره. وانهالت عليه الأسئلة، وغمغم فيما بينه وبين نفسه، ” لِمَ يحدث كلّ هذا؟ “. ويأخذه حزن عميق ينخر كيانه. قتنغلّق أمامه السُّبل ولم يصل إلى إجابة مُقنعة، تُخرجه من حيرته، سوى اقترابه من سنّ التقاعد. إثرها استولى عليه شيء من الإحباط واليأس، فاستسلم لمشيئة الخالق، ورفع رأسه إلى السماء مُتمتما ” لك الأمر من قبل ومن بعد”، وتملّكه إثر ذلك شرود، لم يستطع الخروج منه لشدّة تكتّمه. ولا شّك أن الناظر في نصوص أحمد طايل يُدرك أن الكتابة، عنده، موقف من الحياة ورؤية للعالم وفتح أفق جديد في قراءة الواقع.
ثمّ تقدّمنا في قراءة الرواية، من ليلة زفافه “التي ظلّت حديث الوزارة وأزقّتها زمنًا”، يُضاف إليها الكثير من بهارات الحكايات، إذ كيف لإنسان يتمتّع بكلّ هذا الثراء والرفاهيّة التي تكفي أجيالا من بعده، أن يكون مجرّد موظّف حكوميّ؟ بل كيف لإنسان مثله، أن يعمل تحت إمرة رؤساء بعضهم نرجسيّون مُقابل حفنة جنيهات؟ وكأنّنا بأحمد طايل ينقد الأنظمة الإداريّة الفاسدة التي تُسيئ إلى الموظّف. إنّهم يتساءلون، وهم في حيرة، من أمرهم، وفاتهم، أنّ لا شيء في هذه الدنيا، يُضاهي قيمة العمل الدؤوب وكأنّهم، لم يصلوا إلى إجابة تُرضي فضولهم فسلّموا أمرهم مردّدين “لله في خلقه شؤون”[7].
*الزواج التقليديّ:
إننّا، إزاء روائيّ، قادر على إغناء النصّ الروائيّ بمواضيع ثريّة، تمسّ المجتمع الإنسانيّ، من قريب أو من بعيد، مثل قضيّة الزواج التقليديّ. والمتأمّل يدرك أنّ حيرة هذا الكاتب الفرد أحمد طايل هي أيضا حيرة جيل من المثقّفين تجاه العديد من القضايا. هبّت عليهم ريح الحداثة فهزّت الأركان وزعزعت الكيان وقتلت فيهم قيما ساميّة وفسخت من أعماقهم كلّ شيء جميل فغابت صلّة الرحم من دنياهم وفُقد الودّ والدفء العائليّ من أعماقهم، فيمتلكه شيء من الإحباط لما آلت إليه الأمور عبر تشتيت شمل العائلة، يقول: “ذهب كلّ من الولدين: واحد إلى الشرق والثاني إلى الغرب، لا نراهم … لفترات طويلة، وإن حَظِينا برؤيتهم فنراهم من خلال الخصائص الإلكترونيّة … كلّ شيء أصبح مُعَلّبا داخل أنبوب، فقد رائحته وروحه”. أراد السارد أن يُكسّر القاعدة، متسائلا: ” ألا يحقّ لنا أحيانا ونحن نسير على درب النضج والتقدّم في السنّ أن نتجاوز المألوف من العادات والتقاليد الباليّة، تَمَرّدٌ متأخّر، ولكن، به نستطيع الحياة بشكل مُغاير”.
إنّنا إزاء روائيّ مثقّف، مؤمن برسالته، وكذا مؤمن بقدرته على الفعل والتجاوز. إنّه قرّر أن يغيّر منهج حياته، أدرك أنّ الزواج مغامرة، وأنّ الحبّ انصهار وذوبان، لا مجرّد حسابات. آمن بأنّ “زوجته أنثى لكلّ الأوقات والفصول، وخاصّة وقد أعطته، كلّما حَلُم به، وأبى أن يكون لغيرها …؟ “، تحرّر من عُقده بعد أن تغيّرت ذائقته الإنسانيّة تجاه الذكر والأنثى “وضع يده على كتفها، تبعثر شعرها الأسود الفاحم المسترسل … أقبل كلّ منهما على الآخر مُلتحمين ومُنصهرين تماما، “أحسّ هو”
و” أحسّت هي” كأنّهما بليلة زفاف أولى … وكأنّه الإحساس بحاجتهما إلى الاحتواء”. ومُذ شُعُر الآباء بهذا الفراغ، اتّخذوا موقفا جريئا من هؤلاء الأبناء، ” تُؤخذ الدنيا غِلاَبا”. وإثر هذا التغييّر الطارئ، آمنت هذه الزوجة بذاتها، وكذا زوجها أمسى يراها أشبه “بموناليزا” هذا الزمن”. تقول، في خيلاء، “اللّيلة كانت غير كلّ اللّيالي، للمرّة الأولى يتفوّه بالحبّ صراحة وبصوت عال، البارحة أسمعها أحلى الكلمات … تحوّل إلى شاعر من الكبار … في هذا اليوم شَعُرت كأنّها ابنة العشرين، … وقفت أمام مرآتها تتأمّل وجهها، وجه ضاعت منه التجاعيد التي كادت تُرسم على جبينها، … بشرة ناعمة … ابتسمت لذاتها … ” ومن ثمّ أدركت هذه الزوجة المُستنيرة بالعقل، أنّ الحبّ ليس مجرّد كلمات تُقال بل أفعال عفويّة تَصِلُ بصدق إلى مُتلقيها. وقد يُعاودها نوع من الحرج أحيانا، ويستولي عليها خجل السنين فتُذكّر زوجها بتقدّمه في السنّ قائلة: ” ما بك يا رجل؟ هل أُصِبْت بداء مراهقة الشيخوخة؟ أنسيت أنّك جدّ.” فيتدارك زوجها الأمر ويرفع عنها اللّبس، قائلا: وَهَل السنّ أيّا كان يمنع أن تعيش الحبّ، وأن تُمارسه وتتمتّع بمذاقه، فالحبّ لا يعرف الشيخوخة”. وقد تتزوّج وتتأقلم مع واقعك، وقد يحدث لك ما حدث للسيّدة ثُريّا، هذه الفتاة التي لا تعرف عن زوجها شيئا فتفشل هذه العلاقة بعد أشهر قليلة، لأنّ زوجها لم يلمسها”، وانتصرت لنفسها وأنهت علاقة وُلدت ميّتة”.[8] واعْتُبر يوم تسلُّمها تقرير عذريّتها وكأنّها ولدت من جديد ولا ننسى أنّنا في مجتمع عربيّ إسلاميّ محافظ. ولمَحو تلك الذكرى القاسيّة من مُخيّلتها، ارتأى الكاتب أن تواصل الفتاة دراستها الجامعيّة حتّى لا تقع في الخطإ من جديد، قائلا: ” إنّنا أبدا نظلّ بحاجة إلى التعليم لأنّه يفتح أبصارنا، ويجعلنا نقرأ جيّدا مجريات الأمور”. وواصلت مسيرتها بكليّة الآداب قسم اللّغات الشرقيّة، وتعلّمت التروّي في أخذ القرارات. وبعد إنهاء دراستها العاليّة تفتّقت مواهبها، ودخلت معترك الحياة بثبات وتزوّجت بمن تحبّ “هي”، لا بمن يختاره لها “والدها”.
*الفوارق بين ناس القرى وناس المدن:
وقد عالج أحمد طايل قضايا أخرى مستمدّة من الواقع الراهن وتتطرّق إلى موضوع هامّ يرسم الفوارق بين ناس القرى وناس المدن، الكلّ بعزلة تامّة، لا يعنيه أمر أحد، … الكلّ قد تلبّدت عندهم المشاعر والأحاسيس، لذا تجد البرودة والغربة سائدة بغالبيّة بيوت المدن، خلاف بيوت القرى، فهم لم يبتعدوا عن موروث عاداتهم وطباعهم إلّا قليلا.
*الحنين إلى الأوطان:
وكأنّنا بأحمد طايل، قد خصّ روايته بموضوع أخر حارق هو الحنين إلى الأوطان، وهي قضيّة قديمة قدم الأوطان نفسها. وقد تضطرّنا الظروف لمغادرة أوطاننا لتحقيق أحلامنا، ولكن يوم نصحو من وَهْمِنا، يأخذنا الحنين من جديد إلى بلدنا الغائب، قائلا: ” أنا طفت العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، لم أجد مثيلا لهذا البلد “. تصدّقون لو قلت لكم أنّي كنت عندما ألتقي بأيّ مصريّ أو مصريّة بأيّ بلد كان، أُهرول لمصافحته، كنت أستمدّ منه دفئها … ما كان يعنيني، هو تلقّي رسائلها من مصافحة ناسها”، إذنّ، جيّد أن نغادر الوطن، ولكن لا بدّ أن نتشبّث به، ونحبّه ولو عن بُعْدٍ، يقول: ” كم أحبّ هذا البلد، واليوم أشُهدكم على قرار أخذته، وهو أن يكون المقرّ الرئيسيّ لشركاتي وأعمالي هنا، وَرَحَلَاتي للفروع فقط، من هنا تُدار كلّ أعمالي”. “ولا ننسى أنّ الوطن في العينين”
* الصدفة تصنع الأعاجيب:
والجدير بالملاحظة أنّ اللّوحة التي أثارت انتباهي أكثر في رواية “المتشابهون” هي تلك اللّوحة التي شدّت “كريستينا” لإمبراطور السياحة “لوكاديموس” بقوّة مغناطسيّة كأنّه قدر محتوم، هي نفسها لم تجد تفسيرا لذلك، هي عاجزة عن الإجابة، تقول “أحسست أنّ هذا الرجل هو الذي كنت أبحث عنه وأنتظره، لا تسألني كيف وأنا أراه للمرّة الأولى؟ لعلّ الصدفة جمعتهما، والعفويّة قرّبتهما، وشرف الجلوس بين يدي لوكاديموس يَسَّر الأمور وبثّ الألفة بينهما، تقول كريستينا: “حقيقة شعرت أننّي بحضرة عَازفٍ يُجيد انتقاء أحرفه … هذا الرجل له كاريزما، في الحقيقة حوّلني إلى شبيهة بمن تزور الكنيسة لتعترف بذنبها، وهو جالس صامت أمامها. والعجيب أنّها لم تخجل من أيّ شيء. وما إن تطهّرت واعترفت حتّى استدرجها إلى الرقص على إحدى معزوفات اليونانيّ (نيكوس) فانتشت وفرحت وغمرتها إثر ذلك اللّقاء، الفريد من نوعه، أسئلة لا تنتهي.
وبعد أيّام، حدثت المفاجأة التي فاقت خيالها، عاد يستضيفها ثانية واصطحبها إلى أرقى فنادق المدينة حيث جلسا في ركن قصيّ، بعيد عن الضوضاء، وظلّ لفترة طويلة، سَاهِمًا ومكتفيا بالنظر إلى وجهها، ثمّ جاهرها قائلا:” مثلما فتحت كتابك لي، سأفتح كتابي أمامك. سوف أخبرك أمرا أنا مندهش له، لماذا أفتح كتابي الآن ولك أنت، رغم أنّي من أنصار أنّ لكلّ إنسان صندوقا خاصّا يجب أن لا يُظهره لأحد على الإطلاق، مهما كانت الصلة بينه وبين الآخرين، ولكننّي أجد نفسي مُندفعا لأن أفتح كلّ شيء، ولا أعرف سببا سوى أنّي أريد هذا وبشدّة”. أصغت بِشَغَفٍ لكلّ ما قال، وشدّ انتباهها أكثر، كلمة الافتتاح ” التي قال فيها: “أنا مصريّ، أرتدي زيّا يونانيّا، المصريّون يقولون أنّ من يشرب من النيل لا بدّ أن يعود إليه. وأنا أزيد على هذا، إنّ مصر روح تسكن من يولد على أرضها ولا تغادره أبدا، وأنا أحيا بهذه الروح، خطواتي تسير وفقها …، ثمّ اندفع يحكي عن حياته مع والده، وعن وفاة أمّه، وعن هجرته وعن زواجه الأوّل من (إيلينا)، وكيف غادرا حتّى لا يظّلا تحت رداء الأب وثروته، ولم يسكت “ديموس” عن الكلام المُباح حتّى طلع الصباح. وإثر انبلاج الصبح توجّه إلى بيت أبيها، وطلب يدها للزواج، وحصل الاتفاق وكان لوكاديموس، شبه متأكّد من موافقتها، لأنّ تجربة السنوات الطّوال علّمته “أنّ الارتياح بداية الأشياء الجميلة”. المهّم، في رأينا، أنّ التشابه لا يقتصر على التطابق، وإنّما أحمد طايل، قد كسّر القاعدة وأثبت أنّ الصدفة، وحدها، قادرة على صنع الأعاجيب، تقول:” الأشياء التي تقع صِدفة ووليدة اللّحظة تحمل في طيّاتها الكثير من السعادة وخاصّة الإحساس بالجاذبيّة والارتياح”.
خاتمة:
وصفوة القول، إنّ الإبداع الروائيّ لا يخلو من قدرة على تمثّل لقضايا المعاصرة وقراءتها قراءة لامتناهيّة. ولا شكّ أنّ رواية “المتشابهون” لأحمد طايل بلوحاتها المتنوعة وثيقة فنيّة ومشروع مستقبليّ وشاهد على العصر. ولا يخفى على القارئ المُتمرّس أنّ الإبداع مرتبط بالمتعة التي تُخلّفها قراءة نصّ مّا في النفوس، فالشعور بالمتعة، أثناء قراءة نصّ مّا وبَعْده، هو أسمى ما يُمكن أن يُحْدثه كاتب مُتميّز في نفس قارئه. المهمّ أنّ تجربة أحمد طايل السرديّة هي تجربة راقيّة، تُمسك بالأصالة في أسمى معانيها، تُمازجها، بين الفينة والأخرى، روح حداثيّة، وثيقة الصلة بروح العصر، إنّها، لا تخلو من طرافة، ودعوة ملحّة لتجديد الإبداع الفكريّ بالاستكشاف والتبصّر والعقل الفعّال. لا بالتقليد والاستعادة.
إنّ الكتابة فنّ، جوهرها، رهان يوميّ لحياة مستمرّة، ورسالة مثقّف تجاه قضايا متجدّدة. ولا شكّ أنّ التبادل الثقافيّ والتعاون الفكريّ هما ركيزة مهمّة، تستند عليها، الثقافة الجديدة.
إنّ الحوار بين الأجيال لا يُفسد للودّ قضيّة، وبأنّ من ينسى أمسه لا غدًا له، وهكذا يمسي المبدع، بمثابة النبيّ، حريص على أداء الرسالة ليهب معنى للحياة وللإنسان وللعالم.
والخلاصة، أن رواية المتشابهون بلوحاتها المتنوّعة، شاهد على العصر الذي نشأ فيه أحمد طايل وتربىّ في رحابه. ولعلّنا، لا نجانب الحقيقة، إذا قلنا في شأنه تصدق عليه صفة “الفنان الفرد” في “صيغة الجمع” ليحتل مكانة مرموقة ضمن كبار الروائيّين.
الهوامش:
[1] أستاذة محاضرة بالمعهد العالي للّغات، جامعة قرطاج، تونس
[2] له العديد من المنشورات: أ- حوارات: * على أجنحة أفكارهم، “إطلالات ثقافيّة” (2006)، * شواطئ إبداعيّة (حوارات أدبيّة)، (2008) /ب- روايات: 1– ” الوقوف على عتبات الأمس“،2021، وله طبعة ثانية 2023. / 2- “متتالية حياة”، 2021. / 3- “شيء من بعيد ناداني”، 2024. / 4- “رأس مملوء حكايات”، 2024. / 5– عيد ميلاد ميّت …! يدعوك أحمد طايل في روايته “عيد ميلاد ميّت” للوقوف على قضية الزمن وأهميّة حضوره دوما. إنّك لن تفهم حاضرك و مستقبلك في غياب ماضيك، وذلك يعني أنّ نسيان الماضي يُهدّد الحاضر والمستقبل. إننّا إزاء عمل روائيّ متميّز، فيه اهتمام بالإنسان، كونه يمثّل كتلة بشريّة منحوتة من البيئة، ناطق ومعبّر عنها ، متأثّر ومؤثّر فيها. ولا شكّ أنّ أحمد طايل شغوف خاصّة بالبيئة الرّيفية، يعرض وينتقي من خلالها أبرز القيم التي تصنع وتصوغ هويّة المواطن المصريّ بالدرجة الأولى، والإنسان ، بصفة عامّة. وقد قدم أحمد طايل روايته “عيد ميلاد ميّت” بقولة مهمّة وموحيّة قال فيها : “هناك من البشر من يظلّ حيًّا لعقود بعيدة المدى، … فلنبحث عمّا يجعلنا أحياء، وهناك أحياء فوق الأرض أموات، وهناك أموات تحت الأرض أحياء” فازت روايته تلك بالمركز الأوّل في المسابقة التي أقامتها دار الرضا للنشر والتوزيع بمصر على مستوى الدول العربيّة.
[3] هي حوارات، أنشأها صاحبها على أرض صلبة، بيّن شروطها قائلا: ” لكي يكون الحوار ثريّا، لا بدّ للمُحاور أن يقرأ ويغوص في كتابات من يرغب في محاورتهم. أثار أحمد طايل في هذه الحوارات أهمّ القضايا من بينها نذكر، مثلا: الفجوة الكبيرة بين ثقافتنا وثقافات العالم الغربيّ وخَلُصَ من ذلك إلى أنّ هناك ضرورة ملحّة لإعادة العربيّ إلى محراب القراءة ، علّه يُحقق وَهَجًا فكريّا وإبداعيّا، به يُدرك أسمى الدرجات من الرقيّ، مشيرا ومؤكدّا على أنّ الثقافة ، هي من أقوى أسلحة الدول لإعلاء ريادتها.
[3] إنّنا نذكر على سبيل المثال: الروائيّ الجزائريّ (واسيني الأعرج) والكاتب المصريّ (المكاوي سعيد) وغيرهم كثير. إنّه أقام كذلك احتفاليّتين لكلّ من شاعر القصّةالقصيرة (إبراهيم أصلان) (1999) وراهب القصّة القصيرة (سعيد الكفراوي)
[4] تنسب هذه المقولة إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو حفيد الرسول صلّى الله عليه وسلّم. يدرك الباحث الحصيف أنّ كلمة أربعين هي من أصل فارسيّ، وهي تعني الكثير ولا تعني العدد، وإنّما القصد منها المبالغة.
[5] منجي الشملي، أستاذ الأدب المقارن تونس، “الفكر والأدب في ضوء التنظير والنقد”، دار الغرب الإسلاميّ، بيروت لبنان 1985، ص16
[6] انظر “تسريد الذات بين الرواية والسيرة الروائيّة“: المرجع والمتخيّل” عبد الله شطّاح، عالم الفكر، العدد 171 (يناير مارس 2017، ص12 وما بعدها)
[7] ينسب لبعض العلماء وليس وارد في سورة أو آية في القران، والصواب “لله في كلّ خلق من خلقه شؤون” ومعناها يدير الكون بحكمة
[8] يقول شكسبير في مثل هذا السياق “غادر كلّ من حطّم فيك شيئا وأطفأ بك توهّجا … ولا تبحث عن سعادتك بالمكان الذي فقدتها فيه”
ناقدة من تونس
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي