حوار مع الشاعر العراقي نصير الشيخ حاوره جمال الهنداوي
يرى الشعر حاضراً وبقوة في هذا العصر
- بين ظلال الشعر وأفق النقد..
- أنا شاعر صاعد من مدن الجنوب وكائن مديني بامتياز !
- لا أومن بـ (الأستذة) إنَّما أعمل موجهاً وصديقاً بخطاب إنساني
- يبقى الشعر الحق سراً وجودياً والفن التشكيلي نهراً موازياً لتدفق الشعر ورؤاه
شاعر يحمل نبوءة الشعر بين يديه، وناقد يتقصّى أسرار النصوص، وإعلامياً ينثر ضوء الكلمة في فضاءات الفكر. هو ابن العمارة، المدينة التي نهل من أزقتها لغة المطر، ومن ضفافها إيقاع القصيدة، فصار الشعر وطنه الثاني، والنقد بوصلةً تشدّه نحو مكامن الجمال.
عبر الصحف والمجلات العربية، من دبي الثقافية إلى الحركة الشعرية في المكسيك، ومن (القبس) الكويتية إلى (المدى) و(الصباح) و( الأقلام) و( الأديب العراقي) و( الطليعة الأدبية) و(مدارات ثقافية) و(أوروك) ، ظل نصير الشيخ ينسج صوته الشعري الخاص، محاوراً النص، كاشفاً عن أعماقه، مقيماً في جسد اللغة كما يقيم الضوء في النافذة. حملت كتبه الشعرية مثل ( مساقط الظل، في أعالي الكلام، شجر من محنة الوقت، كأس لحياة أخرى، من ظلال كرومها) صدى لروحٍ مفعمة الجمال، بينما كانت مؤلفاته النقدية ( الإقامة في جسد الشعر، النافذة والظلال، وما يضيء من الكتابة) مصابيحَ أضاءت عتمة الأسئلة، وغاصت في أقبية المعاني.
نصير الشيخ شاعرٌ يعرف كيف يروي عطش اللغة، وناقدٌ يقتفي أثر الجمال في النصوص واللوحات، وصحفيٌّ يدرك أن الكلمة ليست مجرد حبرٍ على ورق، بل نهرٌ يمتد من الذات إلى العالم. وبين الشعر والنقد والفن، يمضي نصير الشيخ في رحلته، حاملاً تساؤلاته، ومخلفاً أثراً لا يمحوه الزمن.
وفي هذا الحوار، نحمل أسئلتنا إلى ضفاف تجربته، نستطلع رؤاه، ونستضيء بعوالمه، فماذا سيقول؟

* وُلدت في مدينة العمارة، حيث تتداخل طبيعة المكان مع نبض الحياة، كيف شكّلت هذه الجغرافيا وعيك الشعري؟
تماماً، كان المكان يشكل لي منظوراً حياتياً حد اللحظة. وولادتي وطفولتي لم تترك شأناً في مسير العمر هذا، بل قلْ الصبا والمراهقة هما التجسيد الأمثل لكوني ّ الشخصي والشعري، ومن ثم تكويني الثقافي بالعموم. فأنا لم أرى الهور إلا في سفرة مدرسية في الإعدادية، ولم أعش أجواء القرية والتجول في بساتينها. أنا كائن مديني بامتياز، صباي وشبابي في بيتنا ( الشناشيل) حيث الكنيستان القريبتان من دارنا، وهما كنيسة ( أم الأحزان ــ 1888م) وكنيسة ( الآرمن ) ، وعلى بعد خمسمائة متر، الجامعان الكبيران، وعلى بعد مرمى أطلال ( المعبد اليهودي) الذي كان يهبنا الأسرار في علو جدرانه، وروازينه الصامتة، وشبابيكه العلوية التي تصفر فيها الريح
كل هذا شكل جغرافيا الوعي الثقافي برمته ، ومن ثم انبثاق الرؤية الشعرية لدي عبر تلمس هذه الأمكنة والعيش قرب مناخاتها.
*حين تفتحت زهرة الشعر في داخلك لأول مرة، كيف كان شكل البدايات؟ هل جاءك الشعر همسًا ليليًا، أم كان صرخة انبثاق؟
ربما لا أمسك بمناسبة تؤرخ لحظة انبثاق القصيدة الأولى، او النص الأول ومن ثم تدوينها. لكن الحق أقول، كان مهبط الكلمات بنغمها وايقاعها في الدراسة المتوسطة منتصف السبعينيات، إذ راودني هاجس الكتابة على الورق، ليأخذ قلمي الرصاص حريته على أوراق دفاتري المدرسية، فكان البدء ( مقطوعات نثرية)!!
لم أنظم قصيدة عمودية، رغم قراءاتي المتنوعة للشعر العربي القديم. ولم أحاول تقليد زملائي في الدراسة وهم يشاركون في مسابقات ( الشعر والخطابة) المدرسية. كنت احضر واتابع وأتأمل …لكن لم أنظم وانضمُ الى مسارهم. لا اعرف لم كنت مسكوناً بفضاءاتٍ أرحب، مبتدئها مقطوعات نثرية مغمسة بالرومانسية، ليستقيم بعدها لدي نسق شعري، تجلى في التأثر بقصائد بدر شاكر السياب ومعاناته وغربته ولوعته من الحب. ونزار قباني في حلاوة لغته واوزانه الخفيفة وصوره الشعرية المغرقة بالعاطفة.
ليستمر عود الصبي المغرق بالحلم في انغماس قراءاته المتنوعة في الرواية والفلسفة وشتى الآداب المترجمة. وللصباحات واوقات الضحى من العطلة الصيفية طعمها في قاعات المكتبة المركزية العامة في مدينة العمارة.
* كتبت الشعر ونشرته في العديد من الصحف والمجلات العربية، ما الذي يوقظ فيك الحرف؟ وهل تجد أن الإلهام يأتي بلا موعد أم تستدعيه عبر طقوس خاصة؟
يبدو أن الشعر قد شق مجراهُ بمياهه الصافية في حياتي. وظل الحرف متيقظاً بدواخلي ليل نهار. وإذا كان درس الأنشاء المدرسي مساحة تعبير للحصول على درجة من المعلم او المدرس أنذاك. فالشعر ظل نبع متدفق بسلسبيل بارد من ماء خجول، حيث يحضر كتابة على الورق دون البوح لأحد. تلك جدلية النشوء قبل الحضور، وبتقادم الزمن وخبرات الحياة ونضج الفكر متساوقاً مع احساسات الشاب وشاعريته، استقرت القصيدة لدي ّ( شعراً حراً) موزوناً بطريقته السيابية.
وظلت كتابة القصيدة طقساً خاصاً، يشبه لقاء امرأة انتظرها لتبوح بأسراها، وألقي بشغفٍ بين يديها ما يمور بأعماقي.
* كيف ترى العلاقة بين موسيقى الحروف وعمق المعاني؟ هل الشكل الشعري برأيك مجرد وعاء، أم أنه جزء لا يتجزأ من روح القصيدة؟
يبقى الشعر الحق سراً وجودياً يا صديقي، ولا يمكن للقصيدة او النص ان يولدا وهما مشوهان، مادام وراء خلقهما ان لم نقل صنعهما او كتابتهما وعي واحساس وطاقة متجددة على القول ولغة عالية. وقد تجيئ القصيدة او النص على شكل طفل جميل او صرخة ثائرة .ولتكوينهما لابد من معمارية حاملة ايقاعها ونفسِ شاعرها، والشكل الشعري وحسب تقديري أشبه بنهرٍ يختار مجراهُ وسط أرضٍ يمر بها، نهر مياه لا صفة تبعث على الحياة، وربما يغطيها رماد الأزمنة، لكنها تجري وتتطامن نسغاً في عروق الشجر.

*في عصرٍ أصبحت فيه الرقمنة واقعًا أدبيًا، هل ترى أن القصيدة فقدت شيئًا من وهجها؟ أم أن التكنولوجيا منحتها أفقًا أوسع للوصول؟
تماماً…بل اصبح زمناً متسارعاً وبشدة ويصعب اللحاق به. وبقدر هذا التسارع التقني والعولمي وحضور الرقمنة في كل المجالات، يقابلة على الجهة الآخرى انهدام منظومة قيم أدبية واجتماعية وبيئية ربما. وبكل تأكيد أنا انضوي لهذا العصر التكنلوجي، بدءً من الموبايل مروراً بالحاسوب وحتى…..لكن صدقاً، وقدر الإمكان لا أخضع للاستهلاك الرقمي، وانسياب الوقت من بين يدي، وملاحقة الأحداث التافهة، تحت مسار( الحداثة السائلة) ما اسماها زيجومنت باومان.
والشعر حاضر وبقوة في هذا العصر، لكن لابد من التأكيد على تسريبات ما لوهج هذا العصر، والقصيدة وحسب موقفها شاعرها غرباً وشرقاً تستجيب لتحولات العصر، من هنا فهي أيضا قد منحنا زمن العولمة فرصة الانتقال الى فضاءت العالم، وبما إسميته أنت ( أفقاً أوسع للوصول).
*حين تقف قصائدك أمام مرآة النقد، كيف تتلقى انعكاسها؟ هل ترى النقد شريكًا في رحلة الإبداع أم خصمًا يتصيد زلات النص؟
شكل حضور النقد ومنذ البعيد جدلية ساهمت في حوار لا ينقطع بين اطراف عدة، واتاحت المناهج الحديثة في الادب فسحة التعرف اكثر على خبايا النص في التحليل والتفكيك والتأويل، وكشف المعنى ومعمارية الشكل.
وصدقاً ومنذ صدور مجموعتي الشعرية الأولى (( مساقط الظل ـ بغداد ــ دار نصوص)) صيف 1997.وبطريقة الاستنساخ بالطبع !! حققت حضوراً لافتاً عبر أقلام النقاد، وانا الشاعر الصاعد من مدن الجنوب صوب العاصمة بغداد. واستمر الأمر مع دواويني الشعرية اللاحقة ( في أعالي الكلام / شجر من محنة الوقت / كأس لحياة أخرى / من ظلال كرومها )..وكلها حظيت بتقدير نقدي عال المستوى ومتابعات إعلامية شتى. من هنا أأوكد انعكاسها على مساحة الكتابة لدى النقاد، والذائقة الجمعية لشرائح عدة.
لذا أرى ان النقد شريك في رحلة الأبداع، وبما يحمله من عدة ورؤى ومفاهيم تسهم في فتح مغالق النص، وبالتالي إمداد مساحة الادب بخصوبة ونماءٍ دائمين.
* إلى جانب الشعر، أنت ناقد تشكيلي، وكتبت في مجلة رواق التشكيل وأصدرت كتاب النافذة والظلال حول التشكيل العراقي. كيف بدأت رحلتك في عوالم النقد الفني؟
مثلما الشعر يتدفق في عوالمي. وظلت خيالات الشاعر محلقة لاستجلاب الرؤى والصور الشعرية ،مع خيط مشدود لرخامية الواقع. فأن الكتابة في حقل التشكيل أيضا مساحة خصبة متأتية من هذا المنظور الجمالي الذي أمتلكه تجاه العمل الفني لوحة، نُصباً، منحوتة ً..وصدقا انصبت كتاباتي في حقل الرسم أكثر. منبعثة هذه الرؤى من مناخات عشتها وسط حضور عائلي دافئي فترات السبعينيات والثمانينيات بوجود فنان تشكيلي، وهو أخي (الرسام أمير عبد الكريم الشيخ) حيث كنا نشم روائح علب الزيت، ونتعرف على قطع قماشة الكانفاس، وخوض جدال حول مصطلحات الفن والرسم كالتكعيبية والهارموني والمنظور، ناهيك عما نشاهده من الوان ورموز وشخوص في لوحته. زاد من هذه القراءات المستمرة في حقل الأدب والفلسفة والفن والتي كرست كلها ذائقة متميزة للعبور الى مديات اللوحة وفضاءاتها. أضيف الى ذلك حضوري الدائم في قاعات العرض، ومتابعتي لمعارض الرسم والتشكيل، والحوارات المكثفة مع التشكيليين منذ فترة التسعينيات، كلها شكلت مناخاً للارتقاء بالذائقة الفنية ومعرفة عناصر اللون واللوحة.
* هل كان الفن التشكيلي مرآة تعكس شعرك، أم أنه كان نهرًا موازياً جرفك بجمال ألوانه وأشكاله؟
قيل ذات يوم: إن الدهشة أول الفلسفة ؟؟ من هنا أجد نفسي وعبر مساحة الكتابة بكل مُتعها واتعابها، متزامنة معها قدرة التفكير وزمن التأمل والتوقف ملياً عند حركية الأشياء وعدم إطلاقية الآراء الذاتية جزافاً.. كلها متراتبة ًأنتجت النص النقدي لدي، والمقالة النقدية عن تجربة رسام أو نحات أو خزاف أو خطاط هي محاولة اكتشاف عوالمهِ، وتأشير تقنيات العمل وبما يسمح لنا تسميته ( فلسفة العمل الفني).
لذا كان وسيبقى الفن التشكيلي نهراً موازياً لتدفق الشعر ورؤاه، ومن ثم خلق صورة شعرية تمتاز بها قصيدتي حتى اللحظة.
* كيف ترى العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي؟ هل يمكن أن تتحول القصيدة إلى لوحة، أو أن تصير اللوحة قصيدة مرسومة بالألوان؟
نعم، شكلت العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي مدىً رحباً منذ اقدم العصور، واذا كان الشعرُ إنشاداً في فطرته الأولى، فأن الرسم أيضا هوتدوين صرخة الخوف من المجهول على جدران الكهوف. وحيث تم التدوين على الرُقم الطينية الرافدينية شعراً وجداول أعمال، فأن هناك صُناع جداريات ضخمة بابلية وآشورية، كل واحدة تشي بخطابها الثقافي والجمالي، ويلتقيان عند جملة (لرسم بالكلمات) لما يشكل كل واحد منهم فضاءً يبث رسائله لمتلقي يتوالد دائما .
وعلى مستوى التكنيك والاشتغال حصل الكثير لهذا التداخل الأجناسي، حيث القصيدة تُرسم بأنامل وأفكار الفنان المبدع، وحيث محاكاة ُلوحة تبث رسائلها لتأتي القصيدة متساوقة لحظة كتابتها. وهناك الكثير من الاشتغالات في هذا الحقل عراقيا وعربيا، وبالاستفادة بالطبع من جماليات الحرف العرفي وطاقته الرمزية والصوفية والجمالية.. وهنا يحضرني للحصر أعمال لوحات الفنان العراقي العالمي ضياء العزاوي.
* ما أبرز التحديات التي تواجه الناقد التشكيلي اليوم؟ هل هي في فهم العمل الفني ذاته أم في العوامل الخارجية التي تؤثر على التلقي؟
في زمن اتسعت فيه رقعة الفنون، وزاد من سعتها هذا التحول الديجتالي، وبالتالي صار التلقي يصلُ عبر الأثير، وبات العالم واستكشاف ما نريد طوع يدينا. ومؤكداً للفن التشكيلي حضوره المتفرد. وهنا اتحدث بصفتي شاعراً يكتب ما يراه في اللوحة، وما يستجيب لشعوره وافكاره تحثه على الكتابة واستنطاق المرئي، وليس ناقداً متخصصاً في هذا الشأن.
التحديات تكمن في واحدةٍ من وجوهها هو قبول اللوحة / العمل الفني !! هل هو ولادة جديدة ” بكر”.. أم انه نتاج محايثة فنون العالم. وهنا تكمن ربما صعوبة استخلاص بكرية العمل الفني على الناقد التشكيلي المكلف بالغور في عوالم اللوحة والقبض على منابعها الجمالية. ليجد فيما بعد ان هذه اللوحة او العمل الفني هو لا يمثل أسلوب الفنان، بل انه نسخة محورة من فنان يسكن ويشتغل في محترفهِ في قارة بعيدة.

* كتبت الشعر والمسرح والنقد، ما الذي يميز كل شكل إبداعي بالنسبة لك؟ وهل تجد نفسك أكثر حرية في نوع أدبي دون الآخر؟
نعم كتبتُ في هذه الحقول التي ذكرتها يا صديقي. ولكن هناك مساحات، ويبقى الشعر له الأولوية في كل شيء عندي. وأنا أصلا كائن شعري في أدق تفاصيل حياتي، حتى في العمل تظهر عليّ المسحة الشاعرية في التعامل والإداء. وصولاً الى الأناقة …!!!
في المسرح كتبت ثلاثة نصوص، واحد هو(نوافذ / مونودراما) والنص الثاني (الوردة والقوس) وهو تناص درامي مع قصيدة خزائيل للشاعر الصديق خزعل الماجدي. والنص الثالث هو ( في مدار الصقيع) وهو بناء درامي لحوار شخصيات تبحث عن مصائرها في مكان جليدي منعزل.
والنقد هو مساحة خصبة لاستنتاجات جمالية مسلطة على النتاجات الأدبية والفكرية التي تقع في مسار قراءاتي، حيث الانتقال من الذائقة الى الغور في متن النص، تحليلاً وتركيباً، وبما يشتغل لدي من استجابة لهذا النص دون غيره، لذا حين ساعة الكتابة النقدية تراني أشتبك مع النصوص، بغية تحليلها وإظهار مكامن جمالياتها وبما تعطي من لغة وايقاع وصور شعرية وهذا فيما يخص الشعر. وايضا فيما يخص القصة والرواية، احفر لمداخل استطيع من خلالها النفاذ الى متن العمل والغوص في سرديته، بغية القبض على جملة مشتركات اشتغلت عليها هذه الاعمال السردية.
كل هذا يقع فيما إسميه ( فائض الكتابة) ليتصدر الشعر المسار الاول والأكثر حضوراً لوجودي، وتأتي الحقول الأخرى التي تحدثنا عنها آنفاً روافد جمالية ان صح التعبير تصب في نهر حياتي الكبير..
ولابد من لفت النظر الى قضية هامة، إلا وهي.. الانغماس في خلق ابداعي متصاعد، والحفر عميقاً في ارض احب الحراثة فيها، كل هذا يجعلني عابراً للحصول على لقب ” ناقد” كهوية أو باج صادر من اتحاد او نقابة .أوو ..وبما يضيق عليّ فضائي الكتابي المزدان بطاقة الحلم والتعبير، وانا الشاعر الذي يهوى السفوح الرحيبة، والطائر المنطلق لمدىً أرحب.
* هل ترى فجوة بين المتلقي والنقد؟ وكيف يمكن للنقد أن يكون أقرب إلى القارئ دون أن يفقد عمقه ورصانته؟
عندما نقرأ المشهد الثقافي بحضور أجناس الأدب مجتمعة، مع التشكيل وتنوعه والتصوير والديكور وما يضاف اليها من فنون اولدها العصر الحديث تعتمد الصناعة والاعلان.. نمسك بعد التأمل بتراجع فاعلية التلقي لدى المشاهد، ومثالنا الى حد ما، المعارض التشكيلية، حيث الحضور الحاشد عند يوم الافتتاح، وبمعية المسؤول ربما، تابع الأيام القادمة والمعرض مفتوح، تجد أفراد معدودة من زوار هذا المعرض. من هنا لا تتحول اللوحة او العمل الفني الى درسٍ في التلقي، أي باث مستمر لدهشة وأسئلة، إنما الاكتفاء بنظرة وزيارة للمعرض وكفى.
لذا ظل النقد حلقة دائبة لإيصال هذه القطيعة، وتقريب المسافة الفكرية ما بين الشيء وتصورات الفنان فيه، وتوكيد الأثر الجمالي لاشتغالات الفنان، لكن هناك نأيٌّ كثير لم تستطع الذائقة من استعادته.
* من هم الشعراء والفنانون الذين تركوا أثرًا في تكوينك الإبداعي؟ وهل كان تأثيرهم مجرد لحظة إلهام، أم أنه امتد ليصبح جزءًا من وعيك الأدبي؟
لابد من مساحة خصبة، تتشكل بواكير الكتابة فيها، وخاصة في الشعر. مساحة هي أرض تستقبل البذار كي يينعُ الزرع ويحين فيما بعد موعد القطاف.
وفيما يخص تدرجات الوعي لديّ، رافقت هذا كله قراءات معمقة، وحوار داخلي مع الذات، وتحاور مع قصائد شتى، وتجارب شعرية وابداعية، وتامل في حيوات شعراء عرب وغربيين. هذه الكيمياء انتجت ما هو بين أيدينا من شعر ومساحة في الكتابة.
وصدقاً أقول ومنذ قراءاتي الأولى كانت الكفة تميل الى قراءة شعراء الريادة العربية وطلائعها، ولم يستهويني القديم وقوافيه. ويبقى بدر شاكر السياب هو حادي الركب في توجيه ذائقتي، وتعلم تقنيات الكتابة الشعرية (الشعر الحر)،ذلك لان قصائده تساوقت لحظتها مع نضوج فكري تصاعدت نسوغهُ فيّ، متطامنة مع إحساسات الشاعر المرهف، وصولا لكتابة قصيدة تعنى بالذات، بلغة يتصاعد نبضها مع توالي السنوات والتجارب الحياتية.
وتستمر قافلة الشعراء المؤثرين، ذائقة ولغة وموسيقى، فيحضر بلند الحيدري ورشدي العامل وحسين مردان عراقيا، ويحضر درويش بكل عذوبته وامل دنقل ومحمد بنيس عربيا.
* إذا التقى بك شاعر أو ناقد شاب يبحث عن طريقه، فما النصيحة التي تقدمها له؟ هل عليه البحث عن صوته الخاص منذ البداية، أم أن عليه أولاً الاستماع لصدى من سبقوه؟
تراكم الخبرة كتابة ووعي، وزادها القراءات المستمرة والمعمقة ومتابعة للشأن الادبي والثقافي محليا وعالميا، تترك لنا حصيلة ثرة لتعزيز موقعنا الأدبي.
وبكل تأكيد ان للملتقيات الأدبية والمهرجانات الشعرية والندوات الثقافية تتيح فرصة اللقاء بأدباء شباب يحثون خطاهم في هذا الدرب، من هنا أولا احترم خياراته بالتوجه الى عالم الادب المكتوب في زمن الحداثة السائلة.
وثانيا، لا اتخذ دور الأستاذ الذي يملي اشتراطاته على الوافد الجديد. لأني لا أومن ب “ الأستذة”، إنما اعمل موجها وصديقاً بخطاب انساني، يؤشر جملة خيارات له في القراءة، واعتماد صيغ الكتابة في توجهها الصحيح، مع التأكيد على عدم الاستعجال في النشر الورقي ( شعراً او قصة او نقداً…) كفورة ابتهاج بإصدار لا يستند الى قاعدة راسخة في الموضوعة التي يكتب فيها.
هذا ما عليّ فعله على الأقل …!!
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
