
الشعري والسردي في رواية “العشاء السفلي” لمحمد الشركي
نجيب دلال*
ملخص المقال:
تندرج هذه الدراسة ضمن إشكالية التأطير الأجناسي للرواية الجديدة، التي ظهرت بفرنسا في خمسينيات القرن الماضي، ومدى انتمائها إلى هذا النوع الأدبي أو ذاك، في ظل غياب الحدود الفاصلة بينها وبين الأنواع الأدبية الأخرى، وخاصة الشعر.
وتمثل رواية العشاء السفلي لمحمد الشركي، صورة من صور الرواية الجديدة التي أصبحت تعيد النظر في طبيعتها التجنيسية، ويتضح ذلك من خلال تركيزها على لعبة الغموض والالتباس، والتقائها في كثير من الأحيان بجنس الشعر، وكذا من خلال الانزلاقات والتنويعات في شكلها الكتابي، وميلها إلى الشكل الكاليغرافي الشعري.
في ورقتنا هاته، تطرقنا لحضور البعد الشعري في الرواية، من خلال مقاربة تقنية ركزنا فيها على القصة/ المتن الحكائي، والتي اتسمت بميسم شعري، وإن كانت مفارقة للواقع فقد حضرت بنوع من الوضوح، تجلى من خلال قدرتنا على الإحاطة بموضوعها وعناصره.
وركزنا كذلك على الخطاب بعناصره، من مكان وزمن وشخصيات، وقد خلصنا، إلى أنها اصطبغت جميعا بملمح شعري. فالمكان لعب دورا محوريا في توليد الشعري لما له من علاقة بمكون الوصف الإبداعي. والزمان كان مفارقا للواقع متنكرا له، وقد اتسم بالمحدودية واللحظية، ومن تم ساهم في تثمين المقومات الجمالية للرواية. أما الشخصيات فمعظمها شخصيات أسطورية ساهمت هي الأخرى في تحقيق البعد الشعري، وذلك عن طريق الكثافة والاقتصاد اللغوي، اللذان هما أسّا الكتابة الشعرية.
الكلمات المفتاحية: الرواية الجديدة، التأطير الأجناسي، العشاء السفلي، محمد الشرݣي، المكون الشعري.

Abstract
This study falls under the problematic classification of genre of the new novel, which emerged in France in the 1950s, and the extent to which it belongs to one literary genre or another, in light of the absence of distinct boundaries between it and other literary genres, especially poetry.
The novel, The Lower Supper, by Mohammed Al-Shargui, represents a new aspect of the new novel which has begun to reconsider the nature of its genre, which is clearly manifested in its focus on mystery and ambiguity and its frequent encounters with poetry as well as through the deviations and variations in its written form, and its tendency toward poetic calligraphy.
In this paper, we have discussed the presence of the poetic dimension in the novel through a technical approach in which we have focused the story/narrative text, which is characterized by a poetic character. Although it is separated from the reality, it is present with a sort of clarity which is manifested through our ability to grasp its subject and its elements.
We have also focused on discourse and its components including place, time, and characters. We have concluded that they are all marked by a poetic character. Place played a pivotal role in the generation of poetry as it was connected with creative component of description. Time was separated from reality rejecting it. It was characterized by limitation and ephemerality, whereby contributing to the appreciation of the novel’s aesthetic components. As for the characters, most of them are mythical figures who also took part in the poetic dimension through density and linguistic economy which are the foundations of poetic writing.
Keywords: The New Novel; The Classification of Genre; The Lower Supper; The Poetic Component.
تمهيد:
ظهرت الرواية الجديدة بفرنسا، كردّ فعل ثوري عنيف على الأشكال الكلاسيكية في السرد. لقد فرض الواقع الفرنسي في الخمسينات على الروائيين القطيعة مع النموذج المعيار، الذي تعتبر الرواية البلزاكية، أي الواقعية، أنموذجا تمثيليا له.
لم يكن ظهور الرواية الجديدة بفرنسا اعتباطيّا أو ترفا فكريا، بقدر ما كان استجابة لواقع جديد، “ذلك الذي أفرزته، في أوربا، حربان كونيتان مدمّرتان، وما نتج عنهما، نفسيّا، من إحساس الإنسان القاهر باليأس والإحباط والعبث… فكان لا بد من أن تكون لكل واقع جديد لغة جديدة وقوالب شكلية مبتكرة، ووسائط أسلوبية مبتدعة. أليس بهذا القانون، تتطور اللغات والأشكال الفنية والأساليب التعبيرية؟”[1].
من كتّاب الرواية الجديدة بفرنسا الذين تزعموا هذا التيار نجد: آلان روب غريي، صمويل بيكيت، كلود سيمي، جنيفياف مويلو… من بين آخرين. لقد كان همّ هؤلاء وهم يكتبون اللاروايات. الروايات التي لا تُكتب. هو إحداث قطيعة مع النموذج السابق الذي يمثله كل من: بالزاك، فلوبير، بروست، دوستويفسكي… وغيرهم. ويمكن اعتبار الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس من المرهصين كذلك، للقطيعة مع السرد الواقعي في الأدب.
تمت القطيعة إذن، بين الرواية الجديدة والنمط الروائي السائد. وشملت هذه القطيعة مختلف مكونات النص الروائي. لقد انتبهت الرواية الجديدة إلى أن وجهة النظر، لا يمكنها أن تنقل الواقع كما هو، وبالتالي تمّ التخلي عن السارد العارف بكلّ شيء. كما كان اللجوء إلى المكون الشعري من رهاناتها الأساسية، حتى شكّل أحد مظاهرها وعلاماتها المميزة لها.
لقد اتجه الروائيون الجدد في كتاباتهم، إلى النّهل من المكون الشعري وتطبيق تقنياته التعبيرية، وهم بصدد البحث عن الشكل الروائي الجديد، لحد أصبح تصنيف النوع الروائي عن الشعر أمرا صعبا. هذا ما أقرّ به الكثير من النقاد والباحثين، ومن رواد الرواية الجديدة أنفسهم، حيث قال “موريس نادو “.. وُلدت نصوص إبداعية ليست من الرواية أو من الشعر، بل غالبا ما تكون منهما معا”[2]. ويمكن أن نجد تبرير هذا الأمر في أن معظم الروائيين الجدد لهم صلة بالكتابة الشعرية، بحكم أن لغة كل كاتب تنطوي على دمغتها الخاصة، حتى وإن تغير الجنس الذي ينضوي فيه النص المكتوب.
هذا الحضور الشعري في الرواية، شكّل كذلك، أحد مقومات ورهانات الرواية الجديدة بالمغرب التي ظهرت في سبعينيات القرن الماضي، احتذاء بنظيرتها الغربية، أي مع صدور روايتي “حاجز الثلج” لسعيد علوش 1974، و “زمن بين الولادة والحلم” لأحمد المديني 1976. مع ما يثيره هذا الاحتذاء من إشكالات نظرية شائكة مرتبطة بالواقع المغربي المغاير، وكذلك بغياب منجز روائي قوي يمكن تقويضه وتخطّيه.
هنالك من النقاد من يُرجع ظهور “النزوع التجريبي” –بما فيه النهل من الشعري- في الرواية المغربية المعاصرة إلى بعض المحددات السوسيو-تاريخية، منها:
-“بوادر الإخفاق السياسي لما سمي بالقوى التقدمية (اليسار الماركسي اللينيني).
– زمن المسيرة الخضراء وبداية المسلسل الديمقراطي وما سيواكبها من شعارات الإجماع الوطني والوحدة الترابية والمغرب الجديد”[3].
ومهما يكن من أمر، فقد ظهرت بعض النماذج الروائية المتألقة التي انصهر الشعري والسردي في بنيتها النصية ومكوناتها الخطابية، مفضيا إلى شكل جديد متمنّع على التصنيف الأجناسي. شكل يقع في منطقة بينية برزخية بين الرواية والشعر. من هذه النماذج الروائية الناجحة: وحيدة الكاتب والمترجم المغربي محمد الشركي، رواية: “العشاء السفلي”.
شعرية قصة “العشاء السفلي”:
تمثل رواية العشاء السفلي لمحمد الشركي الصادرة لأول مرة عن منشورات توبقال سنة 1987، صورة من صور الرواية الجديدة التي أصبحت تُعيد النظر في طبيعتها التجنيسية، ويتّضح ذلك من خلال تركيزها على التكثيف والغموض والالتباس الأجناسي، والتقائها في كثير من الأحيان بجنس الشعر، وكذا من خلال الانزلاقات والتنويعات في شكلها الكتابي، وميلها إلى الشكل الكاليغرافي الشعري، “وبالتالي لا يمكن أن تكتمل قراءتها دونما إدراك واعتبار اختراق الشعري لها”[4].
منذ التاريخ المشار إليه أعلاه، لم تُطبَع الرواية مرة ثانية إلا في سنة 2021م، بعد إلحاح كبير من القرّاء والباحثين على إعادة طبع العمل، فأُعيدَ طبع الرواية مرة ثانية بدار “خطوط وظلال” في كتاب يحمل عنوان: “نورها في الأعماق” متجاورة في نفس الكتاب مع ديوانين شعريين لمحمد الشركي هما: “كهف سهوار ودمها” و “السراديب” مع ما يوحيه هذا التجاور من دلالة عميقة تعترف للرواية قربها من جنس الشعر. كما أن تقديم الكتاب انزاح عن الشكل التقريري المباشر ليلبس صورة شعرية، انزياح لم يفرّط كليّا في تقريريته، بل انزياح حذر حافظ على بعض رهاناته، يقول فيه محمد الشركي متحدّثا عن تجربته في الكتابة: “أحسست تدريجيا بأن الكتابة تدبير لغياب فادح، وأن اللغة، كما الوجه، حركة ذهاب وإياب مستمرين بين الحياة والموت، بين الحب والفقدان، وبين النور والظلمة. وهي سهرة أضداد لا تروم حلّ التناقضات بقدر ما تبتغي الاضطلاع بها ورفعها إلى مستوى مجازفة عالية تلتغي فيها وبها الحدود والموانع”[5].
ثم يقول بعد ذلك مشيرا إلى رهانات تشابك النثر والشعر في كتابته: “وبعيدا عن أن يكون هذا التوزّع بين الأجناس والسجلات الكتابية -فضلا عن الترجمة- شتاتا بابليا للصوت الشخصي وتفريقا أوزيريسيا لأعضاء الجسد الرمزي، فإنه كان، بالأحرى، سعيا مهتاجا إلى سبر والتقاط التفرعات والامتدادات السحيقة لهوية سرادبية كانت في طور التشكل المفتون بتشابك النثر والشعر معا، وتعالق الوشائج الوثقى للوقائع والأسطورة والحلم”[6].
تلتقي رواية “العشاء السفلي” في أكثر من مستوى بجنس الشعر، لكن هذا الالتقاء لا يفرّط كليا في الشكل الروائي. فالرواية تحمل كذلك بعضا من ملامح الرواية الكلاسيكية، من خلال الوضوح النسبي للمتن الحكائي، ومن خلال هيمنة ضمير المتكلم في سردية الرواية. كما تحمل خصائص من الشعر والسيرة الذاتية وغيرها، إنها تقع في منطقة بينية تلحم بين عدة أنواع أدبية.
يتجلى وضوح القصة/ المتن الحكائي في رواية “العشاء السفلي”، من خلال قدرة القارئ على الإحاطة بموضوعها وبعناصره ودلالته. فهي تحكي قصة حب جارف بين البطلين “مغران” و “ميزار” آلت نهايتها إلى موت ميزار. حب تم من خلال لقاء خارج الزمان والمكان المعهودين، وعبر هذا اللقاء تمّت الإشارة إلى إشكالات فكرية وفلسفية عميقة.
تبدأ رحلة “مغران” نحو معشوقته “ميزار” في المقطع الأول من الرواية المعنون ب “وجه ميزار” مباشرة بعد أن يتلقّى منها رسالة تدعوه فيها للالتحاق بها بالدارة الكبيرة، “أنا ميزار يا مغران.. أنت لا تذكرني.. هل تذكرني؟ أنا حاضنتك التي كنت تحفر وشم وجهها بأظافرك الطفولية، وكنت تحلّ شعري بالليل… أيها الطفل الوحشي، كم أدميتني. لقد عدت إلى الدار الكبيرة بقصبة النوار وليس لي سوى الليلة الآتية.. تعال لأراك”[7].
من هنا بدأت رحلة مغران العجيبة والغريبة، المفارقة للأزمان، المخترقة للفضاءات (مقبرة ابن عربي، قصبة النوار، باب المحروق). وفي مقبرة ابن عربي سيوقظ “لسان الدين بن الخطيب” من قبره، وبعد أن يرتشفا معا كأس شاي منعنع يدخل معه في حوار هو كالتالي:
“- ما الأندلس؟
- عودة أبدية، قال.
- ما السلطة؟
- رقصة مقبرية.
- ما المرأة؟
- جزيرة ليلية.
- ما الحب؟
- بلد فرحان
- ما الموت؟
- هو والحب صنوان.” [8]
الملاحظ أن هذه الردود، كانت من جهة، ردودا شعرية خالصة، كسّرت بذلك التتالي والتتابع الذي ينبني عليه السرد أساسا. ومن جهة أخرى فقد كانت تمنع الحدث من أن يتقدم إلى الأمام لأنها تعوّل على التكثيف، التكثيف الذي يعدّ من أهم خصائص الشعر.
تحولت الفضاءات في رحلة “مغران” إلى عوالم سحرية وأسطورية، أدخلته حالة من الاستيهام، فاتّصل عنده الماضي بالحاضر وبرز هول المفارقة بينهما. فطافت بذهنه ومضات يمكن أن نقرأ فيها المعاناة الإنسانية والاستبداد والمقاومة والعبث.
وفي المقطع الثاني من الرواية المعنون ب”عرصة ميزار“، نجد مغران ينصت لأموات ولمخلوقات عجائبية وهي تحدّثه عن تجارب الماضي البعيد. كما تمّ استعراض ما تزخر به هذه العرصة من مكونات تشير إلى أساطير لها دلالات خاصة.
أما المقطع الثالث والأخير من الرواية والموسوم ب “عشاء ميزار” فهو تكملة للقاء الأول، مع فارق يتمثل في كون اللقاء الأول هو لقاء ابن بأمه/ حاضنته ومرضعته، بينما اللقاء الثاني هو لقاء عاشق بمعشوقته. وهو ما أفصحت عنه بنفسها قائلة: “كنت أعرف أن ما حدث في السابق لا بد أن يحدث مرة أخرى.. أعطيتك صدري صغيرا وأعطيك إيّاه هذه الليلة كبيرا”[9].
تبددت مساحة الفراق بين ميزار الأم وميزار المعشوقة وتحقق الاتصال الكبير، ولكن ظل التناقض قائما، هذا التناقض المتمثل في عشق الأم ومعاشرتها كزوجة. ولتجاوزه عمد الكاتب إلى أن تموت “ميزار” في الليلة ذاتها، موت أخبرت عشيقها به سلفا عندما قالت له: “سأموت قبل طلوع الفجر، أخبرتني بهذا عرّافة الجنوب التي لا تخطئ، سينتهي عويلي بعد ساعتين”.[10]
واضح إذن، أن قصة “العشاء السفلي” قد تخللها نفس شعري قوي. ذلك أن الحكي فيها يمزج بين الأزمنة ويداخلها. كما يتضح هذا النزوع الشعري من خلال التكثيف وتكسير خطية السرد، وكذا من خلال استحضار محكيات أسطورية ووثنية أغنت النص ومنحته أبعاد الانتماء إلى تخوم ضاربة في القدم. فضلا عن ذلك نجد توظيف البعد الصوفي، لما له من مردودية شعرية، وخاصة توظيف تيمة السفر، لكنه سفر مفارق للواقع، يخترق الأزمنة والأمكنة والثقافات وفق معياره الخاص بغرض الإنصات للأصداء السحيقة، الموغلة في القدم.
شعرية خطاب “العشاء السفلي”:
يعتبر الخطاب مفهوما محوريا في الدراسات السردية الحديثة، فمن خلاله يمكننا أن ندرس المقومات التي تجعل من نص ما نصا يندرج في إطار الخطاب السردي. في دراستنا لخطاب رواية “العشاء السفلي” سنركز على اختراق المكون الشعري لعناصره، وسنقتصر في دراسة هذه العناصر على الفضاء المكاني والزمن والشخصيات. باعتبارها كانت تتخلى عن طابعها السردي، لتلبس صورة شعرية.
يلعب المكان دورا مركزيا في توليد الشعري في الرواية – خاصة الرواية الجديدة – لما له من علاقة بمكون الوصف الإبداعي. ويمكن القول بأن الوصف ينتشر في طولية الرواية، خاصة في المقطع الثاني، ويقف عنده السرد كثيرا، مما يجعل القارئ ينتقل عبر فضاءات متعددة يخلقها هذا الوصف.
من الفضاءات التي حضرت بقوة في الرواية، نجد: الفضاءات العجائبية: وهي تلك الأمكنة التي يصعب تمثل إطار مرجعي لها. فهي تقع في عوالم مفارقة كليا للواقع، مثل: “الدارة الكبيرة”، والتي شملها الوصف كثيرا وهمّ مختلف مكوناتها وتفاصيلها من “الأبهاء” و“الردهات” إلى “القاعات” و”الغرف” الموجودة فيها. هذا الوصف اتسم بميسم شعري ملحوظ يقوم على اعتماد آليات إنتاج الشعري، مثل الاستعارة القائمة على المشابهة “خيالات ظل خنثوية تفترش أعشابا” و “لهب عيون شهوانية”.
إلى جانب فضاء الدار الكبيرة نجد: “عرصة ميزار” التي انساب وصفها بشكل مسهب ينم عن اشتغال الحاسة الشعرية لدى الكاتب. يتمثل ذلك في اعتماد لغة شعرية راقصة تقوم على المجاز والمفارقة وارتباط المقدس بعالم الطبيعة “القباب، المعابد، القصور/ الأشجار، الجبال، الغابات”. كما امتد الوصف ليشمل تفاصيل العرصة “غابة الأعمدة، الدهليز، القبة الخضراء”.
وعموما لقد شمل الوصف المكاني في “العشاء السفلي” فضاءات عجائبية مفارقة للواقع ليس لها إطار مرجعي، ويصعب تمثله، وقد اتّسم هذا الوصف بميسم شعري واضح قام على اعتماد آليات إنتاج الشعري كالاستعارة، كما قام على اعتماد لغة شعرية قائمة على المجاز والمفارقة. هذا ما يمكن قوله تمثيلا لا حصرا عن الفضاء المكاني، فماذا عن الفضاء الزماني؟
يمكن القول أولا، بأن الزمن الذي يضفي الطابع الشعري على الكتابة الروائية هو الذي يتنكر للزمن الحقيقي ويفارقه. إن الزمن في “العشاء السفلي” يمتد من “الغسق” إلى “مطلع النهار”، هذه المدة تتحدد بما يسمى الليل. والذي دارت فيه كل أحداث القصة. وفي تقليص زمن الرواية في ليلة واحدة سعي إلى القفز على الزمن الطبيعي والارتماء في أحضان الزمن المطلق، حيث يتصل الإنسان بأصوله الأولى. هذا ما تدل عليه استرجاعات “مغران” للماضي البعيد، وكذلك استشرافاته زمن الحلم القائم في المستقبل.
نتج عن الزمن المحدود في رواية “العشاء السفلي”، ظهور اللحظة كإطار زمني مكثف. “وتتمثل اللحظات الكبرى في الرواية في لحظتين أساسيتين هما: لحظة الطفولة ثم لحظة الممارسة الجنسية. هاتان اللحظتان هما اللتان تتمحور حولهما أحاديث السعادة، وهما القمينتان بحمل البطلين لهجرة الزمن الواقعي الفج[11]“.
وفي كلمة، فالزمن في رواية “العشاء السفلي”، كان زمنا شاعريا بامتياز، ذلك من خلال محدوديته وخروجه عن المألوف، وتمجيده للحظة والإقامة فيها. ومن تم شكّل تثمينا للنفس الشعري المتدفق في الرواية. هذا النفس الشعري، سيصل مداه مع أنماط مغايرة من الشخصيات.
يقال إن عظمة الروائي تقاس أحيانا بقدرته على خلق الشخصيات، “فالروائي الحقيقي هو ذلك الذي يخلق الشخصيات[12]“. شخصيات تنبض بالحرارة والحياة. فكيف إذن حضرت الشخصيات في “العشاء السفلي”؟ وما هي أنماطها؟ ووظائفها الشعرية؟
يمكن التمييز داخل رواية العشاء السفلي بين نمطين من الشخصيات. فبالنسبة للنمط الأول نجد الشخصية التي تحيل على مرجع واقعي، والتي لها حمولة شعرية، وذلك عندما ترد في الرواية أسماء لشخصيات معروفة في المتخيل الجمعي باعتبارها تتجرد من علميتها، وتدخل في الخطاب كصورة شعرية. ومن هذه الشخصيات في الرواية تمثيلا لا حصرا: شخصية لسان الدين بن الخطيب، فإلى جانب معرفتنا لهذه الشخصية أديبا وشاعرا، فقد تم توظيفها في الرواية برمزية شعرية واضحة. من هنا تشبيهه بطائر الفنيق، الذي ينبعث من الرماد “خرج لسان الدين من رماده”. كما أن توظيفها كان بغرض استثمار الحمولة الدلالية التي توحي بها. فهي تدل على قوة الثقافة العربية القديمة، وعلى التضييق الذي طال المثقفين من قبل الاستبداد.
أما بالنسبة للنمط الثاني من الشخصيات في الرواية، فهي الشخصيات الأسطورية والتي أسهمت في بناء الدلالة العامة للرواية. فبالإضافة إلى تسمية شخصيتي “مغران” و “ميزار” بطلي الرواية، والتي لا تخفي أسطوريتهما، إذ لم يحضرا بالطريقة السردية، بل حضرا كأنهما علمين أسطوريين، نجد شخصيات أسطورية أخرى منها: شخصيتا “بيرسيفون وتموز”، فالرواية تستحضر هذين الاسمين الأسطوريين لتشييد دلالة عميقة بإمكانها التعبير عن بهجة لقاء مغران وميزار. هذه الطريقة التصويرية التي التجأ إليها الكاتب تحمل معاني شعرية قوية. لأن الأسطورة تدلنا على تجربة ميزار ومغران نفسيهما.
هكذا يمكننا أن نقرأ تلك الصورة التي أخذت بلب مغران، والتي رسمت على زربية تؤثث القاعة الكبيرة التي احتضنت لقاءهما فوصفها بقوله: “فوق زربية هائلة تصور بهجة بيرسيفون لهبوط تموز (…) أمعنت النظر إلى الزربية فلاح شعر بيرسيفون متطايرا إلى الوراء ووجهها منخطفا نحو الأدراج التي بدا منها تموز مسربلا بجراحه[13]“. فهذه الصورة الأسطورية تشخيص للعلاقة القائمة بين بطلي الرواية. تلك العلاقة التي تدل على الأمومة والعشق.
وبالإضافة إلى شخصيتي بيرسيفون وتموز هنالك مجموعة من الشخصيات الأسطورية الأخرى مثل: أورفيوس، إيزيس، أوزيريس، آتيس… والتي ساهمت جميعا في تحقيق البعد الشعري للرواية، عن طريق تحقيق الاقتصاد اللغوي، الذي يعتبر أحد أهم خصائص الكتابة الشعرية. فرواية “العشاء السفلي” على قصرها فإنها تتسع عن طريق توظيف الأسطورة لاستحضار قصص وأصداء غائرة وعميقة.
تركيب عام:
وبالمجمل، فإن رواية “العشاء السفلي” لمحمد الشركي تنتمي لتيار الرواية الجديدة، التي اعتمدت من بين ما اعتمدت عليه وهي تحاول البحث عن تقنيات جديدة في الكتابة، اللجوء إلى الاغتراف من المكون الشعري. فاخترق النفس الشعري الرواية على مستوى الحكاية، كما اخترقها على مستوى الخطاب.
فعلى مستوى القصة سجّلنا وضوح المتن الحكائي وإمكانية الإحاطة بعناصره، فالرواية تحكي – وعبر ثلاثة مقاطع- قصة عشق بين البطلين “مغران وميزار”، عشق شاعري مفارق للواقع إذ تم خارج المكان والزمان المعهودين. أما على مستوى الخطاب، والذي اقتصرنا في دراسته على المكان والزمان والشخصيات، فقد لاحظنا أن عناصره اصطبغت جميعا بملمح شعري بارز. فالمكان لعب دورا محوريا في توليد الشعري لما له من علاقة بمكون الوصف الإبداعي. والزمان كان مفارقا للواقع متنكرا له، وقد اتسم بالمحدودية واللحظية، ومن تم ساهم في تثمين المقومات الجمالية للرواية. أما الشخصيات فأغلبها شخصيات أسطورية ساهمت هي الأخرى في تحقيق البعد الشعري، وذلك عن طريق الاقتصاد اللغوي، الذي هو أس الكتابة الشعرية.
لقد استطاع محمد الشركي إنتاج نص باذخ ومتفرد في لغته وعناصره الخطابية، نص يحتاج لمصاحبة طويلة ومتأنية من أجل الاقتراب منه وإدراك معانيه، لذلك نرجو أن يطالعنا صاحبه بإصدارات روائية أخرى، تثمّن المنجز الروائي المغربي وتغنيه.
المصادر والمراجع:
- آلان روب جرييه، نحو رواية جديدة، ترجمة مصطفى إبراهيم مصطفى، دار المعارف، مصر، ط1، سنة 1998.
- رشيد بنحدو، مقدمة ترجمة كتاب: الرواية الجديدة والواقع، كتاب الدوحة، دولة قطر، 2018.
- رولان بارط، درس السيميولوجيا، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط 3، 1993.
- محمد أدادا، الشعري في الكتابة الروائية دراسة في الرواية المغربية الجديدة، مطبعة آنفو-برانت، فاس، ط 1، 2007.
- محمد الشركي، العشاء السفلي ضمن “نورها في الأعماق”، خطوط وظلال للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة 1، 2021.
- محمد أمنصور، خرائط التجريب الروائي، مطبعة آنفو-برانت، فاس، ط1، 1999.
[1] ) رشيد بنحدو، مقدمة ترجمة كتاب: الرواية الجديدة والواقع، كتاب الدوحة، دولة قطر، 2018، ص 09.
[2]) رولان بارط، درس السيميولوجيا، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط 3، 1993، ص 43.
[3] ) محمد أمنصور، خرائط التجريب الروائي، مطبعة أنفوـبرانت، فاس، 1999، ص 15.
[4] ) محمد أدادا، الشعري في الكتابة الروائية دراسة في الرواية المغربية الجديدة، مطبعة آنفوـبرانت، فاس، 2007، ص 03.
[5] ( محمد الشركي، نورها في الأعماق، خطوط وظلال للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى، 2021، 7.
[6] ) محمد الشركي، العشاء السفلي ضمن “نورها في الأعماق”، ص 10.
[7] ) محمد الشركي، العشاء السفلي ضمن “نورها في الأعماق”، ص 24.
[8] ) محمد الشركي، العشاء السفلي ضمن “نورها في الأعماق”، ص 27.
[9] ) محمد الشركي، العشاء السفلي ضمن “نورها في الأعماق”، ص 75.
[10]) محمد الشركي، العشاء السفلي ضمن “نورها في الأعماق”، ص 75.
[11] محمد أدادا، الشعري في الكتابة الروائية دراسة في الرواية المغربية الجديدة، ص 187.
[12] آلان روب جرييه، نحو رواية جديدة، ترجمة مصطفى إبراهيم مصطفى، دار المعارف، مصر، سنة 1988، ص 64.
[13] محمد الشركي، العشاء السفلي ضمن “نورها في الأعماق”، ص 41، 42.
ناقد من المغرب
باحث بسلك الدكتوراه
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي