
المعينات القرائية والروابط النصية في مسرحية (رغيف سيزيف) للمسرحي لحسن قناني
محمد دخيسي أبو أسامة*
تقديم
ينطلق مشروع لحسن القناني مسرحيا من مسلمات نظرية وعملية، اختبرها ورقيا وتعمد تجريبها رُكحيا على خشبة المسرح، فكان عملُه قائما على التنظير والممارسة والنقد. وكانت النتيجة فورةَ (الكوميديا الصادمة- سخرية الإنسان المقهور)[1] التي أعطت إضافةً نوعية للسخرية الصادمة أو الكوميدا السوداء، وأنبتت تجلياتها المسرحية وتقنياتها من خلال تسليط الضوء على بعض الأسس النظرية والتطبيقية.
بالعودة ثانية إلى لحسن قناني، نقف عند بعض خصوصية نظرته للمسرح في مسرحيته (رغيف سيزيف)[2]، ويعود سبب اختياري لهذا المتن إلى ملاحظتي كثرة الإرشادات المسرحية التي طغت على النص الأدبي، وتم التركيز عليها لتنقل المتلقي من مجرد قراءة بسيطة إلى تمثل النص على خشبة افتراضية انطلاقا من مخيِّلَتِه.
لأجل ذلك سأعرض بعض هذه الإرشادات، في محاولة للتأشير على أهميتها أولا، فعناصرِها ثانيا، ثم وظائفِها الفنية والتعبيرية ثالثا.
الإرشادات المسرحية: بين لغة الإشارة ولغة التأشير
نقصد بالمعينات القرائية، ما يفيد قارئ النص المسرحي في تتبع لغة المبدع من جهة، واكتشاف العرض المسرحي ثانيا، لأن بين النص والعرض فاصلا جوهريا، يجعل الكاتب يقف موقف المساعد للمخرج لإضاءة بعض الجوانب المتعلقة بالممثل والفضاء المسرحي وأفق انتظار المتلقي. والإرشادات المسرحية جزء من معينات القراءة والروابط النصية، لأنها تجعل النص الأدبي في المسرحية في مرتبة ثانية بعد الإرشادات الأولية، لذلك نجد كثيرا من نقاد المسرح يؤكدون أهميتها. يقول يونس الوليدي: “إن الإرشادات المسرحية ضرورية لتوجيه العرض المسرحي، وإن كانت في حقيقة الأمر لا توجِّهُ إلا جانبا من هذا العرض، وبذلك يبقى على الإخراج أن يبتكر كلَّ الأشياء الناقصة التي لا يقولها الحوارُ ولا الإرشاداتُ المسرحية. وهذه الإرشادات لا تظهر إلا أثناء قراءة النص المسرحي، أما أثناء العرض فتتحول إلى علامات بصرية تملأ الفضاءَ الركحي.”[3]
فإن كان رأي الوليدي يركز على الإرشادات باعتبارها مساعدا للمخرج على اشتغاله العملي داخل الركح، فلا يمكن أن نغفل دورها أيضا في عملية التلقي التي لا تقدم العلاقة بين النص والقارئ فحسب، بل العلاقة بين ما يمكن أن يُقرأ في النص، وما هو مقروء فيه فعلا.[4] لذلك يختار المؤلف المسرحي الانتقال من الكتابة النظرية إلى النظرية المشهدية، وهو ما يمكن نعته بالدراماتوج Dramatuge بكتابة نص أدبي يتضمن مقومات الإخراج أو بمعنى من المعاني: “الرؤية الدرامية”.
نخلص من هذا التقديم إلى وضع خطاطة لتحليل الإرشادات المسرحية في مسرحية (رغيف سيزيف) للحسن قناني. فالمؤكد أن دورها لا يخرج عن الإطار السابق، لكن نستدرجها قليلا للوصول إلى أهم الوظائف التعبيرية والجمالية التي تحققها. من أجل ذلك نقسمها إلى ثلاث محطات:
1- الإرشادات المسرحية وعملية التلقي.
2- الإرشادات المسرحية عملية أولى في طريق الإخراج.
3- الإرشادات المسرحية وتحقيق الجمالية.
1- الإرشادات المسرحية وعملية التلقي:
وجب في البداية الإشارة إلى أن الإرشادات المسرحية تقف إلى جانب النص الأدبي، أو أدبية النص المسرحي من حيث كونها أولوية تعبيرية، وما دامت كذلك فهي تخدم القارئ ليستوعب الظروف والملابسات التي يأخذها المؤلف على عاتقه أثناء التأليف. وما دام لحسن قناني مؤلفا وناقدا مسرحيا، وممثلا إلى جانب تلقيه لأعمال أخرى، فقد استطاع أن يفرز نوعا من الشد إلى نصه عبر احتفائه بكل ما يساعد القارئ خلق الصلة بممثليه.
فيمكن الوقوف عند أهم لحظات المسرحية بإثارة الانتباه إلى الإرشادات المسرحية، أو المعينات القرائية لأنها تقوِّم القراءة لدى القارئ، سواء أكان قارئا عاديا أم نموذجيا/ القارئ الضمني كما وصفته نظرية التلقي باعتباره: “المتلقي المؤهل القادر على التفاعل بنجاح مع النص المحدد”.[5]
وقد استطاع لحسن قناني أن ينوع من إرشاداته، فمن تسليط الضوء على الشخصية وارتساماتها وملامحها وانفعالاتها..، إلى الإضاءة بمؤثراتها، فالفضاء الركحي بما يحمل من سمات ثابتة ومتحركة، ودرجة تفاعل الممثل معها، ثم الموسيقى وباقي المؤثرات الصوتية..
كل عنصر من هذه العناصر حاضر في مسرحية (رغيف سيزيف)، ونذكر بعض الأمثلة مما يخدم المتلقي بمستوياته، وقبل استعراضها؛ وَجَبَ التذكيرُ بما جاء في مقدمة المسرحية حيث يمكن اعتبارها موجِّها لقراءة النص أدبيا وعرْضا. يقول الكاتب: “مسرحية “رغيف سيزيف” مسرحية من نوع الملهاة أو الكوميديا الصادمة، وهو نوع من المسرحيات الساخرة التي تتحدد فيها غاية الضحك خارج ذاته، أي في مدى تعالقه مع الوضع البشري في مختلِف تجلياته وشتى أشكالِه ومظاهره.”[6]
فالظاهر من القول تقديمٌ، والباطن إرشادٌ إلى تعريف القارئ الغرض من النص المسرحي، وتوجيهه إلى إدراك وظيفة الضحك، ويبقى العنصر البشري الرابطَ بين النص والقارئ، ومن ثمة تتضح معالم الإرشاد في تفتيت وضعية الممثل من قبل القارئ انطلاقا مما يمكن أن يُطْلِعَه عليه المؤلِّف. ونستحضر هنا نماذج من ذلك مع التركيز على الحالة أولا ثم الوظيفة ثانيا.
النموذج الأول:
“بعد الأغنية يكون المنظر قد تغير ليدل على ورشة بناء في الزاوية اليمنى من خلفية الخشبة تظهر لافتةٌ مكتوبٌ عليها بخط بارز جميل: (عمارة الحاج بولطوان.. رخصة البناء رقم: 007.).. أما في الزاوية المقابلة فنشاهد الشاف شانطي Chefchantierجالسا على كرسي مريح وبجانبه مائدة مستديرة صغيرة فوقها إبريقُ شاي وكأسٌ.. لحظات ويظهر عش واها وهو يدفع البرويط.. يستحسن أن يشخَّص دورُ البرويط من طرف ممثل.. في وسط الركح نشاهد فأسا وبالة.”[7]
نلاحظ من خلال هذا المقطع اهتمام الكاتب بتفاصيل المشهد، وهو يدفع القارئ إلى وضع لوحة تامة عن واقع معيش لفئتين مختلفتين من فئات المجتمع؛ فئة الطبقة العاملة الكادحة، وفئة الممونين المترفين. كما أن للنص وظيفةً رمزية تتجلى في جعل الممثل الثاني علامة على الاستغلال المفرط للعمال بتشخيصه آلة (البرويط).
أما عن الوظيفة التعبيرية للإرشادات المسرحية في هذا المقطع، وبالأخص ما يفيد القارئ فنستحضر قيمة تجنيس النص وتوجيهه نحو (الكوميديا الصادمة)، ويتضح ذلك جليا من خلال تتبع عملية (البرويط) التي يصدر صوتا يدل على كافة أنواع الاستغلال. يقول الكاتب نفسُه موضحا هذه العلاقة: “من هذا المنطلق يصبح حتى الصوت الذي تحدثه آلةٌ صَدِئَةٌ كالبرويط على سبيل المثال، مصدرا ليس للإضحاك فقط بل ولإلقاء الضوء على أخطر القضايا الإنسانية كقضية الاستغلال.”[8]
النموذج الثاني:
“ينزل الشاب إلى قاعة المتفرجين.. يبقى عش واها وحده على الركح.. لحظات ونسمع من الكواليس صفارة المخازني. بعدها يدخل المخازني مهرولا.. يحاول (عش واه) الفرارَ بعربته. ولكن المخازني كان أسرع منه.. يقبض عليه..”[9]
فلا شك أن لحسن قناني نبه إلى هذه الحالة التي كان يعيشها (عش واها) ليستدل على القمع السلطوي من جهة، وليؤكد الوصفة الجاهزة التي ميزت عمله باعتباره تشكيلا لخصائص الكوميديا الصادمة.
وبالرغم من استعمال الكاتب الزمن الحاضر كما أشارت إلى ذلك حياة الخطابي في قولها: “نلاحظ أن الأفعال المضارعة التي يوظفها في هذا الإرشاد أفعال تكتسب صفة التجريد، لأنها تنتمي عالم افتراضي يقترب من التصور ومن المفاهيم المجردة.”[10] إلا أنني أعتبرها أفعالا تنم عن وصل بين المبدع والمتلقي تدليلا على انتقال التخيُّلِ من واقع حقيقي على الركح: (نزول، سماع صوت..) إلى توظيف لفرضية الكوميديا الصادمة التي تختار من بين وسائلها الشخصية التي تعيش الواقع من خلال تقمص شخصيات تعيش حياة مريرة، ثم إن عش واها: ” لا يصعد الخشبة ليمثل بل ليعيش يصعدُ الخشبة لاهثا، وقد خرج لتَوِّه من زِحام الواقع، فهو لا يمثل الحياة بل يحيا التمثيل، يقتحم الركح وحرارةُ المعيش ومرارتُه لا زالتا تسريان في عروقه، لا يتقمص الشخصياتِ والنماذجَ البشرية التي يمثلها بل إن هذه النماذج هي التي تتقمصه.”[11]
من هنا نخلص إلى كون لحسن قناني يستغل هذه الإرشادات المسرحية، وقد قدمنا نموذجين، لإثارة الانتباه إلى المقصدية العامة من تأليف المسرحية في إطار مشروع (الكوميديا الصادمة)، ثم إنه يُقَوِّي من سلطة الممثل في نصه باعتباره دالا على فعل قوي ومهم في تشخيص هذه الوضعية الصادمة ، ويعتمد أيضا الإرشاد ليضَع المتلقي في لُب العملية الإبداعية تشكيلا للرؤية وتحويرا للنص إلى عرض تخيُّلي أولا ثم فعْليٍّ على خشبة المسرح ثانيا.
2- الإرشادات المسرحية عملية أولى في طريق الإخراج.
تأكيدا لمبدإ العرض الموازي لعملية التأليف، استطاع الفنان لحسن قناني التوفيق بين أمر التأليف الأدبي لجنس المسرحية، والعملِ على مساعدة المخرج في تثبيت الإرشادات المسرحية. ومن اللافت للانتباه أنه يجعلها صُلبَ الموضوع، ويؤكدُ حضورَها في متن مسرحيته (رغيف سيزيف) وفي باقي مسرحياته، فيضغط عليها طِباعيا. فنلاحظ مثلا أنه يركز على شكل الخط وحجمه، ودليلنا على ذلك مثلا مقارنة بين الإرشادات المسرحية في كل من (رغيف سيزيف) و(وقتاش تصحا يا جحا) و(تقاسيم باسمة على وتر حزين).. فبالرغم من الطابع الشكلي لهذه الملاحظة إلا أنه تبقى لافتة للنظر ومهمة كونها تثير النظر أولا بالمشاهدة، وتقر بفعلها وأهميتها تعبيريا ثانيا.
نقف في هذا الحيز عند الإرشادات المسرحية الخاصة بالإخراج، ونركز على أهمها بتقديم نماذج وعينات دراسية.
2-1: المؤثرات الضوئية:
تعتبر الإرشادات الضوئية أول ما يصادفنا ونحن نقرأ (رغيف سيزيف)، ويستهلها لحسن قناني بإظلام تام، لتنتقل إلى تشغيل للأنوار.
“إظلام تام.. أفراد الجوقة غير المنظورين…”
“تشتغل أنوار الخشبة.. إضاءة تامة..”
ثم “إظلام”[12]
وما ينبغي تسجيله، هو إلحاح المؤلف على فعل الإضاءة، مما يسهل عملية الإخراج، ثم إثارة الانتباه إلى أهمية الإضاءة سواء كانت خافتة أم تامة أم كان إظلاما. والإنارة تركز أيضا على حالات مسرحية معينة، وهي لا تقف هنا مثلا لتعيين فترة من فترات اليوم (نهار أو ليل) مثلا من خلال تدريج الإنارة Degradtion de lumiére، وإنما قصد التركيز على الفرقة حينا أو الشخصية الرئيسية حينا آخر.
ويتحدد هذا الفعل في إحدى لحظات التشويق في المسرحية، حين يعود المؤلف إلى لحظات زمنية ماضية من حياة عش واها، فيعتَّمُ موقفُ عش واها ويضاء مكانُ تواجد الباتول على خشبة المسرح. يقول لحسن قناني: “إظلام على عش واها.. إضاءة على الباتول وابنها في إحدى زوايا الركح.”[13]
كما أن المؤلف يستغل الإظلام دلالة على نهاية مشهد وبداية آخر كما في الفصل الخاص بالمخازني وعش واها،[14] أو مشهده مع الطفلة.[15]
2-2- المؤثرات الصوتية:
بعد تأكيدنا على دور الإضاءة في المسرحية، نصل إلى الموسيقى، وقد حاول الفنان المبدع أن يجمع بين الغناء الجماعي والفردي. فبعد صعود أفراد الجوقة للخشبة تحت ظلام دامس، يبدؤون في ترديد إيقاع منتظم. يقول لحسن قناني في بدية المسرحية: “أفراد الجوقة غيرُ المنظورين مبعثرون فوق الركح يَدُقُّون بأرجلهم الخشبةَ في إيقاع منتظم، وفي تناغم تام مع الإيقاع يرددون..”[16]
ولعل في الترديد الجماعي وظيفةً جمالية من خلال تسهيل عمل إيصال الفكرة للجمهور، وتقويةِ دور المقولات المعبَّرِ عنها ثانيا. لذا فقد كان الاعتماد على بعض أنواع الجوقات كالكورس مثلا منذ زمن بعيد: “كمرجع يكون الشاهدَ الرسمي للجمهور ولسانَ حاله. إن العنصر الأساسي في ترتيل الكورس ليس معاني الكلمات بقدر ما هي اتجاه الفكرة وتدفُّقُها والتعبيرُ العاطفي عنها.”[17]
كما أن المؤلف يركز على بعض لحظات الصمت، فيملأها بموسيقى تصويرية ويعين لذلك إرشادا مسرحيا أثناء التعريف بالمنظر الأول في المسرحية. يقول: “يظهر عش واها نائما على حصير قديم.. تتركز عليه الإنارة للحظات وهو نائم.. موسيقى تصويرية.”[18]
إذ تُشَكِّلُ هذه اللحظة الموسيقية وصلا بين إنارة فحركةٍ، وَتُحَوِّلُ نظرةَ المشاهد من مجرد التركيز على الحدث إلى تفاعل ذوقي عبر موسيقى تصويريةٍ. وقد ترك المؤلف الاختيار للمخرج لنوع الموسيقى وجنسيتها.
وإلى جانب الموسيقى، تظهر فترات الفرح والنشوة، فتلتقي الكلمةُ بالغناء والرقص، ونعطي نموذجا لذلك من الإرشاد التالي: “عش واها: يغني ويرقص.”، ويضيف: “يمكن للباتول أن تشترك معه في الرقص والغناء.”[19] كما أن هناك لحظاتٍ للتعبير الجسدي عبر تناغم بين الصوت والحركة الجسدية، فيعبر عنها بقوله: “يظهر عش واها متنقلا بين الصفوف، داخل قاعة المتفرجين، يغني على إيقاع رنات جرسه النحاسي الصغير.” ويضيف أيضا: “يغني على إيقاع رنات الجرس.”[20] إلى غير ذلك من الإرشادات الموسيقية التي تؤدي وظيفة جمالية داخل النص المسرحي من حيث التنوعُ في الأداء والحركة، إلى جانب وظيفةٍ تعبيرية تخدم القضية الأساس وتحرك وجدانَ المتلقي بالاستماع والإصغاء إلى الكلمات ذات الدلالات المتنوعة.
2-3- بلاغة الجسد:
نقصد ببلاغة الجسد التعبير الجسدي الموحي بانفعالات الشخصية وحركاتها وتموجاتها الشخصية. وتدخل هذه البلاغة في إطار الإرشادات المسرحية من ناحية تعريف المخرج بلحظات تعبيرية محددة.
نقف عند نموذج من مسرحية (رغيف سيزيف)، يقول لحسن قناني: “يسير وهو يلقي وراءه زهورا بلاستيكية الواحدة تلو الأخرى.. في حين يقتفي عش واها الأثر.. ملتقطا هذه الزهور.. وعندما يغيب الممثل في الكواليس.. يبدو الاضطراب على عش واها.. يوحي بأنه ضل الطريق.”[21]
فالإشارة إلى انفعال بطل المسرحية تختزل كثيرا من الكلام والمشاعر التي يمكن استغلالها داخل المسرحية إما بالإشارة أو التعبير الجسدي أو الكلام الموحي.
3- الإرشادات المسرحية وتحقيق الجمالية.
من أهم العناصر التي يجب الإشارة إليها في النقطة الأخيرة، هي جمالية النص المسرحي مستعينا بالإرشادات. فإلى جانب بعض التقنيات التي أشار إليها لحسن قناني في كتابه (الكوميديا الصادمة) كالتغريب مثلا[22]؛ نقف عند بعض خصوصيات الإرشادات المسرحية التي تعطي جماليةً للنص المسرحي كتابةً وعرضا. ويعتبر الديكور أهمَّ إشارةٍ “لغوية” يستغلها الكاتب لتأثيث فضاء نصه وتجهيزِه ليكون فضاءً أرحبَ لخشبة المسرح. ويقوم الديكور على أسس علمية وفنية وتشكيلية، وينقل الحدث من صيغته اللفظية إلى أخرى تعبيرية جمالية.
يقول لحسن قناني في بعض إشاراته إلى الديكور في مسرحية (رغيف سيزيف): “المنظر: عبارة عن خرابة.. أو بيت بسيط غاية ما تكون البساطة.. أثاث بسيط.. يظهر عش واها نائما على حصير قديم..”[23] فهي إشارة صريحة إلى حالة اجتماعية من جهة، ووضع نفسي يعيشه البطل في المسرحية. ولعل تكرار لفظ البساطة دليل على قوته وتعبيرا عن إحالة إلى مرجعية أُسَرية وجب التعاملُ معها بقوة أثناء العرض.
والملاحظ أن الديكور في المسرحية حقيقيٌّ يوحي إلى مناظر عينية يعيشها المواطن يوميا، خاصة مَن يقترب مِن مستوى البطل والشخصيات المصاحبة له، كما يُظهر الكاتبُ الفوارقَ الطبقية بين فقيرها وغنيها، إشارة إلى وضع اجتماعي متأزم، وتلخيصا لأسس الكوميديا السوداء أو الصادمة التي تصف حالة المواطن المقهور.
يقول لحسن قناني: “صالون داخل الفيلا.. المدام جالسة بشكل مريح، منهمكةٌ في صبغ أظافرها.. يدخل عش واها.” فيمكن أن نعقد مقارناتٍ جوهريةً بين هذه الحالة وحالة الباتول في جهة من الخشبة تغسل الملابس، وبين حالة الفيلا وحالة الخرابة.. وكلها إشارات صريحة وغير مشفرَّةٍ لواقع حياتي يعيشه (عش واها) باعتباره يعيش فقط دون حياة حقيقة.
كما يَظهَرُ نوعٌ من التناغم مع الحياة الجديدة، حين يحاول عش واها أن يحيِّن ذاتَه وَفقَ الحياةِ الجديدة، ويركز عليها الكاتب بإيهام المتلقي أن البطل استأنس واقعَ الفيلا واندمجَ فيه، لكن الحقيقة تبقى مغيبةً، وهنا تحضر تقنيةُ تغييرِ أفق انتظار المتلقي. يقول لحسن قناني في هذا الصدد: “المنظر: صالون داخل الفيلا.. المدام جالسة تقرأ إحدى مجلات الموضة، يدخل عش واها حاملا الكلبة بين يديه.. يقدمها للمدام.”[24]
وإلى جانب الديكور يمكن أن نتحدث عن الأكسسوارات والتوابع المسرحية والملابس وغيرها..
تركيب:
جمعَ لحسن قناني في مشروعه الثقافي المسرحي بين التنظير والممارسة والنقد، وقد اختار الكوميديا الصادمة أو الكوميديا السوداء منهجا يحتذي به. كما أن المشهد النقدي المغربي اشتغل على هذه الحلقة بكثير من التركيز رغم قلة المنابر التي تطلعت إلى تفكيك كلياته.
حاولتِ الدراسةُ أن تنقل بعضا من تقنية الكتابة المسرحية عند لحسن قناني باستغلال الإرشادات المسرحية باعتبارها المحوِّلَ النوعيَّ من النص إلى العرض، والصيغة المساهمة في إعانة المخرج لتجسيد رؤى الكاتب وتشخيصِ مواقفه دون تحريف.
الهوامش
[1]– لحسن قناني: الكوميديا الصادمة، سخرية الإنسان المقهور، سلسلة الكوميديا الصادمة، شركة مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، ط. 1، 2012.
[2]– لحسن قناني: مسرحية (رغيف سيزيف) مؤسسة جليلي للطباعة والنشر، وجدة، ط. 1، 1998.
[3]– يونس الوليدي: مقال (التحليل الدراماتولوجي للنص المسرحي، شهرزاد لتوفيق الحكيم نموذجا)، مجلة المدرس، س. 2، 1998، ص. 73.
[4]– محمد عزام: مقال (نظرية التلقي)، مجلة البيان الكويتية، ع. 330، يناير 1998، ص. 37.
[5]– فولفغانغ إيزر: نظرية جمالية التجاوب (في الأدب)، ت. حميد الحميداني، و الجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، البيضاء، 1995، ص. 20.
[6]– لحسن قناني: مسرحية (رغيف سيزيف)، ص.1.
[7]– المصدر نفسه، ص. 13.
[8]– لحسن قناني: الكوميديا الصادمة، ص. 90.
[9]– لحسن قناني: رغيف سيزيف، ص. 28.
[10]– حياة الخطابي: التأليف المسرحي بشرق المغرب، دراسة، مطبعة الجسور، وجدة، ط. 1، 2012، ص. 78.
[11]– لحسن قناني: الكوميديا الصادمة، ص. 93.
[12]– لحسن قناني: رغيف سيزيف، ص. 3
[13]– المصدر نفسه، ص. 21.
[14]– نفسه، ص. 29.
[15]– نفسه، ص. 46.
[16]– نفسه، ص. 3.
[17]– ليزن شانصوريل، نقله إلى العربية خليل شرف الدين، ونعمان أباظه، منشورات عويدات، ط. 1، دسمبر 1960، ص. 17.M. L. Chancerel : تاريخ المسرح
[18]– لحسن قناني: رغيف سيزيف، ص. 4.
[19]– نفسه، ص. 6
[20]– نفسه، ص. 11.
[21]– نفسه، ص. 20.
[22]– نفسه، ص. 106.
[23]– نفسه، ص. 4.
[24]– نفسه، ص. 50.
العيون الشرقية 5 رجب 1434هـ الموافق ل 16 ماي 2013.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي