الرئيسية / الأعداد / السرد بوصفه علاجا نفسيا في رواية (ثمة خلل ما) لأمنة برواضي. – امحمد امحور

السرد بوصفه علاجا نفسيا في رواية (ثمة خلل ما) لأمنة برواضي. – امحمد امحور

السرد بوصفه علاجا نفسيا في رواية (ثمة خلل ما) لأمنة برواضي.

امحمد امحور*

 

صدر للروائية المغربية أمنة برواضي، عن ديوان العرب للنشر والتوزيع، سنة2024م، نص سردي محبوك برؤيا سردية تراهن على شكل جديد، اختارت له عنوانا دالا يشي بأحداث درامية تجد سندها في الواقع (ثمة خلل ما).

وقد أبى الناشر إلا أن يعلن عن الميثاق الذي يربطه بالقارئ النموذجي، وهو تجنيس العمل، حيث اختار أن يضع على الغلاف كلمة (رواية) داخل دائرة صغيرة. وأن يثبت اسم الروائية أمنة برواضي بلون أصفر ناصع ينسجم واللوحة التشكيلية المحتفية بألوان شتى، منها ما يميل إلى اللون الداكن، ومنها ما يميل إلى اللون المفتوح، ولا غرو، فمصمم الغلاف هو محمد وجيه، وهو من هو، في فن التشكيل، والإبحار في ملكوت التصوير، والإبداع الجميل. وهذه اللوحة التشكيلية الجميلة ترشد القارئ منذ الوهلة الأولى إلى بناء فرضيات حول مواصفات شخوص هذه الرواية، ورهاناتها والصراع الدرامي الذي سيحرك الأحداث في أفق بناء متن حكائي قد يوافق المتون الحكائية التي يتحكم فيها الزمن الخطي، وقد يجترح السارد زمنا آخر يتحكم في هذا البناء، وقد يتحكم كذلك في التشخيص السيكولوجي لشخوص الرواية، وفي معالم فضاءات الرواية.

وقد اختارت المبدعة أمنة برواضي عنوانا دالا لروايتها، صيغ في قالب جملة اسمية (ثمة خلل ما) هو بمثابة المحكي الإطار الذي ستنبثق منه محكيات صغرى، سيعمل السارد على تشبيكها عبر تقنيات سردية، لا تخرج في مجملها عن تلك التي تواضع حولها المنظرون للسرد، باعتباره جنسا أكبر منه، تتفرع باقي المحكيات، ودور المؤلفة أمنة برواضي في هذا السياق هو اقتراح شكل من أشكال الرواية، ما دامت هذه الأخيرة نصا مفتوحا يستوعب مختلف الأنماط التعبيرية، والأنواع الأدبية، بهدف خلق فضاءات روائية ينشد إليها القارئ للتعاون مع منتج النص، أو السارد الموكل إليه نسج حبكة النص السردي، لصياغة متن حكائي قد ينسجم والذخيرة الفكرية لأنواع القراء، وقد ينزاح عنه فيتكسر أفق انتظارهم، فلا يعودون بخفي حنين، بل سيجربون تجارب القراءة العالمة التي راكموها بهدف الإمساك بإواليات بناء المتن الحكائي عودا على بدء.

وعنوان الرواية السالف الذكر يتعين على القارئ تأوليه انطلاقا من بنيته السطحية للنفاذ إلى عمق البنية العميقة في تعالقاته الممكنة مع متوازيات النص الروائي، والتي استوى عودها في خمس عشرة علامة لغوية، هي بمثابة تلخيص فطن للمتون الحكائية الصغرى، وانطلاقا من فك شفراته من قبل القارئ النموذجي سيدلف هذا الأخير إلى العناصر الشكلية متمثلة في اللغة السردية، وفضاءات الرواية المحتضنة لمشاعر شخوص الرواية، واحلاما، وتطلعاتها، واستيهاماتها،  فبها ينمو السرد، ويتطور، ويستوي عوده في متن حكائي، يغتني بالصراع الذي يختلج في ذوات الشخصيات التي تعيش على فائض المعنى حكيا، وتجرد من كينونتها ذواتا تنتسب إليها بوشائج القربى الأسرية التي تزيد لفضاءات الرواية الفيحاء رونقا على مستوى تسريد العلاج النفسي لشخصية الأم البطلة، والتي لا تقنع بالسرد وكفى، وإنما تواظب على القراءة، وأية قراءة؟

إنها قراءة/ قراءات، تنمي الذات الساردة وتطوقها بمعجم سردي فياض يغتني بتجارب الحياة ومعاركها السيكولوجية التي لا تنتهي. فالتسريد الذاتي حينما يشتبك بسرد الآخر/الأخرى، يمنح للمعاناة الذاتية معادلا موضوعيا يتجلى في عشق القراءة العالمة لمتون سردية تنكتب على حين غفلة، وبفعل الكتابة تنتشي الذات العاشقة للألم بعشق التملي بطلعة نص سردي لا يوازيه إلا عشق القراءة الأبدية المولدة لتنامي السرد واستوائه في سرد حيوات جديدة.

  1. شعرية العتبات النصية الموازية:

استوى عود العتبات النصية الموازية لرواية (ثمة خلل ما) في خمسة عشر نصا موازيا وكلها تتمتع بسلطة المؤلفة أمنة برواضي، فهي التي تمد السارد/ الساردة بنسغ حياة السرد الذي ينمو، ويتمطط ويتمدد، ويتوسع، على صفحات النصوص الموازية أو العتبات الموجهة لفعل السرد بوصفه معادلا موضوعيا للعلاج النفسي لبطلة الروائية الأم سعيدة التي ربت وتعبت من أجل الوصول بأبنائها إلى بر الأمان.

أ. العتبة الأولى (الوجع لا يأتي من فراغ).

يمتد محكي هذه العتبة بوصفه مقطعا سرديا على رقعة فيحاء، يؤطرها زمن فيزيفي أرخى سدوله على عشرين صفحة، وعلى طول وعرض هذه الصفحات، تنفتح الذات الساردة (الأم/الحاجة سعيدة) على فضاء زمني يربط الحاضر بالماضي والمستقبل لاستكمال مسيرة الكتابة السردية، وبهدف العلاج النفسي بعد أن استوعبت تقنيات القراءة المسهمة في تحويل الذخيرة الفكرية إلى حكاية قابلة لأن تكتب سردا من جديد، بعد أن تمثلت مقصدية الكتابة السردية، ووظيفتها الاستراتيجية المتجلية أساسا في بعث الروح من جديد في الذات المنتجة للخطاب السردي؛ هذا الخطاب الذي لا يكتفي بالوظيفة الجمالية، ليتعداها لتشمل الوظيفة الاستشفائية، وأي استشفاء؟ إنه استشفاء من أمراض نفسية مستعصية على كبار الأطباء النفسانيين الذين برعوا في تشخيص العي النفسي من غير أن يكتشفوا الدواء، وقد كثرت روشتات الدواء ولا دواء، ومربط الفرس هنا، أو لنقل مقصدية المؤلفة في (ثمة خلل ما) هي تزويد الساردة بكم هائل من الطاقات الإيجابية من أجل رص المقاطع السردية المعضدة بنصوص موازية أحسنت سبكها، فاستوت مسكوكات سردية اغتنت بشعرية اللغة، مانحة الذات الساردة سلطة الكتابة لتفريغ ما في جعبتها من أحاسيس اليأس، وآهات وجع الفراق.

تقول الساردة (وها أنا اليوم بعد هذا العمر الطويل، وهذا المشوار الصعب الذي اجتزته، والذي ضاق بي الكثير من منعرجاته حتى كاد يخنقني، وفي كل مرة أخرج من منعرج أو من تجربة أخسر فيها الكثير، فأدمت مشاعري تلك الضربات التي أنهكتني، لكنني في كل مرة أقاوم الفشل، وأضمد الجراح وأرمم كل الشروخ، لأستطيع الوقوف من جديد لأجمل إكمال المسير، لأن الحياة لا تقبل بالفشل ولا بالفاشلين.) (ص 12)

لقد أيقنت الذات الساردة أن الحياة لا معنى لها، أو بالأحرى التجارب التي كونتها البطلة الحاجة سعيدة عن الحياة تحتاج إلى إعادة تمحيص عبر فعل القراءة العالمة التي لا تتم إلا بفعل الكتابة السردية التي تعيد تشكيل الواقع وفق رؤى جديدة تنزاح عن الرؤية التي كونتها الأجيال الجديدة عن العالم، والانخراط في فعل الكتابة الذاتية السردية التي تعيد تشكيل الواقع، والبحث عن مواصفات جديدة للقوى الفاعلة التي قد تعارض تجارب الأمهات في رسم صورة مثلى لمستقبل أبنائهن، وتقنية الحوار المونولوجي قد تفيد في هذا السياق،  خاصة حينما يضم السارد صوته لصوت الأم بطلة هذه الرواية(كلا يا صديقة عمري إننا نغالط أنفسنا حين نتفهم أننا حققنا كل هذا، الحقيقة أن كل ما قمنا به لا يعدو ما ذكرته قبل قليل، كالشمس حين تغادر مخبأها لتعود إليه.) (ص14).

إن الأم (سعيدة) الشخصية المركزية تمارس غواية القراءة التي ينتج عنها فعل الكتابة، وهي في حالة حزن، بل إن الكتابة السردية تمارس عليها غوايتها في فضاء هادئ. (وهذه الأحداث الجميلة بالضبط لا زلت أذكرها بكل تفاصيلها ولا تغيب عن ذاكرتي لحظة؛ ربما هي زادي وإشراقة الضوء التي تمدني بالطاقة على الاستمرار في التحمل، وفتح أبواب الأمل على مصراعيها، رغم كل السواد الذي يلف أعماقي.

نعم لابد من الكتابة. تتوقف سعيدة من جديد تنظر إلى المكان من حولها كأنها تبحث عن شيء معين، وتدخل بعد ذلك في صمتها الذي تعرف كيف تمارسه بإتقان، ولا تهتم بما يدور من حولها) (ص36). وعلى هذا المنوال تعتقد اعتقادا راسخا أن فعل الكتابة خلاص وتطهير لمخزون المشاعر والأفكار، وهي وسيلتها المثلى في تحسين صحتها النفسية عبر كتابة تجاربها المؤلمة. وقد استوى عود العتبات النصية الموازية لنفسية البطلة (سعيدة) المنهزمة على مستوى الواقع الكائن والمشرئبة إلى معانقة عوالم سردية موغلة في المتخيل الإنساني، وينفتح على عوالم سردية تعلي من قيمة فعل السرد في زمن مخادع ومهادن، وفعل السرد ها هنا، قد يتوسع، ويتمدد، وقد يتقلص على مستوى الزمن الفيزيائي حينا، لمحاورة شخصيات حاضرة/غائبة، وقد تحيل على المؤلفة أمنة برواضي، وقد تستحضر هي الأخرى شخصيات انشغلت بالمقول الشعري والسردي في لحظات البوح السردي الجميل، وهي تتواصل مع قارئ قد تعلن عنه في بعض العتبات النصية الموازية، كيوهانس كيبلر، وأنطوان دي سانت أكسوبري، ومحمود درويش، وقد يكون قارئا مفترضا تتفاعل معه الذات الساردة على مستوى التخييل الشعري.

وأن تنفتح المؤلفة/ الساردة على أنطوان دو سانت إكزوبيري، وهو طيار وكاتب فرنسي يتنمي إلى الطبقة الأرستقراطية في فرنسا، وعاش طفولة جميلة على الرغم من فقدانه المبكر لأبيه، فمن أجل مد جسور التواصل مع الفن الأصيل والعريق الذي يطهر النفس التواقة إلى الانعتاق من جبروت الحياة الرتيبة، ويعيد إليها توهجها. على مستوى المقول السردي، وهذا الفن يتمثل في أدب الأطفال الذي نبغ فيه أنطوان دو سانت إكزوبيري، وقصته (الأمير الصغير) تعد من أشهر كتب أدب الأطفال في العالم. وهذا ما يمكن أن يستشف على الأقل من عتبة الصفحة (104): (لا يرى المرء رؤية صحيحة إلا بقلبه؛ فإن العيون لا تدرك جوهر الأشياء.)

هذه البؤرة الدلالية كثفتها المؤلفة الساردة على لسان شخصيتين محوريتين في رواية (ثمة خلل ما) هما الأم سعيدة والساردة (لطيفة) التواقة إلى تطهير النفس مما علق بها من أحزان، وتوترات، وانفعالات، هي بمثابة قوى فاعلة معارضة للذات في سعيها الحثيث لامتلاك الموضوع المرغوب فيه (الاستمتاع بلذة الكتابة السردية)؛ هذه الرغبة المحفزة على تكثيف زمن السرد، وعقلنة الخيال الجموح عبر حوار ماتع ينتعش بالمونولوج الداخلي. (استغرقت الحاجة سعيدة قائلة، وكأنها سمعت ما تهمس به لطيفة: _الغريب أن الآخر لا يفهم احتياجاتك، ينظر فقط إلى ما تحتكم عليه، ويرى توفر المال لديك كافيا ليضمن لك حياة أفضل، يظن حاجاتنا تقتصر عل الأكل والدواء فقط، نسي أننا مجموعة من المشاعر نحتاج إلى من يحس بنا يكلمنا ويشعر بوجودنا في حياته.) (ص: 105)

ب: “الحب الحقيقي لا يتأثر بسوء المزاج، فمن يحبك يحبك في كل حالاته”

ومن البؤر الدلالية أو العتبات النصية الموازية سيان، المعضدة لتكثيف زمن السرد تلك المثبتة على الصفحة الثانية والثلاثين (الحب الحقيقي لا يتأثر بسوء المزاج، فمن يحبك، يحبك في كل حالاته.) حيث كثفت المقول السردي في خمس صفحات ومنحت للذات الساردة أن تغوص في زمن الاسترجاع باعتباره قوة فاعلة تسهم لا محالة في العلاج النفسي، وأي علاج؟ إنه علاج سردي يغتني بتجارب الحياة (تجربة يوهانس كبلر)، أو حينما تصبح الكتابة وسيلة للتعبير عما يختلج في النفس من مشاعر مساعدة على التحسن النفسي حينما تسرد الأمور على حقيقتها بلا لف ولا دوران، والمهم بالنسبة للذات الساردة هو أن تكتب محكيات صغرى تناغم مع المواقف القديمة، وتتفاعل معها بصورة يومية عن طريق الحكي المركز.

ج: محكي “يوهانس كبلر”

إن الذات الساردة تبحث عن نظام لمحكياتها الصغرى بهدف منح معنى جديد لحياتها المكلومة، والبحث عن العلاج النفسي الحتمي لنفسيتها التى تود الانفلات من الكتابة والملل، والمرض المستعصي، وعندما تعضد محكياتها الصغرى بقولة مركزة ليوهانس كبلر فمن أجل البحث عن توازن وتناغم لمحكياتها المتناسلة، والمنبعثة من الرماد.

إن مرجعية المؤلفة أمنة برواضي في منح الصوت للذات الساردة تستند إلى سردية” يوهانس كبلر بوصفه مؤسس علم الفلك الحديث، حيث اقترن اسمه بقوانين الكواكب السيارة، إنها تلك القوانين التي استفاد منها نيوتن فيما بعد لوضع قوانين الجاذبية، وقلبت النظريات الفلكية في العصور الوسطى رأسا على عقب، مما جعل كبلر (1473/1543) جديرا بلقب مؤسس علم الفلك الحديث، وأثبت حتى إن لم تكن الأرض هي محور الكون فهناك نظام وتناغم في الكون كله. “ومرجعية الروائية أمنة برواضي تستند إلى سردية يوهانس كبلر باعتباره عالم رياضيات، وفلكي، وفزيائي، ومنجم ألماني، وكاتب في الموسيقى، يحتل مكانة مهمة في الرواية بوصفه كاتب الرواية (الحلم).

وما استهوى الروائية أمنة برواضي لمساءلة السردية السالفة الذكر هو انتصارها للخيال المعقلن، والقوانين العلمية الطبيعية التي اكتشفها العلماء في رحلاتهم الاستكشافية، ويمكن اعتبلرها في هذا السياق بوصلات موجهة لفعل السرد في رواية (ثمة خلل ما)، وهي المتحكمة في راهنية السرد المناسب لزمنية العلاج النفسي للشخصية البطلة الأم سعيدة الراغبة في الإمساك بالموضوع المرغوب فيه، وهو استعادة الزمن الضائع (فقدان اللمة الأسرية)، والتخلص من الزمن النفسي الكئيب الذي يخنق الذائقة السردية لديها.

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

من اليابان إلى المغرب… مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة – محمد بنفارس

هايجن قرات لهن / لهم محمد بنفارس*     تقديم بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم …

اترك تعليقاً