الرئيسية / الأعداد / للكتاب موعد مع الرباط – المختار النواري

للكتاب موعد مع الرباط – المختار النواري

للكتاب موعد مع الرباط      
المختار النواري*

 

1ـ من شجون الكتاب:

كان للكتاب في الوجدان الإنساني مكانة خاصة، فقد كافح الإنسان كفاحا وجوديا عسيرا، وخاض معارك ثقافية في حرب ضروس، كانت أولى انتصاراته فيها اختراع الكتابة، هكذا أرادت الكتابات التاريخية الغربية أن تعتقد، وجعلت لذلك تواريخ حددتها تحديدا، قد يكون فيها من العلمية شيء، ولكن أكيد أن فيها الكثير من العنصرية والهوى، وبالتالي الكثير من المزاجية. وكانت الشرارة الأولى في العقيدة المشرقية الحنيفية، تتمثل في خلق القلم، والتنصيص على أنه أول ما خلق الله، قبل أن يُخلق الإنسان، وبعد أن خلق العناصر الأولى للوجود الكوني ـ ـ

وكان ذلك يوم سبت، وكأنه يشكل بذلك آخر وصلة في حلقة المخلوقات الكونية المتممة للوجود.
وقبل ان يحدثنا العلم البشري عن تاريخ اختراع الكتابة، حدثنا العلم الإلهي عن الملكين الكاتبين، وعن الكتاب الذي يؤتاه الإنسان يوم الحساب، باليمين أو بالشمال، وهو الدقيق الغاية في الدقة، التي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وحدثنا عن أبواب الجنة، والمكتوب عليها. وبعدها حدثنا عن الرسالات السماوية، والزبر والألواح المكتوبة، وغيرها.

وكان ثاني انتصاراته صناعة المكتوب عليه من غير المواد الطبيعيه ـ عظاما وأحجارا وطينا وخشبا وجلدا ـ فكان الورق، برديا أو كاغدا، لتُعطى الإشارة الأولى لبدء تشكل الملامح الأولى للمكتوب، والصورة البدائية للكتاب.

ولتنضج علاقة وجدانية، عميقة ووثيقة، بين الإنسان والكتاب، يفرغ فيها إحساسا كثيرا ما راوده، وشعورا طالما سكنه، يتفتق عن خلق الإنسان لما يخلفه بعد وفاته، ويعوضه بعد زواله، ويشهد له بعد تمامه، فيظل يتحدث عنه، ويحتفظ له بفكره ووجدانه ومواقفه، ويكتنز شيئا من فعله في واقعه، فإذا مات، يبدو بالكتاب وكأنه لم يمت، وإذا انقضى يضمن له الكتاب استمراره، فيبقى بدله، ويحقق له الانتصار، الذي طالما ظل يسعى إليه، وسخر له كل إمكانات الحضارة، غير أنها اقتصرت على الإشهاد الجماعي، فكان الحديث عن الحضارة الفرعونية و الوندالية والكلدانية والبابلية والآشورية والفينيقية والرومانية وغيرها. وأما الكتاب فإنه يحمل الإشهاد الفردي، بانتسابه الى شخص محدد الاسم والصفة، أو محدد الصفة فقط، أو محدد الزمان والمكان على أضعف تقدير.

يحقق الكتاب للإنسان الانتصار، الذي طالما سعى إليه، وهو أعظم انتصار وأخلده، حينما يضمن بقاءه واستمراره. إنه انتصار على الموت، وتحقيق للبقاء والخلود.

ولقد اعتقد الإنسان على الدوام في الكتاب اعتقادا وجوديا، وتعامل معه على أنه كائن، يجسد افكاره، ويتقمص شخصه، ويرصد انفعالاته، وفوق كل هذا وذاك فهو ضامن الاستمرار، محقق للخلود، يخترق الزمان والمكان، وقابل للوجود المتعدد المتكرر، على نحو ما يحقق التناسخ ذلك في أيامنا هاته. ويتحقق ذلك في الكتاب بفعل نسخه قديما، وتعدد النسخ؛ وبفعل طبعه حديثا، وإخراج المئات، والآلاف من النسخ، مرة واحدة، وفي طبعات منقحة ومزيدة.

ومن اعتقاد الإنسان في الكتاب ما يوليه له من عناية، وينكب انكبابا على إعداد بنائه، وتفصيل هندسته، وتنميق تصميمه، حتى يوفر له البناء المتكامل، ويحظى بخِلقة تليق به، ويتميز بها، فلا تتكرر في غيره.

ومن ذلك الاعتقاد التفكير في عنونته، والتي يعبر عنها بـ”التسمية” آنا، وبـ”الترجمة” آخر، وبـ”المعرفة” ثالثا، وبـ”الاشتهار” رابعا، فحاز بذلك من العناية بالتسمية، التي يحظى بها المولود من البشر، واستُعيرت له صيغ التسمية المختلفة، التي تستعمل له، فكان حرص المصنفين في عنواناتهم لمصنفاتهم يوازي حرص الآباء في تسمية أبنائهم.

واقترن بالعنوان في إخراج المولود إلى الوجود، وجعله بين أيدي الراغبين، وإمتاع القارئين، فعُقدت لذلك الحفلات، واقيمت الولائم على غرار ما يقام للمواليد من عقيقات، تصحبها المغالاة في الاستعداد، يصحبها البدخ في الشرب والأكل،  والتحلي بألوان الزينة المختلفة، والتنغيم بأنواع الطرب. وقد تفنن العقل الحديث في تسميتها ب”حفلات التوقيع”.

وتلقى المصنفون التهاني على كتبهم المخرجة الجديدة، وأُرسلت لهم التباريك، وتخصص الأدباء في إنتاج نوع خاص لذلك، يندرج ضمن فن التهاني، سموه ب”التقاريظ”، وجاء شعرا ونثرا، واحتفوا به احتفاء خاصا، وأوردوه مرتبطا بذكر الكتاب، إما إشارات، وإما نصوصا، وتباهوا به في المجالس، وعدوه لونا من ألوان الثقافة الأدبية.

وما التجليد الخارجي، والتذهيب الكتابي على الغلاف، الا انتحاء في هذا المنحى البشري، بما يعنيه الجلد الخارجي في الكائن البشري، والتحلي بالحلي الذهبية أو المذهبة.

وبالمقابل فإنه يمكن اعتبار الكتب غير التامة لونا من ألوان السقط في المواليد، أو الخدج، إن عُدمت، وإن بقي ذلك المنجز منها، وصاحبوا استعراض الحديث عنها بالكثير من التأسف، ومزجوه بخالص المرارة.

وفي حال عُدم الكتاب، إما بصورة إرادية من طرف المؤلف، أو من طرف غيره؛ أو بصورة غير إرادية، عن طريق الخطأ البشري، أو لظرف من الظروف، يفضي إلى ضياع الكتاب، وانعدامه من الوجود، تستتبعه عبارات الحزن والأسى بما لا يختلف كثيرا عما يُودَّع به الميت من بني البشر.

وقد تتطلب، هذه المقايسة بين الكتاب والكائن الآدمي، تعمقا فلسفيا وجوديا على المستويين الأنثروبولوجي والثقافي.

كانت هذه ملامح اعتقاد الإنسان في هذا الكائن الورقي ـ الكتاب ـ اعتقادا وجوديا، يكاد يسويه مع الكائن الآدمي في التعامل، وإن كان يفضل عنه من ناحية الاستمرار والتخليد.

2ـ من حضور الكتاب بالرباط:

لا يمكن ان نبخس من أهمية معرض الكتاب بالرباط، ومن كل معرض للكتاب، أينما كان، وفي أي زمن عُقد، فننظر إليه على أنه سوق تجاري للكتاب، أو حركة ثقافية، يُسعى من خلالها إلى تقريب المنتوج الثقافي، وجعله تحت أيدي القراء، وتوفير مشقة البحث عنه، وإبطال أعذار عدم التوفر، وكما يُروٌَج له في الغالب، وإنما ينبغي ألا نستثني هذا البعد الوجودي، الذي تحدثنا عنه، ففي كل معرض هناك احتفاء واستقبال وترحيب وعناية خاصة، وتعهد مستدام طيلة فترة المعرض، وتعيين مكان خاص له، والتفاني في إعداد هندسته وتأثيثه وتزيينه وتبهيجه، بجعل العارضين، أو الزوار، واللجان الساهرة على حسن التسيير والتدبير، بما يقطعونه من مسافات، وما يقدمونه من خدمات، وما يبذلونه من جهد، وما ينفقونه من أموال، في خدمة الكتاب.

ويكاد المرء لا يخطئ حينما يعتبر المسألة حفلا خاصا، يُقام للكتاب بما يشبه العرس، أو أي وليمة من الولائم، تُعقد لمناسبة من المناسبات.

ولا يكاد المرء يخطئ القول في نظرته هاته للكتاب بنزوع وجودي، حينما يستحضر اصطلاحات مكانية، ترافق المعرض، فيتم الحديث عن الدار ـ بالنسبة للناشر ـ والدار والبيت بالنسبة لبعض الجمعيات ـ دار الشعر وبيت الشعر ـ والجناح والرواق والفضاء والتجمع بالنسبة لأمكنة العرض.
والشان نفسه يمكن أن يُقال عن المراسيم المتبعة في كل معرض ـ كحفل افتتاح يوم 17 أبريل، والذي حضرته الشخصيات العليا في البلاد والجهات الرسمية ـ وما يستلزمه من عناية وحضور وفود رسمية وازنة، وتغطية إعلامية واسعة. وبالمثل يُعتنى بضيف شرف المعرض ـ الشارقة ـ والاحتفاء الخاص الذي يُقابل به، والتميز الذي يُخصص له على مستوى الموقع والمساحة، وتهيئة الفضاء، وتوجيه اهتمام الزوار.

إن زيارتي للمعرض جعلتني أرى أسماء أعلام ـ مصنفين ومترجمين ومؤلفين ومنسقين وجامعين ومحققين ومقدمين وناشرين ـ ترص على أغلفة الكتب، وربما راودتني المشابهة بين صورة رصها على الغلاف وبين صورة كتابتها ونحتها على شاهد القبر. غير أن الفارق بين المشهدين متعدد، ويسمح بإيحاءات كثيرة، فقد ترى الاسم نفسه على أغلفة كثيرة، من العنوان الواحد، وعلى العناوين المختلفة، وهي مرصوصة، بعضها إلى جانب بعض، وهي مصففة، واحد خلف الآخر. وبإمكان الزائر أن يقتني النسخة، ويحملها معه حيثما شاء، وتؤنسه أينما حل وارتحل، فتكون رفيقته المؤنسة، وبإمكانه أن يعدد مقتنياته من النسخة، ومن العناوين للكاتب الواحد، وليس بمقدوره أن يفعل ذلك مع المصنِّف ذي الوجود المادي، حيا ولا ميتا، فالكتاب يسمح بالوجود المتعدد، وبالوجود خارج الزمن الفعلي، وخارج الأمكنة الواقعية، اللذين شهدا حياة المصنف الأصلي، كما يسمح بالعشرة المتعددة لقراء كثيرين، ويسمح لكل منهم بأن يبني صورة لعلاقه خاصة مع المصنف، قد لا تكون هي نفسها مع غيره.

لقد رأيت الكتاب يجدد وجوده، ووجود صاحبه، بتجدد غلافه، وطريقة طباعته وعرضه وحجمه، وربما بالمسهمين فيه من غير المؤلف الأصلي ـ ناشرا ومقدما ومحققا وشارحا ومعلقا ـ فيتجدد وفق تغير الزمان والمكان، وحسب غايات القراء، ورغبات المطلعين.

وحدث ان صادفت بالمعرض مؤلفين، مغاربة وغيرهم، عرب وأجانب، ممن أعرف، وممن لا أعرف، فكانت مناسبة للتعرف عليهم، ممن تُعرض كتبهم أو من الزائرين، غير أن الفئة التي أثارتني اكثر، هي تلك التي تُعرض كتبها، وكانوا يجلسون في الرواق الذي يعرض لهم، مجلس توقيع للكتاب أو مجلس مجانبة، يتفرج على الحركة، وينظر من زاوية مراقِبة للإقبال على كتابه، أو كتبه، وكيفية التعامل معها. ولأشد ما أثارني ذلك الإحساس المتميز، الذي ينبع من عيونهم، وهم يتابعون نسخة من كتابهم، وقد استحوذت عليها يدي قارئ ـ تقريبا واطلاعا، ومساومة ومشاكسة، وحملا واحتضانا واعتناقا، ورأيت بالقدر الذي يتعامل به المتبضع بتلك النزعة الوجودية مع ما يقتنيه، وأحس وكانه يتعامل مع كائن، إن لم يكن حيا، فإنه يفيض حياة و حيوية وحركة.. يحس بذلك أول ما يأخذه بين يديه، وكلما سكن قليلا فيهما، كلما زاد إحساسه وتقوى بقدر أكبر.

من ذلك الذي يصدر عن المؤلف، وكأنه يرى وليده يغادره، ولكن بين يدين حنتا عليه، وتحت عينين رحمتاه، وإلى صدر أحبه، وقلب اهتز له، وعقل سرى فيه دبيب عجيب بسبب ما فيه. إنها نظرة إيداع واطمئنان ووداع، لا يهتم اين سيكون، ولكنه متأكد أنه سيعرق ويورق ويعرش، وسيكون مجاورا ومحاورا، مسايرا ومعاكسا، منبها ومثيرا، معيدا ومبديا، مشعا ولماعا، متوهجا ومبرقا، مقرا ومربكا، محلا ومشبكا، مخلصا ومورطا.

وكان المعرض مناسبه لحضور الناشرين، بلديين ومن خارج البلد، وان لم يحضروا بذواتهم، فقد حضروا بأسماء دورهم وشركاتهم، ومن يمثلونهم، وينوبون عنهم. فكانوا أطيافا وفئات، تتفاوت بين من أحب ما يقدمه، ويعتني به وهو يسلمه إلى الراغب فيه، عناية من يود إسعاد عمله بالعيون التي تتملاه، والعقول التي ترتع منه، والأيادي التي تحضنه، والجلسات التي تضمه، والرفوف التي تتبناه، فلا يشاكس ولا يماكس، ولا يغلي ولا يعلي، ولا يهين ولا يُهوِّن، ولا يحلب يحلب ولا يعصر، وإنما يزيد تبرعا ببسمته، وحسن قوله، ورقيق لطفه، وجميل تعامله، وبعضا من معلوماته عن الكتاب وصاحبه، وغيره من كتبه، وعن كتب أخرى تلتقي معه في زوايا عديدة، أو زاوية فريدة، وتتفاوت هذه الفئة مع من يتاجر فيما يقدمه، وقد كساه ألوانا وابتراقا وصورا، فلا تدخل رواقه إلا وقد أحسست بأنه لا يفرق عن محل لعب الأطفال، أو محل إكسسوارات، فتراه يرتقب ما تخرجه يدك، ويغادر جيبك، ليستقر رقما في آلته، وعمولة في كيسه.

ولقد رأيت من الفئة الأولى دارا مغربية، أخجلني صاحبها بحيائه، وألطفني بحسن تعامله، وبهرني بمعروضه، وإيمانه بالجهة التي أنبتته، وبحبه لها، فكان حريصا أن يواكب كل ما يهتم بمدينة مراكش، وان يسهر على إخراجه، فأصدر سلسلة, سماها “مراكشيات”, طبع فيها عشرات العناوين، وعشرات غيرها مما يمت إلى المدينة بصلة من الصلات. وكان الرجل صاحب مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال.

ومن الفئة نفسها رأيت صاحبة دار صوفيا الدكتوره رزان من الكويت، ووقفت على مدى حبها لما تقدمه من أعمال، وتدقيقها في كل تفاصيلها، بدءا من صاحبها، وموضوعه وزاوية تناوله، وطريقة تصفيف الكتاب، وتصميم الغلاف،  مرورا عبر تحديد قيمته المادية، ووصولا إلى استحضار القارئ المهتم، وكيفية التجاوب معه، وما يلبيه له من طلبات. وكاد رواقها يكون فارغا لمشاكل في وصول الشحنة المخصصة للمعرض، وهي تحمل جديد هذه السنة، ولولا الالتجاء لمخلفات معرض السنة الماضية، ما وجدت ما تسد به فراغ الرواق. وهذه نقطة تستحق التنبه مستقبلا من طرف المنظمين.

ورأيت في معرض الكتاب بالرباط كتبا تغادر في أكياس وحاويات، كان لأصحابها تعبير في اختيارها، ولم يخل هذا الاختيار من لمسة وجودية، وحس حياتي. فمنهم من اعتنى بذلك أيما اعتناء، ففكر فيما يسلم فيه وليده، فحضّر لذلك ما برع في تصميمه، وكتابة اسمه عليه، وتأنق في اقتنائه، فكان يحمل مسحة من الجمال، وصبغة من الرقي. وهناك من لم يبد أدنى عناية، فكان يضع الكتاب في كيس، أكثر ما يقال عنه أنه يساعد على الحمل، ويحمي من السقوط. وفئة رابعة أهانت الكتاب، وحمّلته في أكياس، تصلح لبائع البطاطس، أقل ما يقال عنها أنها أساءت للكتاب وللمعرض ولمعرض في الرباط. فهل يلزم أن يُضاف لدفتر التحملات شرط خاص بأكياس التلفيف والتسليم.

كان الكتاب ضيفا على معرض الرباط، وكنت ضيفا عليهما، ولو اتسع المجال، لضم هذا المقال كثيرا من شجون الزيارة، أثارها الثلاثي: كتابا ومعرضا ورباطا. وحُق للكتاب أن يفخر بالمعرض، المقام له بالرباط، عناية وتنظيما، وحُق للمغرب أن يفخر بمدينته الرباط، وبالمستوى الذي تبدو به: نظافة وخضرة وجمالا وتحضرا، فهنيئا لنا ـ زائرين وعارضين ومنظمين ـ وإلى سنة قابلة مع 2026

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

والدتي – حبيبة زوكي

بورتريه حبيبة زوكي*   والدتي امرأة مربوعة القد، لها من الجمال الروحي والجسدي ما يجعلها …

اترك تعليقاً