ظاهرة السواد في رواية سيليا لعبد الوهاب حداشي
سليمان محمود*
مقدمة
لطالما أزعجتني سلوكاتٌ عنصريةٌ كثيرةٌ، سواءٌ في محيطي الاجتماعيِّ الصغير الذي ولِدتُ فيه، ونشأتُ بين أفكاره المتوارثة، وترعرعتُ بين إقصائيَّته للمختلف؛ أيّاً كان نوع الاختلاف، أم في محيطي الوطني، من خلال ما ألحظه، أو أقرأ عنه، أو أعيشُه من مواقفَ تُظهر -بجلاءٍ لا يمكن إنكارُه- مدى تجذر نظرتنا الاجتماعية الإقصائية والاحتقارية لكل المختلِفين. وقد عبرتُ، في ذات مقالة رأي، عن أن العقليةَ القَبَليةَ، والعنصريةَ العِرقيةَ، والمبنيةَ على التمييز بين أبناء البلد، على أساس اللون والعِرق، من بين معيقات التنمية في مدينتنا خاصةً، وكافة جهتنا -درعة تافيلالت- عامة. ونعتتُ ذلك بكونه أمراضاً موبوءةً أصابت عقليَّتَنا.
إن هذه العقلية التي تحكم نظرتنا للحياة، وللآخر، ليست حكراً على الجنوب الشرقي للمغرب وحدَه، بل أكاد أجزم أنها بنية نسقية في كل ربوع وطننا، وإن كانت أقل حِدَّةً كلما اتجهنا صوب المدن الكبرى من البلاد، مبتعدين عن “الهامش” الذي تنهشه ظروفٌ ملائمةٌ لنمو تلك السلوكات العنصرية، أو محافظةٌ على بقائها، وحاضنةٌ لها، في أسوأ الأحوال.
إن موضوع التمييز العنصري، أياً كان شكله ومنطلقاته، وخلفياته الثقافية، يطرح الكثير من الإشكالات، بما فيها إشكالُ العِرق، ورمزيةِ اللون، وظاهرة السواد التي وضعها أستاذ الفلسفة، الكاتبُ التنغيريُّ الشابُّ، عبد الوهاب حداشي، تحت محك المساءلة، في باكورة أعماله الإبداعية، رواية “سيليا”، الصادرة عن دار الأمان بالرباط، في طبعتها الأولى سنة 2024.
وسأحاول في هذه الورقة التحليلية تقديم تكثيف موجز لمتن الرواية، والإجابة على عدة أسئلة دفعتني لاختيارها لمقاربة موضوع التمييز العنصري، من قبيل: كيف شرَّح الكاتب ظاهرة السواد؟ وإلى ما يُعزى التفوقُ الحاصلُ للون الأبيض على حساب الأسود، عبر تاريخ البشرية؟ هل هو ناتجٌ عن حادثة طبيعية، أم تُراها لعنة صنعتها إيديولوجية معينة؟ ولماذا؟ وكيف صنع “الأبيض” مصطلحاتٍ إقصائيةً تضمن تكريس التفوق بما تحمله تلك المصطلحات من دلالات وأبعاد رمزية؟ وكيف فقدت أخرى معانيها الطبيعية، وانحرفت لخدمة اعتقاد الأبيض بالتفوق؟ وهل أسعفت اللغة والأسلوب الكاتب لتعريةَ هذا كلِّه؟ وهل هناك أنساق مضمرة، غير العنصرية، كشفت عنها الرواية، بوعي الكاتب، أو بدونه؟

متن الرواية
تروي الروايةُ حكايةَ أستاذٍ جامعيٍّ يكتوي بنار العشقِ، ويتقَلَّبُ على جمرِ الفَقْدِ والفراقِ، غيرِ قادرٍ على تحمُّل شَطَطِ الحبِّ وقسوتِه؛ فقرَّرَ، بعدما صفعَته أمُّه القاسيةُ بخطاب مُحتقِرٍ له، متشبِّعٍ بتعصُّب العادات، وجمودِ التقاليدِ، أن يهرُبَ من هذا المحيطِ الموبوءِ بالألمِ والقهرِ، وجفاءِ الحسِّ، بعد أنْ دعَّمَتْ فكرتَه النادلةُ “يْطُّو”، متوجِّهاً إلى فندق “العمِّ محمد” الذي دلَّه عليه صديقُه، المرشدُ السياحيُّ الطَّيِّبُ “عزيزٌ”، وهناكَ نزل في غرفةٍ أنيقةٍ خاصةٍ في سطح الفندق الذي يدبِّرُ شؤونَه النادلُ الوسيمُ “يوسفُ”، خريجُ الدراسات الانجليزيةِ، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير حيثُ يدَرِّسُ البطلُ.
وغير بعيد من هذا الفندق، تسكُنُ “سيليا[1] ملال[2]” التي تعمل في “حانوتٍ” للمواد الغذائية، وهي الطالبةُ المتميزةُ التي لم تُسعِفها ظروف الحياة القاسيةِ في مناطق الهامش المغربي لتكون خريجةَ علم الاجتماع الذي كانت تدرسُه في جامعة ابن زهرٍ بأكادير، وذلك بسبب تزويج أمها لها بابن عمتها الذي طلَّقها، وترك معها طفلاً اخترتْ لها الأمُّ اسمَ “عبد الله”، تيمُّناً بزوجِها الراحلِ.
تعرَّفَ عليها الضيفُ الجديدُ الذي حلَّ بتاملالْت[3]، الأستاذُ “أمينٌ”، بطلُ الرواية وساردُ أحداثها، فنسجا علاقةً وطيدةً بينهما، لما يجمعهما من ذكريات أليمةٍ تعجُّ بها ذاكرتهما، فوجدا نفسيْهما أُنساً لبعضهما، وعزاءً لانكساراتهما، وتفريغاً لبعض المأساةِ السيزيفيةِ التي يعيشُها الناسُّ مع العشقِ، وربما اتخذ البطلُ سيليا حاضنةَ الأشباح العالقةِ في ذاكرته، تنفيذاً لوصية معالجه النفسيِّ، الدكتورِ “حمزةَ” الذي نصحه باتخاذ صديقٍ يبوح له بمكنونات نفسه، أو تفريغها في عذرية الأوراق كتابةً، وهو ما كان يفعله أمين طيلة تواجده في تاملالْت التي هرَب إليها لترتيب فوضاه العاطفية، وترميم ما أصاب نفسَه من تصدُّعات، بعدما جعله حبُّه الأفلاطونيُّ لطالبتِه “هُيام” يتيمَ القلبِ، عندما تخلَّت عنه، بعد اثنيْ عشرَ شهراً من العشق، والتخطيط لأسرتهما التي ستكون بذرة حبهما. وقد تخلَّت عنه تحت ضغط حارس معبد العادات والتقاليد، والدِها الأستاذ “حميد أَسْنُوسْ[4]” ووالدتها المنتصرَيْن لما وجدا عليه الآباء، وللعادةِ التي ترفض رفضاً قاطعاً زواج رجل أسود بامرأة بيضاءَ، إذ إن ذلك وصمةُ عارٍ ما بعدَه عارٌ في جبين الأسرةِ كلِّها، ستُعابُ عليه لأجيالٍ.
قضى أمينٌ أياماً في فندق العم محمد، وتعرَّف خلالها على سائحة إسبانية اسمها “جورجينيا ديفيز” التي قضى معها ليلة جنسية عابرةً جعلها مأخوذةً بقضيبه الأسودِ الهائجِ، فظلَّا يتراسلان عبر الواتساب، بعد عودتها لديارها، كما عرف الكثير عن قصة سيليا، وما تبقى من أسرتها الصغيرة (جدتها، ووالدتها، وابنها عبد الله)، كما حكى لها قصة صديقته المهندسة “ملاك شريف” التي عانت مثل ما عاناه مع هُيامٍ، وقاست ما قاساه، وحدثها كذلك عن صديقته “ليليا” مع عشيقها “طارق”.
ويبدو أن الرواية من أول سطر منها، إلى آخره، قد كُتِبَت بدموع هذا البطل المأساويِّ أمين الذي كاد يستعيد عافيتَه بعدما أحس بأن قلبَه يعشقُ سيليا، وبعدما قبَّلَته أخيراً في يوم جنازة طليقها، قبل دفنِه، إذ بعدما قرأ عليها آخر رسالة وداعٍ أرسلها عبر الواتساب لحبيبته التي غدرت قلبَه، والتي دبَّجَ كلماتها بعنايةٍ فائقة، وألقاها على سيليا من فوق جُبَيْلٍ صعدَ قمته، انزلقت رجله بينما يريد التقاط صورة تذكارية يودع بها ماضيه، ولعلَّه استعاد بعض الأمل في سيليا التي اعترفتْ بأنها ترجو من الحياة أن تمنحها موتاً رحيماً بين أحضانه[5]، فسقط من أعلى الصخرة، يائساً من النجاة، مبتسماً في وجه سادية الحياة ابتسامةَ الهزيمة، ثم انطفأَ[6].
نسقُ العنصريةِ في الروايةِ
إن الساردَ في الرواية هو البطلُ نفسُه، إذ إنه يحكي الأحداث المليئة بالانكسار بضمير المتكلم المفردِ، وربما كانت هذه الروايةُ هي ما كان يبوح به للورقة في غرفته، في فندق العم محمد. لقد سقط من أعلى الصخرة، لأنه اختار أن يحب من ليست من صِنفِه. وقد دُوِّنت حكاياته من دمائه التي صبَغت هدوء تاملالت ببوح مؤلم، وبالدموع الحارة الكثيرة التي ذرفها على طول الرواية.
ولقد انفتح جرحُه انفتاحاً شارخاً، فبرزت سلطةُ الأستاذ الجامعيِّ في مدرَّجِه في الجامعة، يحاضِرُ الطلابَ، لكنه في الرواية يحاضر سيليا، في تاريخ التمييز بين الأبيض والأسود، وكيف كانت منطلقاته في البدء دينيةً، حيث رُبِط السوادُ بالظلمة، والشر، والمكائد، والخبث، والاتساخ، والخيانة، والوحشية، والقتل، وغيرها من الدلالات التي ترسخت في رمزية السواد، فتولَّد في لاشعور الإنسان -مع الزمن- كرهُه، ونبذُه، والرغبةُ في السيطرةِ عليه، والتحكمِ فيه، ثم إن الإنسانَ الأسودَ قويُّ البنية، يصلح في أعمال السُّخرة، وكل ما هو شاق.
هكذا أدخل حضرةُ الأستاذِ ظاهرةَ السواد إلى مختبر المساءلة، يطرح الأسباب، ويفسرها، ثم يحللها ويفككها، ليستنتج استنتاجات، بمنهج استقرائي، ولغة وصفية أكاديمية، يستحضر فيها الشواهد، ويحيل إلى فلاسفة ومفكرين. فتلبَّسَه كرسيُّ المدرج الجامعي، ونسيَ معه الكاتبُ أن اللغة العلمية التقريريةَ قد تسلطت على لغة السرد، بدءاً من الصفحة 124 من الروايةِ، فأرجعَ تلك الظاهرةَ إلى مجموعة من الأسبابِ، ربط اثنيْن بتنغير، وآخريْن بالظاهرة عموماً، مبرزاً علاقتها بالعبودية عبر التاريخ. ويمكن لنا جمعُ تلك الأسباب في ثلاثة؛ فأما السببُ الأولُ، فهي فكرة اعتبرها المؤلفُ، على لسان ساردِه أمين، ساذجةً، عششت في المِخيال الجمعي، «حتى صارت عقيدةً (Doxa)، وهي الاعتقاد بالتفوق العرقي على باقي الأعراق»[7]، حيث يعتقد الإنسان الأبيضُ أفضليَّتَه على من سواه، فيأتي الأسودُ -بالضرورة- في درجة أقَلَّ منه، وفي منزلة العبدِ. يقول السارد: «نحن أمام جدليةِ العبد والسيد، وبالتالي الحرُّ الأول يتقلَّدُ مناصب المسؤولية، وأما الحر الثاني، فيتذيَّل أسفَل الهرمِ الاجتماعي، ويعمل في مهنٍ كالحدادة، والسكافة، فضلا عن اشتغاله داخل الضيعات، والأراضي الخاصة بشيوخ القبائل وأعيانها، وأصحاب الزوايا»[8]. وفي هذا السياق، يحاول الكاتبُ، عبر بطل روايتِه، تفسير بعض المصطلحات والنعوتِ العنصريةِ الرائجة في منطقة تنغير، على غرار باقي مناطق الجنوب الشرقي المغربي، المجموعة إدارياً في جهة درعة تافيلالت، من قبيل “أحرْطَانْ”، وجمعها “إِحْرْطَانْ” بنُطْقِ أهل تودْغى، و”أحرْضَان” (إحْرضَانْ) كما ينطقها باقي الأمازيغ، التي يُؤْولها تأويليْن: أحدهما أنها من “الحرَّاثين”، نظراً لمهن الشقاء التي يزاولونها، وخاصة حرث الأرض، والآخر أنها تعني الأسود المائل إلى السمرة.
وقد ظهرت، في مدينة تنغيرَ، في الآونة الأخيرة بعضُ المؤسسات الجمعوية التي تسعى لمحاربة مصطلح “أمازيغ” الذي تعتبره إقصائياً، إذ يُستعمَل مقابلاً لأحرطانْ، لدى عامة الناس في تلك المناطق[9].
وبيَّنَ ساردُ أحداثِ الرواية أثر النصوص الدينية، سواء في التراث العبري/اليهودي، في العهد القديم، أم العربي/الإسلامي، في تعميق هذا التمييز المبنيِّ على اللون في اللاشعور الجمعيِّ؛ إذ السواد لعنةٌ من السماءِ أضفت الشرعيةَ على هذا التمييز، بل على الاستعباد في التاريخ. واستغرب أمينٌ، ومعه سيليا، من اللعنة التي نزلت على فردٍ ارتكب خطيئةً، كيف امتدت لأجيال، إذ ما ذنب الأولاد في خطيئة الآباء، حتى لو افترضنا أن تلك اللعنة عادلة، وحقيقيةٌ؟ وهو الأمرُ نفسُه الذي أشرتُ إليه في مقدمة هذا البحث بالحديث عن “إمْزْدَاغْ” مثلاً.
أما السبب الثاني الذي يفسِّر ظاهرة السواد، وما ينتج عنها من تمييز عنصري في المجتمع، فهو «مقولةُ التفوق الجنسي للسود على البيضِ»[10]، إذ تروج عبارات كثيرة بين الناس، ونسمعها هنا وهناك، من قبيل أن “دواء البرد هو جسد أنثى سوداء”، وأن السُّودَ فحولٌ جنسياً، وهو ما أكدته -بشكل مُضمَرٍ- العلاقة الجنسية العابرة التي جمعت البطل مع السائحة الإسبانية جورجينيا التي كتبت له ضمن ما كتبته في رسالتها له: «أحبك، ليس لأنك أوسمُ من رأيتُ، ولا ألسنُ من سمعتُ، ولا لأنك تجيد رقص الفلامينغو. لا، بل لأنني أحببتُك، وأقولها صراحة، ودونما خجلٍ (…)، من أجل عضوِك. نعم من أجل عضوك. شعرتُ وأنت ترخي سدولَك عليَّ، وتمتص رحيق نهديَّ، وتدك حصون عضوي، بأنوثة لم أشعر بمثلها من قبلُ، كأني قبلك لم أكن أنثى»[11]. وخوف الرجل الأبيض من السود، إنما هو خوف من انكشاف ضعفهم الجنسي، وقلة فحولتهم أمام فحولة الأسود التي تجعل الأنثى تشعر بأنوثة لم تشعر بها من قبل، كما يؤكد السارد[12] في تفسيره للظاهرة، معتبراً القوة الجنسيةَ امتداداً للقوة البدنيةِ. وقد أكدت له سيليا هذا الأمرَ، إذ أسرَّتْ له بسرِّها الخاص حول “فونتازمها”، فكشفت له إنَّ خيالاتِها الجنسيةَ تسرح في السواد، ومع الرجل الأسود. غير أن هذا المعطى يبقى رهيناً بالعلم، فهو وحده القادر على تأكيد صحته، أو بيان خوائه من الحقيقةِ، وإنما قدَّمها الكاتب على لسان سارده باعتبارها قراءات سوسيولوجية مقبولة، لظواهر متجذرة[13] في السلوك الاجتماعي، ويطبع علاقاته الاجتماعية.
وأرجع السبب الثالث إلى معطيات طبيعية/جغرافية؛ فدرجة التعرض للشمس هي المتحكمة في لون البشرة، فيخلق فروقاً ذلك في اللون كما في الثقافة، ولا علاقة لذلك بأي لعنة، أو دينٍ، أو غيرهما من الأكاذيب التي صنعها الإنسان، وصدقها.
ولم يفت الكاتبَ حدَّاشي أن يسائل أزمة عميقةً بلغ تجذُّرُها النخب المثقَّفةَ، وتمثل ذلك في مقاطعَ مبثوثةٍ في الرواية، سواءٌ تعلقت بقصة بطله أمين، أم بصديقته ملاكٍ التي عانت قسوة كالتي عانها، ومن ذلك حوارُه السريعُ مع حميد أسْنوسْ، والد معشوقته هيام، الذي جمعهما «بمقهىً تقوم عليه امرأةٌ سوداءُ مُنَهَّدةٌ»[14]، وهو شخصٌ اجتمعت فيه كل التناقضات التي أملتها عليه سلطة العادات؛ فهو رجلٌ مثقف، ويشتغل مدرِّساً للغة العربية، وأيُّ علمٍ ومعرفة وثقافة سيكرِّسُها رجلٌ غارقٌ في كراهية الإنسانِ بسبب لونه في الأجيال التي يُدرِّسُها، ويعلِّمها أدبيات احترام الاختلاف، ويربيها على القيم النبيلة التي يُعدُّ الحبُّ من أسماها، وهو الذي توعَّدَ ابنته بأنه سيرمي نفسَه من النافذةِ إنْ لم تعد إلى رُشدِها، وتبحث لها عن رجلٍ من صنفها؛ ويكون أيَّا كان، ما عدا أن يكون أسودَ اللون؟
لقد استأصل رجل تربية وتعليمٍ، وحقوقيٌّ نشيطٌ، وفاعل سياسيٌّ في حزب يساريٍّ، حباً صادقاً وخالصاً من قلبيْن عاشقيْن انتصاراً للعادة، وخذلاناً للمنطق والعقل والإنسانية. ولم تسلم ملاكٌ أيضاً من كل هذه القسوة، حيث اتصل أبوها بحبيبها، وهو مهندسُ مرموقٌ، لكنَّ حظَّه العاثر أوقعه في حب جنونيٍّ لتلك الفتاة البيضاء، المنحدرة من “عائلة شريفةٍ”، غير أن كونَها مهندسةً لها ثقلُها في شركة كبيرة في مراكش، مستقلةً بذاتها، لم يشفع لها من التهديد والوعيد، بل والتعذيب الذي تعرَّضت له بألوان شتّى، من ضرب وسلخ، فضلاً عن كل أشكال السب والقذف الذي نالته من أبيها وأمها، بل إن والدها اتصل بحبيبها مهددا إياه إن لم يبتعد عن ابنته، حاطاً من قيمته بقوله: «هل تريد أن تغيِّرَ نسلكَ بابنتي أيها الأسودُ؟»، «نحن لا نتزوج من السودِ»[15].
وقد سعَت الأخت الصغرى لهيام إقناع أختها بالعدول عن فكرة الارتباط بأمين، لما أسرَّت لها بحبها له، قبل أن تفاتح والديْها في الموضوع، وهي الطالبة في شعبة الدراسات الإسلامية، محتجةً بنصوص قرآنيةـ تلوي عُنُقَها كما تشاء، وتؤولُها بما يخدم ما استشربَه «الأبناء من ثقافة والديهم بعمىً فاضحٍ، وكأنهم أبواق لهم، في اللحظة التي ينبغي أن يأخذوا هم المشعل لتغيير العقليات»[16].
لقد حمل بطل الروايةِ مِعوَلَ النبيِّ إبراهيم ليهدم به أصنام العادات والتقاليد المتوارثة، لكنه انطفأ دون أن ينال ما يريدُ، ليعلنَ الكاتبُ بهذه المأساوية أن من يفكِّر في المساس بهذا الجمود، ستنزلق رجله من فوق جمودها، وهي تلوِّح بيد النشوة، فتسقط وتنطفئَ، كما حصل لأمين.
خاتمة
زبدة القول، إن الكاتبَ التنغيريَّ عبد الوهاب حداشي، على ما يبدو من كل ما سبق، ومن قراءتي الفاحصة لروايته “سيليا”، قد كان مُثقلاً بكثيرٍ من القضايا الاجتماعية، وتأثيراتها النفسية، وأثرها في تجريد الإنسان من كل ما يجعله إنساناً، فلم تكن لديه قصةٌ ليحكيها، بل كان لديه موضوعٌ يريد توضيحَه، وموقفٌ يودُّ بيانَه، وتلك من سمات المبدعِ الجاد[17]، فاختار لغة السردِ ليفعل ذلك، لما تمنحه للكاتب من حرية في الإبداع والتخييل، واصطفى أستاذاً جامعياً ثقيلاً بأبحاثه الأكاديمية، مهيباً بمصاحبته لعلامات الاستفهام، ليكون بطلَ روايته، وليُجريَ الأحداث على لسانه، فيحكي لنا حضرةُ أمين مأساة قلبه، وبؤس قَدَرِه، إذ تسري فيه روح كيوبيد الجريحة بالسهم الذي قذف به نفسه، فقد اختار قلبُه من لا يحق له -باسم العادة المقدسة- أن يُحبَّها، ولونُه ليس كلونها، فساءل الكاتب -عبر هذه القصة- ظاهرة السواد، وإشكالية التمييز العرقي المبني على اللون، وأحرج المدرسة المغربية التي تضم بين أسوارها مثقفين يقدمون أرواحهم فداءً لجفاء بعض العادات والتقاليد الكارهة للقيم الإنسانية، والمحتقرة للإنسان لاختلافٍ يُميَّزُه.
إنه موضوع ثقيل، يجر وراءه آلاف السنين من تشكيل معقدٍ لصورة رمزية تضع الأبيض فوق الأسود، وتراهما نقيضان، وتجعلهما في علاقة صراع ينبغي أن يبقى فيه الأبيض متربعاً عرش الاحتقار. وهو تعقيدٌ فرض على الكاتب إدراجَ فقراتٍ، وأحياناً صفحات، مدبَّجَةِ بلغة علمية صارمة، ومتوسِّلةٍ بأساليبِ الحجاج والاستدلال المنطقييْن، ومبنيةٍ بناءً منهجياً متدرجاً في طرح الأفكار، ومعالجة القضايا، وتحليل الاستشهادات، فيجنح عن لغة الأدب، وأسلوب التخييل، واقعاً في جفاف اللغة التقريرية. وإذا كانت قصتا سيليا وملاك شريف موالمتان للخط العام لقصة البطل، فإن قصتيْ صديقه مصطفى مع الفتاة الخليجية السمينة، وليليا وطارق، لا تقدمان، على ما يتضح، أي إضافة فنية، أو دلالية في الرواية، ما عدا أنها تكشفُ المزيد عن شخصية البطل المرهفةِ حسُّها، والرقيقةِ مشاعرُها، والسيَّالةِ دموعُها، والهشةِ عواطفُها، رغم قوة منطقِها، وعلوِّ كعبِ علمِها.
ويبدو أن الكاتبَ قد انطلق من استيعابٍ دقيقٍ وعميقٍ بظاهرة السواد، وما تطرحه من إشكالات اجتماعيةٍ، وما تخلقه من تصدعات نفسية، فاستعان بالأسطورة والرموز، إلى جانب ما تتيحه الرواية من إمكانيات فنية أخرى، لتصوير ذلك كلِّه، ونقد معاييبِ المجتمع الأسامْرِيِّ بشكل عام، والتنغيريِّ خاصة، وإنْ كان النقد موجهاً لمناطقَ كثيرةٍ من المجتمع المغربي بشكل أعمَّ، رغم أن انهزام بطل الرواية أمام ذلك الواقع جعل حداشي يبدو كالمستسلمِ أمام تلك البنية الاجتماعية المعقدةِ، وكأنه اكتفى بتشخيص المشكل الكائن، وسعى لمحاولة فهمه وتعريَّتِه، وفضحِ سوأتِه، دون أن ينتصر للممكن.
باحث مهتم بالنقد الثقافي من المغرب
[1]. «هو اسم أمازيغيٌّ يعني الأنثى الطافحة بالجمال، أو الفاتنة» (رواية سيليا، ص.42)، ورغم شهرته لدى الأمازيغ، إلا أن أصل الاسم يطرح نقاشاً، إذ هناك من يرى أنه اسم لاتيني، يدل على “الجنةِ”، ومن يعتبره اسماً رومانياً، إذ إنه (Celia) مذكر “سيليوز” (Caelius)، وهو اسم عائلة رومانية عريقة. ويُعَدُّ من الأسماء المشهورة في العالم، وتحمله الكثير من الشخصيات المشهورة، في عالم الفن والأدب.
[2]. “ملال” هو الاسم العائليُّ لسيليا في الرواية، وهو من الكنى المشهورة لإحدى أعرق العائلات في منطقة تاملالت، في إقليم تنغير، وهي نفسُها كُنية صاحب لوحة غلاف الرواية، الفنان التشكيلي والموسيقي والشاعر، الأستاذ “محمد ملال”.
[3]. “تامْلَالْتْ”، مؤنث “أمْلَالْ”، وهي أنثى الوعل، وهي حيواناتٌ بريةٌ تميل للابتعاد عن البشرِ، لذلك تعيش في قمم الجبال. و«يقال إن الأوائل قد وجدوا في تاملالت سرباً من الغزالات، ومنها أخذ المكان اسمه» (رواية سيليا، ص.42).
[4]. أسْنُوسْ Asnus: في اللغة الأمازيغية هو صغير الحمار. وربما أراد الكاتب، باختيار هذا الاسم كُنيةً لهذه الشخصية، أن ينتقص منها، ويحتقرَها، بسبب موقفها المناصر للعنصرية، والمدافع عن العادات والتقاليد، رغم أنه من المفروض أن يكون في صف الإنسانية، نظراً لكونه أستاذا للغة العربية، ومناضلا في حزب سياسي يساريٍّ، فضلاً عن كونه حقوقياً. غير أن “أسنوسْ” لا تدل على أي صفة احتقارية، إذ جرت العادة، لدى أمازيغ الجنوب الشرقي على الأقل، أن يُدعى بها الأطفال تدللاً وتلطُّفاً، لكون صغير الحمار رمزاً للَّطافة.
[5]. عبد الوهاب حداشي، سيليا (رواية)، الرباط-المغرب، دار الأمان، ط.1، 2024،ص.149.
[6]. المرجعُ نفسُه، ص.160.
[7]. المرجعُ نفسُه، ص.125.
[8]. المرجعُ نفسُه، ص.127.
[9]. “أمازيغْ” يعني الحرُّ. وفي لحظة من التاريخ، ظهرت العبودية، وارتبطتْ باستعباد السودِ، فبدا مصطلح “الحر” (أمازيغ) وكأنه نقيض لمن بشرتهم سواد، في حين أنه في الحقيقة نقيض للعبودية. لكن عامة الناس صعُب عليه الانتباه لهذا التمييز بين “أمازيغ” و”عبد”، فتولَّد هذا الفهم الخاطئُ.
[10]. عبد الوهاب حداشي، سيليا (رواية)، الرباط-المغرب، دار الأمان، ط.1، 2024، ص.133.
[11]. المرجع نفسُه، ص.88.
[12]. جاء في رواية سيليا: «والبيض يرفضون إعطاء نسائهم للسود مخافةَ الظهور أقلَّ فحولة منهم» (ص.133).
[13]. المرجع نفسُه، ص.134.
[14]. المرجع نفسُه، ص.119.
[15]. المرجع نفسُه، ص.124.
[16]. المرجع نفسُه، ص.156-157، بتصرف.
[17]. من كتاب “الأسطورة والأدب”، وهو دراسات نقدية لخمسة عشر ناقداً، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، نقلا عن سناء شعلان، الأسطورة في روايات نجيب محفوظ، قطر، نادي الجسرة الثقافي والاجتماعي، ط.1، 2006، ص.49.
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
