كوكب كلاوديو من معلقة تارودانت

عبد الله الطني *
مفهومنا اليوم ليس مفهوما مستقرا في وطن ثابت في خريطة طوبوثقافية محددة، ولا تحده لغة بعينها: إنه مفهوم “ترحال الإبداع” ؛ باعتباره لغة عالمية عابرة للقارات، والحدود، واللغات، والجنسيات، والأديان، والأمكنة والأزمنة، لاسيما حينما يصبح حاملا لقيم الإنسانية وجوهرها التراثي، رغم ميلاده في بيئة سوسيوثقافية محددة.
و من بين الأسماء التي تجسد هذا المفهوم نحدد في هذا السياق إسم المبدع والفنان التشكيلي الشيلي كلاوديو برافو (1936 _ 2011) ، الذي عاش بالمغرب حوالي 39 سنة، من 1976 إلى 2011. وترحاله حاملا مفاعيل ابداعه من إحدى المدن الكبرى بوطن ميلاده، تدعى كونثيبوسيوس إلى المغرب، مرورا بالعديد من العواصم والبلدان، حيث اختار عن سبق عشق وإصرار الإقامة النهائية، ومواصلة رحلته الإبداعية بأحضانه الدافئة، انطلاقا من طنجة العليا، حيث استهوته رائحة الذين علقوا بأريجها مثل: دولاكروا (1798 – 1863)، وهنري ماتيس (1869 – 1954)، وارنيست همنغواي (1899 – 1961) ، وجان جيني (1986 – 1910)، وبول بولز (1936 – 1999)، وغيرهم. ثم انتقل الى مراكش الحمراء، ليستقر أخيرا باحثا عن مزيد من ضوء المغرب ودفئه، بتارودانت، حيث بنى متحفه الباذخ، أو بالأحرى قصره الإبداعي على بعد ثمانين كيلومترات منها على سفح الأطلس الكبير، وبالذات ببلدة تامالوكت. وهو متحف زرته لأول مرة بتاريخ 3 دجنبر 2023، بعد زيارتي قبل بيوم من ذلك لمتحف شاعر الملحون الكبير الحاج عمر بوري رحمه الله، وكل ذلك جاء في سياق احتفاء منتدى الأدب لمبدعي الجنوب بديواني الموسوم، ب “معلقة تارودانت، ثلاثة عشر كوكبا من العشق وأكثر”. وكان كلاوديو برافو الكوكب الذي توجت به هذا كواكب هذا الديوان. وهي مرثية قرأتها على قبره، ولا تزال نسخة منها معلقة بجانب مثواه الأخير، تكريما لروحه الإبداعية الكونية المضمخة بعشق المغرب وسحر طبيعته.
ويسرني أن أخص بها مجلة المدارات الثقافية، وأهديها إلى الحاج البشير طبشيش سادن ثراته، وحارس أحلامه، وإلى الأستاذ نور الدين شماس الذي عرفني على كواكب تارودانت، وعلاماتها الفكرية والإبداعية، وإلى كل أعضاء منتدى الأدب لمبدعي الجنوب ورئيسه الدكتور المختار النواري…
مع توصية صادقة أرفعها لوزارة الثقافة، والمجتمعة الثقافي الروداني بضرورة إعطاء هذه المعلمة الفنية ما تستحقه من رعاية ودعم، باعتبارها تجمع بين التراث الفني الإنساني، والتراث الفني المغربي، وعلامة حية من علامات الترحال العاشق، بالمفهوم المحدد أعلاه.

كوكب كلاوديو من معلقة تارودانت
– إلى روح المبدع العاشق كلاوديو برافو – وسادن أحلامه الحاج محمد البشير طبشيش
إلَيْكَ وِسامُ رودانةَ، قالت هِنْدُ، أدخُلْ
وَانا أهُمُّ أطَلَّ السّادِنُ البَشيرُ يُشيرُ إلى سَفْحِ الْجبَل:
تمَهّلْ زِدْ لَكَ بايِعْ
لِمَنْ ماتَ عاشِقاً لِرودانةَ الْعَذْراء
لِوَشْمها وحِنّائها وَأسماءِ اللّهِ الحُسْنى بكَفّها ولونِ السّماوات
صَلِّ لروحه الشيماء الأصْفى منْ روحِ الْماء
لِعَاشِق رودانةَ بَحراً وبراً وأرضاً
وسماءً بقدرِ ما يَشاء
للشّيليِّ الهيمان بأنوار شُموسِها
بأقمارها ومراياها وألوانِ مواصفها
قلْتُ لَهُ قُمْ الآنَ يا روحَ الألوان
يا كْلاَودْيو، يا براڤو الهوى والظلال
يا حفيدَ الهنودِ الحُمْرِ المُلْهَمين
الرّاقصين مثل أطفالنا بِشُعّالةِ الْخَيْرِ وَالنّار
قل لي بربّك ياكْلاَوْديو الحالمُ بالأعالي
كيف قَهَرْتَ كُلَّ هذا العُباب السّراب
وحَوّمْتَ حول وادي آشَ وَغرناطةَ ابنِ طفيل
وتقَصّيْتَ خُطى ابنِ يقْظانَ اَلأَعْزَلِ إلاّ منْ ألْطافِ الغابةِ والأحْرَاش
وحليبِ الْغَزالةِ، وَحِكْمَةِ التعاقُبِ والفصول:
كيفَ كيف
عاندْتَ البحرين الى طنجة أوجينَ وَبولْ بُولْز
وأَنْصَتَّ مَلِياً لصهيلِ خيلِ ابْنِ زيّادَ الدّفينةِ قُلْتَ:
(هُنا كانَ ما كان)
ومررتَ بِهيرَقْلَ سُلطانِ المَغارةِ والعابرين العاشقين لِأَلغازها
ولمْ تَسْتَهْوِكَ الْمَوْجاتُ وَلاَ عرائسُ البَحْرِ الْحورياتُ
ولا مواقِعُ الشّمْسِ القديمة فيها
فَترجَّلتَ إلى مُرّاكُشَ الحمراءِ
محروسةِ توبْقالَ الْمَهيبِ؟
كيفْ انْفَلَتَّ من سِحْرِها،
كيف تخَطَّيْتَ السَّبْعَ رِجال،
وجِنِّياتِ يُوسُفَ بْنِ تاشفين،
وهالاتِ ابْنِ تومرت
وَتعَالَيْتَ تَعالَيْت حتّى تلَأْلَأْتَ تَجَلّيْت
وقُلْتَ (أَشْهَدُ أَلَّا أَعْلى ولا أبهى
مِنْ رودانةَ العاشقين
وبيْنَ أَحضانها ها هُنا هدَأْتَ اسْتَوَيْت)
فأعطتكَ الْأَناملَ السماويةَ الثّرّةَ الفائضة
ورعشةَ الأسماء والألوان
حتى دوَّنْتَ سيرتَهَا طيناً وطيباً
وماءً وظلاً وَوَشْماً وَحياة
ورَفَعْتَ لآياتها قُدّاسَك الأبديَّ
وأقْسَمْتَ إلى حَدِّ البُكاء
ألاّ تَموتَ إلاّ بخلوتها العليلةِ البليلة
وتُكْمِلَ نَبْضَكَ أحلامكَ تحت ثَرَاها
كما كنتَ تَحْلُمُ فَوْقَهُ بعينين مفتوحتين
(أرنبٌ برّيٌّ واعْتلاَهُ الشّتاء)
كيف تَحَدَّيْتَ شَطَرْتَ جُموحَ الرياح
وبحرَ الظلمات نصفين
لتستوطن رودانةَ الشمس وَالعاشقين
مُحَمَّلاً بأساطيرِ الأمازونِ الحافظِ أسرارَ الغابةِ والنّهرِ
عَبْرَ المنازلِ والقرون
وقُلْتَ حَيّاً ومَيِّتاً:
(كُلَّ أسرارِ الأرض في كف رودانةَ دَوّنْتُها
وَحَيْثُ تستريحُ الشّمسُ في كَفَّيْها استرحت
وبِكَفَّيْها عِشْتُ وانْتَهَيْتُ وما انْتَهَيْت
أَضُمُّ عِشْقَهَا وَعِشقَ مُلوكها وَأهلها ومائها وترْبِها وَلوْنِها بملء اليدين
وَبَيْنَ أحضانها حَلَمْتُ حَلَمْتُ حتّى شَبِعْت
ثُمّ أسْلَمْتُ الرّوحَ هَدَأْت)
أدمَعَتْ عَيْنايَ وقُلْت
بايَعْتُ أَيُها السّادِنُ البشيرُ
وانْحنَيْت
شاعر وناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي