
في جهنم أيضاً هناك أناس طيبون
محمد ضرفاوي
في جهنم أيضاً هناك أناس طيبون كجمولة، أو السالكة، أو هيلينا، وغيرها، أسماء لشخص واحد، فهي مغربية مقيمة بإسبانيا منذ ما يقارب العقدين من الزمن، تنحدر من الأقاليم الصحراوية، ويظهر ذلك جلياً من خلال لكنتها الحسانية – وهي لهجة أهل الصحراء – عندما تتحدث إليك. في أواسط الأربعينات من عمرها، لكن الناظر إليها يحسبها تطرق أبواب الثمانين بقوة: فارعة الطول، وجه منكمش، أنف أفطس، عينان غائرتان يحيط حولهما السواد من كل جانب، أسنان مهدمة تماماً كأنها خاضت بهما الحربين العالميتين: الأولى والثانية، شعر أشعث يشتعل شيباً، يتساقط مثل أوراق الخريف حينما تشرع في تمشيطه، جسم نحيل يكاد يذوب، ساقان هزيلتان كأعواد الثقاب لا تميز الفخذ من القصبة، كأنها تعاني من سوء التغذية. من رآها يقسم بأنها تعيش في الصومال أو إثيوبيا سنوات المجاعة، أو إحدى دول الساحل الإفريقي وليس إسبانيا.
خلال طفولتها عانت الأمرين – حسب زعمها – فقد كانت أمها تقسو عليها بشدة وتحرمها من أبسط الأشياء. لم تدخل المدرسة ولو ليوم واحد، تردد دوماً بأن طفولتها اغتصبت منها: فمنذ أن كانت طفلة وهي تقوم بشؤون أعباء البيت الثقيلة، وإذا أبدت تذمراً أو تهاوناً تقوم أمها وأفراد أسرتها بضربها دون شفقة أو رحمة. هذه الوضعية القاسية أدت بها إلى أن تحمل حقداً دفيناً على محيطها سواء والديها، أو إخوتها، والمجتمع ككل بل وحتى على نفسها.
لم تتردد ولو للحظة واحدة عندما اقترحت عليها أختها غير الشقيقة المقيمة بإسبانيا في المجيء إلى هناك، بل لم تكن لتتردد حتى ولو دعتها إلى جهنم، فقد كانت تقول بأن حياتها في المغرب مع أمها أقسى من الجحيم. عندما وصلت إلى إسبانيا لم تمكث طويلاً مع أختها حتى اختلفت معها، فغادرت البيت باحثة عن مكان آخر، ولم يمض إلا وقت وجيز حتى تعرفت على إسباني يمتلك شركة للنظافة عرض عليها أن تقوم بتنظيف بعض البيوت مقابل أجر مادي لا بأس به، ورغم كثرة الأشغال التي كانت تقوم بها إلا أنها كانت تصبر الصبر الجميل. تعرضت للتحرش من طرف صاحب العمل فما كان منها إلا أن تركته. وهكذا بدأت تتنقل من عمل لآخر: تطبخ، تكنس، تصبن، وتقوم برعاية المسنات والمسنين الإسبان متحملة كلامهم الجارح وعنصريتهم البغيضة.
ارتبطت بإسباني لمدة قصيرة فتعاركت معه، وتركته مخلفة له ولداً لم تعد تراه إلى يومنا هذا: فقد أصبح إسبانياً: لغة، وتربية، وديانة، وحتى اسماً: يسمى “راموس”. بعدها التقت بأحد الشبان الجزائريين، وكعادتها لم تدم العلاقة بينهما طويلاً، فتركته مخلفة له ولداً هو الآخر، كأن قدر العلاقة التي تربطها بالرجال لا تعمر، فقد التقت بشاب جزائري آخر مكثت معه سنتين، وكان يتاجر في المخدرات، والأسلحة، والأشياء المسروقة. تورط مرة في قضية تتعلق بالاتجار في المخدرات الصلبة فدخل السجن، وحكم عليه لسنوات، وأثناء إيداعه السجن طلبت من المحكمة الطلاق، فاستجابت لطلبها، وبعد انتهاء محكوميته تم طرده من إسبانيا بصفة نهائية تاركاً لها هذه المرة بنتاً لا تزال حتى الآن تتصارع من أجل تربيتها رغم قساوة الظروف التي تعيشها، ولكي تبعدها عن حياتها القذرة فقد كلفت أسرة بنغالية لكي تقوم برعايتها مقابل أجرة شهرية.
كجمولة تدخن بشراهة، تحتسي الكحول بلا حدود، وتتعاطى المخدرات بشكل هستيري مثل: الكوكايين، والهيروين، وفي كل مرة تنجو بأعجوبة، ودائماً يخبرها الطبيب بأن المرة القادمة ستكون هي القاضية، لكنها تكذبه وتأتيه مرة أخرى كأنها قطة بسبعة أرواح، لدرجة أن إحدى صديقاتها قالت لها ساخرة: أعتقد بأنك لن تموتي أبداً، أو لربما سيدنا عزرائيل نسيك، أو بالأحرى أعفاك من الموت لأنك بكل بساطة أصلاً ميتة، وهل تقبض روح الميت مرتين؟.
تعلق قلبها بنصف رجل روماني نتن استغل سذاجتها وطيبوبتها الزائدة بشكل بشع، حيث كانت تعمل ليل نهار في مهن يندى لها الجبين، وفي آخر المطاف تهب له ما تكسبه فوق طبق من فضة! ومن دون أن تترك لنفسها شيئاً، بل أحياناً يقوم البائس اللعين بشتمها، ولكمها، وتشويه وجهها وحتى طردها، ورغم كل هذا يبقى قلب البئيسة متعلقاً به ولو قطع لحمها قطعة قطعة وشواه فوق صفيح ساخن، وكما يقول المثل المصري البليغ: “القط يحب من يخنقه”، أو كأنها مصابة “بمتلازمة ستوكهولم” حيث الضحية تحن إلى جلادها مثل أغلب الشعوب العربية في هذه الأيام.
ومن سخريات القدر أن يتعلق بها وبشكل جنوني أحد الإسبان الذي يحاول جاهداً إرضاءها بشتى الوسائل، لكن “الأميرة الحسناء” تتمنع، ونظراً لحبه العارم لها فهو لم يفقد الأمل، ودائماً يتودد لها برزم من المال رغم بخله الشديد، أو يسدي لها بعض الخدمات، فقد كان لها مثل كلب وفي! فقط تكفي إشارة صغيرة منها لترمقه مهرولاً من أجل تلبية جميع رغباتها حتى ولو كانت شبه مستحيلة، فهو مستعد بأن يضع تحت قدميها كيلوغراماً من لبن العصفور أو يزيد قليلاً إذا طلبت منه ذلك، المهم بالنسبة له هو أن يظفر بعطفها ورضاها: كأنها “زنوبيا” ملكة تدمر! عشقها المسكين عشقاً لا مثيل له في تاريخ العشق العالمي، ربما يفوق عشق قيس لليلى، وعشق ابن زيدون لولادة، وعشق جميل لبثينة، وعشق الملك تشارلز الثالث للملكة القرينة كاميلا دوقة كورنوال. عشقها ودموعه السخية المدرارة خير شاهد على ذلك، وتساءلت مثل غيري: ما الذي عشقه فيها ذلك المعتوه، هل وجهها الشاحب الذي لا يوحي بأي لون معين، أم أسنانها المسوسة المهدمة، أم جسمها الهزيل كأنها هيكل عظمي يتحرك، والذي بإمكانك أن تعده عظمة عظمة، أم طريقة حياتها البوهيمية المتشردة؟ لكنه عشقها وكفى، “وللناس فيما يعشقون مذاهب”.
استغلت حبه الجنوني لها فأوقعته في شركها حيث أنها خططت لعملية سطو مثيرة لمنزله الفخم الذي يقع في قلب أحد الأحياء الراقية بمدينة غرناطة بمساعدة خمسة شبان مغاربة مراهقين من ذوي السوابق الإجرامية، أتوا خصيصاً من العاصمة الهولندية أمستردام لإنجاز هذه العملية المثيرة التي تشبه فيلم “مهمة مستحيلة”، وقد قدرت قيمة هذه المسروقات بأزيد من نصف مليون يورو، إضافة لسبائك الذهب الكثيرة، والساعات الثمينة، والمجوهرات النفيسة التي ورثها عن أمه بحكم كونه الوريث الوحيد في العائلة. لكن كجمولة “الطيبة المغفلة” لم تستفد من هذا الصيد الضخم، والكنز الثمين، حيث أن أفراد العصابة قدموا لها النزر اليسير من المال بينما استفردوا بالباقي، ثم عادوا إلى أوكارهم بأمستردام سالمين غانمين. أما هو فقد قام برفع دعوى قضائية يائسة ضدها، لكن عندما وقفت أمام القاضي وهي ترتعد، وعاين حالتها الصحية المتردية – بحيث لم تعد تقوى حتى على الوقوف، كما أن أجوبتها لا علاقة لها إطلاقاً بالأسئلة التي تطرح عليها، وذلك من فرط تعاطيها للكحول والمخدرات – خاطبه قائلاً: هذه المرأة – الشبح في حكم الميتة، وأي حكم سأصدره في حقها مهما بلغت درجة قساوته سأكون كمن يعدم ميتاً، وتم إطلاق سراحها، والغريب أنها لم تبدِ أي ردة فعل كأنها تعيش في عالم سريالي آخر لا علاقة له بعالمنا لتعود إلى حياتها البوهيمية القذرة.
قاص من المغرب مقيم بإسبانيا
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي