
الوفاء الوجداني للحرف الأمازيغي: قراءة في المنجز الإبداعي للفنان المغربي محمد حستي”
لحسن ملواني*
تقديم لا بد منه
صار التشكيل المغربي اليوم زاخرًا بتجارب متنوعة ومتواصلة، حقق بها تراكمًا يُعتمد عليه في قراءة هذا المنجز الفريد الذي يُعتبر منفذًا للتعبير الجمالي عن رؤانا للواقع وعن علاقتنا بتراثنا الثري والثمين كعمدة يُبنى عليها حفاظًا وتفعيلًا لهويتنا الثقافية والحضارية والفنية. والمنجز الإبداعي عامة، والتشكيلي خاصة، لم يستطع الانفلات من أسر مفردات التراث التي تثوي خلفها رؤية جمالية تستحق أن تُخلد عبر أجيال وأجيال.
والحديث عن التراث المغربي هو حديث عن تراث عريق جدًا، متمثل في التراث الأمازيغي الحافل بالمعطيات الإنسانية والفلسفية المتراكمة، ليصير بناءً معتمدًا للإدراك والتطوير والتحديث ضمن ما يقتضيه الملمح الفني لكل عصر على حدة.
وقد أفرزت التجربة التشكيلية المغربية تيارات إبداعية تعاطت للتراث بدرجات وتوجهات وأساليب مختلفة ومتنوعة. فهناك تيار اتخذ المعمار بمختلف تجلياته موضوعًا للعمل الإبداعي التشكيلي، ومن هؤلاء إبراهيم بوزير والحسين طالبي، وداود مكوني، ومحمد بن حمو وحسن أصالح وغيرهم. وهناك من اتجه لينجز إبداعاته عبر استلهام بعض عناصر الأثاث الأمازيغي العريق، ومن هؤلاء محمد بوصابون الذي يُنوع مفردات لوحاته ليلج بها عناصر أخرى يستحضر بها عراقة وجمالية هذا التراث. ومنهم حليمة الفراتي ذات الأسلوب الواقعي في منجزها الإبداعي. ومنهم من ركز على المرأة بلباسها التقليدي الجميل إلى جانب المعمار وما يرتبط به كالفنان موحى ملال وغيره. ومنهم من كرس إبداعاته للحرف الأمازيغي إلى جانب العربي، ونُشيد بتجربة محمد شرافي في هذا الاتجاه.
ونلاحظ وفق بحثنا قلة المتجهين للنحت من الحرف الأمازيغي الذي له إمكانات تشكيلية تجعل منه عنصرًا تعبيريًا ينخرط ضمن كل العناصر والموضوعات التراثية المشار إليها. فهو حرف مطواع يأتي بأشكال هندسية متنوعة تمكن الفنان الخبير من أن يستقي منه كثيرًا من الرؤى الجمالية المفيدة في استلهام التراث الأمازيغي وبلورته ضمن منظورات إبداعية خاصة.

محمد حستي وعلاقته الروحية بالحرف الأمازيغي
يُعتبر الفنان المغربي محمد حستي من الفنانين التشكيليين المغاربة الذين لهم قدم راسخة في الفن. ويبدو وفاؤه غير المنقطع للإنتاج الفني مما جعله أهلًا بأن تكون له بصمته الخاصة في المجال. فلوحاته معروفة من حيث ثيماتها ومن حيث التخطيطات والتشكيلات الرامزة المتجلية فيها. والمتتبع لأعماله يدرك من ملمحها نسبتها إليه ولو لم يوقعها باسمه. لوحات متكاملة يُعتبر بعضها امتدادًا لبعضها، وكأن لوحاته لبنات لتشكيل لوحة كبيرة نعتبرها حروفية أمازيغية بأبعادها التراثية والثقافية والهوياتية.
وأعتقد أن الفنان محمد حستي أدرك أهمية الحروفية باعتبارها الفن الذي يتسع للتراث بعبق الماضي وملمح الحداثة، مما جعلها تنضح بعمق الهوية الوطنية.
والفنان محمد وفيٌّ للحرف الأمازيغي، يُخضعه للتجريب التشكيلي عبر كل لوحة ليخرج بتركيبات تتخذ منه خلفية لمفرداتها ومكوناتها. وقد يتصدر عناصر اللوحة ليضفي ظلاله ووضعيته على أشكال تتساوق وتتناغم معه لتشكيل سمفونية موحية بماض يتجدد أو بماض يأبى إلا أن يحضر معنا باعتباره يُشكل جزءًا من ذاكرتنا.

الفنان محمد له قدرة خاصة في النسج بين ألوان وأشكال رامزة تجعل من لوحاته شاشات حية تدفع بنا إلى التأمل وإعادة تشكيلها بصريًا للقبض على كل إيحاءاتها. وهو في ذلك يُثير بطريقة غير مباشرة قضايا من قبيل التعلق بالتراث والهوية، والحرية المسيجة بقيود وظلام حين يلجأ إلى اللون الغامق متصارعًا ومتواجهًا مع نقيضه، وضرورة القبض على اللحظات السعيدة، وذلك حين يُبدع لوحات بألوان مشرقة تضفي إشراقيتها ونضارتها وصفائها على فضائها.
وهو في ذلك عميق الإدراك بلا شك بما يقتضيه النحت من التراث مع مراعاة التجدد الذوقي الحتمي المرتبط بالمستجدات الحياتية عبر تطور الزمان وما يأتي به من تغييرات في شتى جوانب الحياة. “وإذا كان الفن التشكيلي يشهد تطورًا ملموسًا تقتضيه التغيرات الشاملة في المجتمعات، فإن اللوحة الحروفية حاولت وتحاول أن تفرض جماليتها بصيغة تتماشى مع تغير الأذواق والرؤى، إزاء الجمال بصفة عامة. فهذا الأخير يتغير المنظور إليه من عصر إلى آخر، وتلك سنة الحياة، ويتبدى لنا ذلك جليًا أكثر في نوعية الملابس الرائجة وما إليها من جيل إلى جيل. واللوحة الحروفية بمفرداتها وتركيبتها تندرج في هذا التطور الذي يسع كل المجالات الفنية والحياتية، بل إن التطور التكنولوجي بما له وما عليه عامل مؤثر في هذا المضمار، فقد ساهم بفعالية في تيسير إيجاد البدائل الفنية والتنويعات بغية التنويع في إبراز ملامح جمالية فنية آسرة. ذلك أن الإمكانيات التكنولوجية المتنوعة كان لها الدور الرائد في الدفع بالحروفيِّ العربي لتجريب إمكانيات وصيغ تُبدي قدرته الإبداعية في الاكتشافات الشكلية والمنظورية واللونية، فاستطاع بعض المبدعين الخروج بلوحات ساهمت في التخلي ولو بنسب محددة عن القوالب الجاهزة الجامدة المكررة”.
وانطلاقًا من هذه الحيثيات، فإن الفنان محمد حستي قد أسهم وما يزال يُساهم بلوحاته وأعماله الفنية المتنوعة، تنوعًا لا يُخفي تكامليتها الملمحية والتركيبية، في الدفع بالفن التشكيلي المُكرس للاقتباس من التراث نحو انتهاج الإبداعية المتكيفة مع مقتضيات التطور الذوقي والإبداعي والتي لا يمكن توقيفها ضمن طراز ثابت غير متحرك.
وهو بذلك يُضيف ويُجدد بقدر ما يعود بذاكرته إلى بساتين التراث لأخذ ما يراه جديرًا بجمالية تواكب مجريات الحاضر ورؤى الناس فيه.



ختامًا
يبقى الفنان محمد حستي من المبدعين المغاربة الحاملين لهاجس التعبير عن الهوية والتراث بلمسات تحمل النظرة الاستشرافية التي بإمكانها أن تُفيد تهذيب الأذواق في ارتباطها بالخصوصيات الثقافية التي ينبغي الدفاع عن وجودها وحمايتها من شبح العولمة الكاسح لثقافات الشعوب العريقة وغيرها.
هامش: انظر مقالنا بالقدس العربي “اَلْحُرُوفيَّةُ الْعَربيَّةُ بَيْنَ الكائنِ والمُمْكنِ” بتاريخ 29 أغسطس 2017م.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي