أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / شعرية الماء في ديوان “غيمة…  تقتفي أثر النهر”  للشاعر حكم حمدان- محمد لعوينة

شعرية الماء في ديوان “غيمة…  تقتفي أثر النهر”  للشاعر حكم حمدان- محمد لعوينة

شعرية الماء في ديوان “غيمة…  تقتفي أثر النهر” للشاعر حكم حمدان

محمد لعوينة*

 

 

الماء حياة وهو المادة السّلسة والمُنسابة.. لكنه المادّة المستعصية التي لا لون لها ولا شكل ولا رائحة.. لهذا ربما كان المادة الوحيدة المتحولة التي يمكنها أن تصير ثلجا وبخارا.. ويمكنها أن تتشكل حسب حجم وشكل الإناء، وأن تغيّر أبعادَها جميعا تبعا لتغير الجغرافية والثقافة والدين…

     الماء بهذا التصور يصبح مادة غير محدودة التشكيل، وغير محدودة المعنى داخل الخطاب الشعري بالخصوص، وغير محدودة التأويل أيضا. منه بدأ الخلق، وبدونه تموت الخلائق. لذا نجد الناس يتعاملون معه تعاملا حذرا خصوصا من يعرفون قيمته، ولذا جعلوا في الحكايات الشعبية بطلهم من استطاع المغامرة فيه والخروج منه بالغنائم، فكان “السندباد” البطل العجائبي… وجعلوا الوضوء شرطا ومقدمة لازمة للدخول في العبادة والصلاة، والغُسل خروجا من النجاسة، والتعميد بداية الإيمان… وجُعلت له صلاة خاصة هي “صلاة الاستسقاء”، بل هو البؤرة الغامضة للخوف والرعب التي مازال الناس الى اليوم لم يفهموا سرها في “مثلث برمودا”…

السؤال الذي لا يطرح غالبا هو: من يستطيع أن يتعامل مع الماء في كل هذه الأبعاد، أو بالأصح متجاوزا كل هذه الأبعاد؟ من يستطيع إعادة تشكيل الماء واضعا نصب عينيه كل هذه المعاني الدينية والاجتماعية والأسطورية…؟

في نظري لا الكاهن ولا الفلاح ولا غيرهما .. لا يمكن أن يفهم الماء ويعيد تشكيله وصياغته وتأويله أيضا إلا الشاعر(المعرفة وليس النكرة)، الذي تخطى خيالُه، وحرفُه، ومعناه حدود الشكل واللون والرائحة، لأن تحول الخطاب الشعري رهين بتحول أدواته بالدرجة الثانية، لكن ، بالدرجة الأولى، هو رهين بتحول الرؤيا المنتِجة لهذا الخطاب، والتي تختصر روح الشاعر وخياله وشغفه بالانزياح عن كل الأبعاد الثقافية والمعرفية السائدة، والتي تتجاوز المخزون اللغوي والميثولوجي رغم سعته، وتعيد صياغته.

بعد هذا التقديم المختصَر والمتعسِّف نظرا لضيق مساحة النشر، أجدني مضطرا لتقديم آخر أكثر اختصارا يلتفت إلى عتبة العنوان: “غيوم… تقتفي أثر النهر”، ديوان للصديق حكم حمدان الصادر سنة 2016 والذي أهدانيه بعد ثلاث سنوات تقريبا، وهو عنوان حمّال دلالات كما تشي بذلك مكوناته الخمس(؟). هي مكونات لغوية أي كلمات، وأخرى ترقيمية أي نقاط الحذف، منها الأسماء ومنها الأفعال، ولكني سأخصّ منها كلمتين لأبيّن تناقضها الواضح:

الغيوم النهر
جمع مفرد
لا مجرى له له مجرى محدد
مِؤنث مذكر
مُحتَمَل الماء حقيقي الماء
في السماء/ الأعلى في الأرض/الأسفل

 

وما يجمع بينهما احتمال غير أكيد بنسبة مطلقة: يُحتمل أن يصير كلاهما مكوّنا أو جزءا من الآخر: بعض الغيمة أو كلها ربما يصبح نهرا، وبعض النهر أو كله يمكن أن يصبح غيمة. أي أن المكونين من هذا المنظور يشكّلان دورة الماء، دورة الحياة التي تبدأ من الغيم/الغيب وتنتهي عند مصير محتوم، ومصبّ مرسوم، مع إيهام/إبهام كبير تخفيه نقاط الحذف وسنعود إليه قبل نهاية هذه السطور.

كل قصائد هذا الديوان، وعددها ثلاث وعشرون قصيدة غير مُعنونَةٍ بالمعنى المتداول لعتبة العنوان، لكن الشاعر يصرّ على أن تكون “الغيمة” (الواضحة) عنوانا، ومبتدأ بصيغة الجمع، متبوعا بنقاط حذف، لتعود بصيغة أخرى (المستترة) فاعلا لفعل تقتفي. لكن لا معنى للغيمة ولا “وظيفة” لها إلا في ارتباطها بالأسفل :”النهر” وأثره، بعدم أن يغرق النهر في مصبّه، وهنا لابد من الوقوف عند ظاهرة الغرق، التي قلنا إنها المصير المحتوم في نهاية المجرى المرسوم.

الغرق هو المشهد الأول الذي يفتتح به الشاعر قصيدته/غيمته الأولى، منذ المطلع:

أخون شطّكِ، كيْ أنجو من الغرقِ  ʘ   وموْجةَ التّيه .. كي لا أحتسي قلقي

هل تكون خيانة الموج/الابتعاد عن الموج، والهروب من الشطّ مصدر الطمأنينة والنجاة؟ ذلك في نظر الشاعر هو حقيقة الوهم، الذي أوهم به نفسه أو حاول أن يوهم به القارئ، بل ذلك الهروب قد يكون هو الغرق عينُه، ولا حاجة في هذا المقام إلى استدعاء قصة ابن نوح الذي توهّم أن الهروب إلى الجبل قد يكون عاصما من الموج والغرق، وأن ركوب السفينة خيانة للدين الأول، واتباع الأب هو خيانة للنفس. المفارقة أن الغرق هو الذي خانه واختبأ له في الجبل لا في الماء الذي فاض به التنّور، الغرق هو الخائن المتربّص بنا في البرّ لا في البحر، وهنا الدليل على اتساع رؤيا الشاعر(المعرفة دوما)، الذي يعيد صياغة مفهوم الغرق بعيدا عن الحمولات الاجتماعية والثقافية والأسطورية أيضا، ولذلك يختم القصيدة/الغيمة الأولى بقوله:

ومن هناك .. أسِرّ الآنَ معترفا   ʘ    ما خنتُ شطّكِ… لكنْ خانني غرقي

ونحتاج طبعا لتعميق هذا المعنى إلى قراءة متأنية للكافيْن: كاف “هناكَ” المفتوحة الملازمة لاسم الإشارة، و”كاف” الشطّ المكسورة المضافة، لعل وراء كل منهما تختفي تأويلات أخرى.

هذا الغرق الخائن الذي لا يحدث حيث نتوقع، والغرق المخاتل الذي ينبجس من تحت أقدام طمأنينتنا يتكرّر في كل الغيمات/القصائد، ويكفينا أن نمثل على هذا بقوله:

      يا أيها  العمر  كنْ  لي.. لا تكنْ  ألما   ʘ    يغتالني،  ويدسّ  الســـــــــــــــــمّ  في  طبقي

     كن لي طبيبا يداوي الجرح مبتسما   ʘ    كن لي حبيبا يضمُّ الطّيفَ في الشفق

        كن  ما  تشاء..  ولكن لا  تكن  غرقا    ʘ    يجرّني  كلـــــــــــــــــــــــــما  أبحرتُ..   للغـــــــــرق

أما الغرق في البحر فمتوقَّع، وحدوثه غاية النشوة إذا كان رفقة من نحبّ، بل قد يصبح هذا الغرق غاية تُرجى، ومطلبا إليه يُسعى، ففي الغيمة/القصيدة الرابعة عشر يقول في هذا المعنى:

هنا.. تبادلني من  لوعتي  عشقا   ʘ   وقبّلتني.. هنا أهدابُها الحمقى

هنا غرقنا، وكان البحر  يجرفنا   ʘ   ووحدنا ننتشي  في قعره.. غرقى

وهكذا دواليك في كل مشهد للغرق، الملازم للشّطّ والنهر والبحر والموج، حيث لا قدرة لنا على الهروب من دائرة مرسومة سلفا، تشبه مصير النهر المرسوم سلفا أيضا.

والملاحظ أن الشاعر لا يكشف فقط عن علاقة بين الغيوم والنهر، بل يخلق على امتداد الديوان علاقة جديدة بين الغيمة والنهر، لا ينتبه لها الناس ولا الرؤية بالعين، بل تكشفها رؤيا الشاعر، إنها علاقة الاقتفاء والتتبّع الدائم، ولو عن بُعد، علاقة يكون غيابُها عيبا وإقواء. يقول الشاعر:

وأكتب على صدر السؤال إجابةً   ʘ    أنّا خُلقنا..  كي نشاغب ظلّنا

فمن الأصل؟ ومن الظلّ؟ هل النهر/ المذكّر/ المعرفة هو الظلّ لما فوقه؟ أم الغيمة/ المؤنث/ النكرة هي الظلّ لما تحتها؟ إنها العلاقة الملتبسة بين وجهي العملة الواحدة، التي تشبه العلاقة المبهمة بين “توأم” لا يتخلى أحدهما عن الآخر، ولا يفرّط فيه.

وهنا يتوسّل الشاعر بعلاقة “التوأم” ببعضهما: علاقة غاية في المشابهة/ الاختلاف، غاية في التوحّد/الاختلاف، علاقة تنطلق من مبهم واحد هو الرّحم لكل جديد، وهو في نفس الوقت المصبّ الذي ينفتح على المصير: التتبع والاقتفاء إلى غاية الغرق، وهي الوتيرة التي تصمد إلى غاية الغيمة/القصيدة الثالثة والعشرين والأخيرة في الديوان، ونعيش هذه العلاقة الهلامية دون أن ندرك من يقتفي أثر الآخر، وكل ما ندركه أن الغيمة والنهر كلاهما سائر إلى الغرق ما داما واحدا في صورتين مختلفتين حدّ التماهي والتطابق، متضادتين حدّ الاتفاق في الماهية والصورة، متناقضتين حدّ الائتلاف.

بين الغيمة والنهر كما بين السماء والأرض، لكن أحدهما بالضرورة منشأ الآخر بالقوة، إن لم يكونا من منشأ واحد بالفعل، وهو ما ينبّهنا إليه الشاعر باستعماله لفظ “التوأم”، حين خلق من ماء الغيمة توأما لماء النهر، ومن ثَمّ علاقة الاقتفاء، وهو ما لا نجده في رؤيا الشاعر القديم الذي جعل من الماء فقط وعلى سبيل المثال مزيجا للخمرة، مطفئ نارها تارة ومشعل ضوئها تارة أخرى.

القنيطرة ماي 2025

 

شاعر وناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

القلق الوجودي في شعر ياسين بُعبسلام – بدر متشو

بدر متشو*   تقديم: يسعى هذا المقال إلى بيان ثيمة القلق الوجودي في شعر الشاعر …

اترك تعليقاً