الحجاج والتواصل في الشعر العربي القديم لمصطفى رجوان
قراءة في علاقة الحجاج بالشعرية العربية
جواد عامر*
الشعر ديوان العرب ، فهو ناقل أخبارها وأيامها وهو سجلها التاريخي ووسيلة التعبير عن وجدانها وتفكيرها ، لذا كان الشاعر العربي وهو يبدع القصيدة يبدعها قصة وحكاية في بنية الشعر التي تحتويها إيقاعاتها وقوافيها وصورها وأخيلتها، ولابد أن الحجاج كان جزءا من بنيته الداخلية لقيامه على الخطابية إلى جانب التخييل ، من هذا المنطلق انبثق وعي الكاتب مصطفى رجوان في كتابه ” الحجاج والتواصل في الشعر العربي القديم الصادر “عن دار إفريقيا الشرق بالمغرب 2024 في تعاطيه مع الخطاب الشعري عبر تجسير الطريق بين التخييل والتداول ومحاولة الوقوف في خط الوسط بين من اعتبر الشعر قائما على التخييل فقط وبين من اعتبره مؤسسا على الخطابية ، ولعله بهذا التجسير يكون قد استعاد طرح حازم القرطاجني الذي كان له الفضل الإبستيمي في بيان خصوصية الشعر من حيث طبيعته المزدوجة المبنية على التخييل والحجاج إذ يكون حازم قد أكد على جدلية التبعية بين الأقاويل المقنعة الواقعة في الشعر والأقاويل المخيلة فيؤكد بعضها بعضا من حيث المعنى .
إن البؤرة المحورية لكتاب “الحجاج والتواصل” تتجلى في تناول الكاتب لإشكالية التجاور بين الحجاج والشعر وما يطرحانه من تصادم من جهة وإشكالية الحجاج والانسجام في القصيدة العربية القديمة من جهة ثانية ، وما تطرحه من مآزق تحليلية نتيجة طبيعتها البوليثيمية مستدعيا المدونة التراثية التي رآها أكثر حداثة من بعض الدراسات المعاصرة التي تناولت علاقة الشعر بالحجج في ضوء البلاغة الجديدة، لذا فالكتاب محاولة من صاحبه للبحث في هوية الشعر من خلال معبر اللغة التي لا ينبغي التعامل مع حجاجيتها بنفس التعيير لاعتبار بسيط هو أن التحليل الحجاجي يتأتى بعد القراءة وليس قبلها ، ومن هنا نبعت رغبة الكاتب في محاولة حل المشاكل التحليلية للشعر العربي من خلال اختياره لنموذج بانت سعاد لكعب بن زهير باعتبارها واحدة من العيون ولما طرحته من مآزق تحليلية في النقد العربي باحثا في عمق بنيتها عن الخيوط الناظمة لوحداتها ومقاطعها التي سار الباحث قدما في تعاطيه الإجرائي معها في اتجاه لمِّ أجزائها وإثبات وحدته العضوية بعيدا عن الطروح النقدية السابقة التي تعاملت مع القصيدة كأجزاء متعددة الأغراض وفق ما سنته الشعرية العربية القديمة في عصرها الجاهلي من وقوف على الطلل وتغزل ووصف للناقة أو الفرس وذكر لمصارعة الوحيش ثم حسن التخلص فالوصول للغرض الرئيس، لذا جعل الباحث رهان الكتاب قائما على القراءة المنسجمة لقصيدة البردة محاولا الإجابة عن أسئلة شائكة تتعلق بمقدمة الغزل في حضرة الرسول عليه السلام ومدى انسجامها مع مطلب العفو ومقصدية الحجاج ودور مقطع الناقة وعلاقته بموضوع الاستعطاف ، ومدى توافق الحجاج مع شعرية القصيدة ، ما جعل البحث يدور في فلك مثلث هو الشعرية والحجاج والانسجام عبر تقنيع القصيدة بتأويل جديد ينفي تعددية الأغراض ويغلفها بالطابع الديني وذلك بتفكيك بنياتها الرمزية و تأويل علاماتها ، مستدعيا الترابطات العميقة بين لسانيات النص ونظرية الحجاج في محاولة جادة لتجاوز المآزق التحليلية السابقة.
“بانت سعاد ” ومحاولة تجاوز المآزق التحليلية
قبل عرض قصيدة البردة عمد الباحث إلى تقصي مواطن التحليل الحجاجي في الشعر العربي عبر سفر معرفي يبتدئ من بلاغة أفلاطون في محاوراته وبلاغة أرسطو التي كانت أكثر تنظيما في كتابيه ” فن الشعر” وفن الخطابة ” ، مرورا بالرؤية البلاغية النقدية العميقة لحازم القرطاجني في “منهاج البلغاء وسراج الأدباء” وصولا إلى الرؤية الحديثة التي تؤمن بتداخلات الأجناس مستدلا على اشتعال الحجاجية داخل النص الشعري عبر ضرب أمثلة من المدونة الشعرية التراثية وكشف عناصر وآليات اشتغال الحجاج داخلها كالأسلوب والصورة والإيقاع والكلمة التي تتحول إلى أدوات للحجاج تتغيَّى الإقناع والـتأثير فقد كانت هذه التمهيدات تهيئة عقلية ونفسية للقارئ من أجل خوض الباحث في قصيدة ” بانت سعاد” التي عدها سليلة القصيدة العربية متعددة الاغراض كمعلقة امرئ القيس وطرفة بن العبد ومعلقة زهير بن أبي سلمى ، وهي قصائد وإن جرت على عادة المألوف النسقي في بناء الشعر العربي فإن الانسجام يحكم وحداتها بالمعنى البلاغي إذ يظل الناظم السردي الخيط الجامع بين عناصر النص فمعلقة امرئ القيس يجمعها ناظم استدعاء الذكريات ومعلقة طرفة التي ينتظمها السرد كذلك حيث الفراق ووصف الناقة والحانة وشكوى ظلم العشيرة وهو نظم سردي يخيط أجزاء القصيدة كما هو حال بانت سعاد ، ومعلقة زهير قائمة على تيمة المعاناة في صورها المتعددة عاطفية واجتماعية وإنسانية ، ليؤكد الباحث على أن الشاعر العربي فعلا ينظم قصة يخيطها بخيوط الشعر، من هذا المنطلق المؤسس على سردية القصيدة وحجاجيتها نبعت رؤية الكاتب مصطفى رجوان في محاولة لضخ دماء جديدة في النص الشعري وتجديد تأويليته بعيدا عن القراءة التاريخية المستهلكة، في اتجاه قراءة كلية تتجاوز البوليثيمية المعهودة وتخترق الطرح النقدي المؤسس لبنية القصيدة العربية في كتاب ابن قتيبة ” الشعر والشعراء “، لتستشرف مقولة الغرض الحجاجي بعيدا عن طرح تعدد الموضوع الذي رأى الكاتب أنه لم يقف عند حدود القصيدة وإنما شمل نصوصا نثرية ك “البيان والتبيين ” والنص القرآني نفسه وتحديدا في سوره الطوال مما يستوجب إعمال التأويل للحكم على كلية النص وانسجامه .
بانت سعاد بين البوليثيمية والوحدة
اجتهد الباحث في إعمال منهجه التفكيكي في القصيدة إكمالا للمشروع التأسيسي الأول له في كتاب “الشعرية وانسجام الخطاب لسانيات النص وشعرية جون كوهن ” الصادر عام 2020 عن دار كنوز المعرفة بعمان حيث أوقف بحثه على مفهومي الاتساق والانسجام لإبراز شعرية القصيدة وربطهما بالانزياح في محاولة منه لتجاوز التعسف الممارس من قبل النقد على النص الشعري ليسمح للعنصر التداولي الذي غاب في الدراسة التأسيسية باقتحام البحث، فكان تفكيك النص ضرورة للكشف عن الجانبين أي التخييلي القائم على الصورة والتداولي المبني على الحجة ، مبرزا دور القارئ في منح النص انسجامه بناء على التأويلية ، ذلك أن الشعرية كما يقول جون كوهن “عملية ذات وجهين متعايشين متزامنين الانزياح ونفيه ؛ تكسير البنية وإعادة التبنين ولكي تحقق القصيدة شعريتها ينبغي أن تكون دلالتها مفقودة أولا ثم يتم العثور عليها وذلك كله في وعي القارئ ” ، ما يجعل الشعرية والانسجام كائنين في نفس اللحظة ،ومن هذا الطرح نبعت رؤية مصطفى رجوان مستدعيا المقاربات المفهومية لجماعة “مو” البلجيكية للشعر كالتشاكل والتباين مثبتا أن “بانت سعاد” يسمها التشاكل المتعدد القائم على معجم الغزل والناقة والمدح والهجر والاعتذار مبرزا أن الرسول عليه السلام قد فهم مقصدية كعب واستطاع أن يؤول معانيها وفق وحدة كلية متناغمة توجت الإلقاء بالعفو؛ لذا فالكاتب وهو يسير في بحثه نحو لململة خيوط القصيدة عبر منهج استقرائي يفكك فيه أجزاء النص التي بدأها برسم الذات، ثم عرض مشهد الوشاة وتصوير الرسول ثم المهاجرين ؛وأمام هذا التعدد يطرح الباحث تساؤله المحوري : هل نحن أمام قصائد عديدة ( قصيدة غزلية ، وصفية ، حكم ، قصيدة اعتذارية مدحية ) يجمعها إيقاع واحد ويخيطها حسن التخلص أم نحن أمام قصيدة واحدة؟
يخلص الباحث بعد تفكيك الوحدات واستخلاص المعاني إلى إثبات كلية النص معتبرا إياها استراتيجية حجاجية أو حجة مركبة واسعة ،عبر التعامل مع النص خارجة أسوار الغرض وعبر توظيف مصطلح الأطروحة وتبني ازدواجية التلقي الممثلة في المتلقي الخطابي وهو الرسول عليه السلام والمتلقي الشعري الذي ألفت ذائقته النظام البوليثيمي، لذا فبانت سعاد في نظر الباحث تراوحت بين التخييلي والتداولي أي بين النزعة الخطابية والشعرية ، حيث التلقي الجمالي من قبل الجمهور العام والتلقي التداولي من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم عبر تحقيق القصيدة لبعديها التواصليين في مستويي التواصل الشعري والتواصل الخطابي حيث يتموقع الأول في مقدمة الغزل ووصف الناقة بينما يتواجد الثاني في الاعتذار وطلب العفو، ما يجعل القصيدة شبيهة باللوحة ينظر إلى وحداتها في كليتها البنائية لا إلى أجزائها متفرقة حتى يكون لذلك وقع على السامع وهو ما ألمح إليه الجاحظ حين قال : ” ومتى لم يخرج السامع من شيء الى شيء لم يكن لذلك عنده موقع” .
مقاربة الحجاج والانسجام في “بانت سعاد “
يمضي الباحث قدما في سبيل إثبات حجاجية الخطاب وشعريته في الآن نفسه مؤكدا على اقتناع الرسول عليه السلام بمطلب العفو وإجازته للقصيدة فور سماعه لبيت القصيد ( إن الرسول لسيف يستضاء به / مهند من سيوف الله مسلول) الذي منح التتويج الشعري لصاحب النص ومنحها التسمية الشهيرة بعد خلع الرسول لبردته وكسوة كعب بها ، عبر تناولها في كليتها دون إقصاء لأي جزء منها لتجاوز المآزق التحليلية في النقود السابقة وذلك بمنحها تأويلا جديدا يشيد معماره على أساس التأليف بين العناصر النصية وبين هذه العناصر والسياقات التي أنتجت الخطاب، لذا فالباحث وبناء على وعيه الإبستيمي بمشكلات الحجاج في إطارها النظري عند” ديكرو” من حيث هو ترابط بين حجة وقضية يظل مسيجا في دائرة جملتين معياريتين من التداول اليومي أو من حيث طريقة التعامل مع الحجاج على أساس الجرد والتعليق، انطلق في تحليله ل”بانت سعاد” من زاوية الخضوع لطبيعة النص وليس العكس مع تحديد هدف المقاربة الحجاجية عبر تملك أدواتها باعتبارها وسائل تقارب النص وليس غاية في حد ذاتها ، لذا سيقيم الباحث دراسته على أساس المثلث الحيوي المتفاعل وهو الشعرية والحجاج وقطب الرحى التأويل بما يتيحه هذا القطب من حرية تصب في بلاغة القراءة ، فيعتبر القصيدة مترابطة الأجزاء يسيجها الانسجام الناجم عن القراءة التأويلية ، وهو انسجام يتغيى منه الباحث إثبات انسجام الفكر عند الشاعر والمتلقي معا ، ومن هذا المنطلق يشرع الباحث في البحث عن مداخل الانسجام داخل القصيدة وفق السياق الذي أنتجها في إطار بنية مؤسسية تنعتق به من بنية الانزياح .
لقد ارتأى الباحث في غياب العنوان الذي شكل غيابه نسقا مألوفا في المدونة الشعرية القديمة لعدم حاجة التلقي إليه باعتبار طبيعته المنزاحة والمراوغة ، ولارتباط الشعر بالرواية أمرا غير ذي جدوى في مسألة الانسجام ، كما هو حال السياق الداخلي للنص الذي يقتضي النظر في البداية والنهاية معا ككل متراكب ومتعلق ببعضه البعض وحال السياق الخارجي المسهم في إنتاج النص وهو سياق يحتفي بالقصة الإطار ويمنحها شعريتها وحال التشابه الذي طرحه كل من “جيليان براون” و”جورج بول” معتبرين أن احتكاك المتلقي بخطابات مشابهة يجعله يربط اللاحق بالسابق من خلال مراكمته لقراءات عديدة تتشابه فيها الأنساق والأبنية ، ما يجعل التشابه أو التناص بالمعنى الحديث وسيلة من وسائل الانسجام ، كما يؤكد الباحث على أن حسن التخلص وسيلة خياطة لأجزاء النص بشكل خفي باعتباره قطبا فنيا مرتبطا بصنعة الكتابة، لتتشكل جملة من المداخل التي تسهم في تحقيق انسجامية القصيدة وتنفي عنها تعددية الأغراض في محاولة لتجاوز المآزق التحليلية السابقة عبر إيجاد مداخل جديدة تحقق انسجامية القصيدة من منطلق تفكيكي محض.
تفكيكية المعنى ومداخل الانسجام في ” بانت سعاد”
يطرح مقطع الغزل تحديدا مشكلة كبيرة باعتبار تيمته ومعجميته الحسية التي تبدو غير متناسبة مع فضاء المسجد في حضرة الرسول عليه السلام ما جعله متلبسا بتأويلات عديدة تخرج سعاد من دائرة التشبب إلى دائرة التخلي الذي مارسه قوم كعب في حقه، ويؤمن الباحث بوجود تناقض ظاهري في الخطاب الغزلي ما جعله يجتهد في البحث عن خيوط ناظمة لتكسير هذا التناقض الظاهر في التغزل بسعاد وإبداء مفاتنها ثم ذمها على حين غرة ودون سابق إنذار؛ إن التفكك ظاهر في المقطع غير أن النظر إليه داخل بنية القصيدة وفي علاقة مع الوحدات الأخرى سيجعل هذا التفكك يتلاشى ، بل ويتحول إلى وحدة كلية تنسجم مع معاني القصيدة ومن هنا سيمنح الباحث مصطفى رجوان تأويلية جديدة للمقطع مقنعا إياه بالمرجع الديني لتكون سعاد رمزا للدنيا مستدلا بالمرجعية الحديثية التي أوردت نصوصا رمزت للدنيا بالمرأة اللعوب ؛ لذا كان البحث في المضمر السياقي والثقافي طريقا للكشف عن معاني المقطع الغزلي عبر إفراغه من حمولته الغزلية والبحث في معانيه الرمزية عبر التأويل المفتوح بمقابلة الملفوظات بما تحيل عليه من رمزيات ، إنها عملية إفراغ وشحن تأويلي تبحث عن إيجاد خيوط الانسجام بين مقطع الغزل وبقية الوحدات ، خاصة أن كعبا أمام متلقيين مختلفين ؛ متلق يمثل السلطة الدينية وجمهور يرمي إلى كسب جماهيريته عبر الامتثال إلى النسق الشعري المألوف ، لذا فإن كعبا استهل القصيدة بالمألوف الشعري (الغزل )، إرضاء للجمهور وللرسول عليه السلام فهي غزلية في ظاهرها تنسجم مع النمط الشعري الذي ألفته الذائقة العربية ومع نظرتها الفلسفية للدنيا المراوغة والمخادعة التي لا يستقر له حال لهذا فهي تتلفف بثوب الوعظ والإرشاد كما يعلن عن ذلك قوله ( فلا يغرنك ما منت وما وعدت إن الأماني والأحلام تضليل ) ، ولعل هذا الاستعمال الحجاجي المضمر يعتبر أكثر نجاعة وذا قدرة أكبر على التأثير من الحجاج الظاهر المباشر ما يجعل الخطاب مزدوجا يتوجه إلى صنفين من المتلقي ، ويستمر هذا التصور الازدواجي عند الباحث في تعاطيه مع المقطع الثلاثي وهو مقطع الناقة باعتباره بناء لشعرية العبور وحمالا لدلالة إعجازية دينية ترتبط بسياق إعجاز خلق الإبل في سورة الغاشية ليتلقى الرسول عليه السلام صورة الناقة من خلال حمولتها الدينية ويتلقاها الجمهور كوسيط شعري قبل التخلص وصولا إلى الغرض الرئيس ، كل هذا يسير في اتجاه واحد هو تحقيق الغاية الإقناعية ونيل العفو المرتجى بناء على ثنائية المضمر والصريح.
إن مداخل الانسجام تتعدد وتتضفَّر داخل القصيدة لتمنحها وحدتها الكلية وتجعلها خطابا محكم البناء لا تنفصم عراه من خلال الفعل الهيرمينوطيقي الذي يكسب القصيدة بعده الديني منذ المقطع الغزلي ومرورا بلوحة الناقة وشعر الحكمة وصولا لمدح النبي عليه السلام والاعتذار منه وانتهاء بمدح الصحابة كسبا لرضى الجمهور وإحقاقا لمزيد من الدعم الجماهيري ، لذا فقد تبنى كعب في نظر الباحث خطة محكمة من اجل الحجاج عبر استدعاء المفكرة الشعرية ذات الإحالة الدينية واستدعاء الحكمة كجزء مكون لبنية النص وهو استدعاء إيتوسي محض يتوازى مع الباتوس الحاضر في المقدمة الغزلية ، ويبدو أن استحضار الإيتوس سواء التلفظي أو الخطابي تأتت بوجود الحكمة والمعجم الديني على امتداد القصيدة فور التخلص ، ما يدل على حرص كعب بن زهير عليه واعتنائه به كوسيلة حجاجية قادرة على الإقناع ، ويتزكى هذا الاختيار باستراتيجية الباتوس التي سلكها الشاعر من البداية لاستمالة مخاطبيه وإثارة الشفقة في نفوسهم ، استراتيجية رأى الباحث أنها تغذت كذلك بوحدة الإيقاع الخارجي وكأن القصيدة تستدعي نماذج شعرية شبيهة من المدونة الشعرية العربية كميمية تميم بن مقبل واعتذارية النابغة وكلاهما نظمت على البحر البسيط ، وفي مقابل هذا الاشتغال الحجاجي يتقلص دور اللوغوس في النص لعدم وجود حجاج منطقي يستطيع كعب أن يضفر به قصيدته.
إن المقاربة التي عمد إليها الباحث في دراسته تغيَّتْ تقديم تأويل جديد لقصيدة كعب بن زهير عبر تحقيق معادلة بلاغية شديدة التعقيد ازدوج فيها التلقي سواء بتفكير من الشاعر أو دون تفكير ليتدخل التلقي لمنح القصيدة بعدها التأويلي المتناسب مع السياق والمستدعي للموسوعية القرائية ، وبهذا الاجتهاد في التعاطي مع النص منح الباحث القصيدة حياة جديدة منطلقا من مبادئ البلاغة الجديدة ليؤكد على أن بلاغة القصيدة تتواجد في نقطة التقاطع بين الشعرية والحجاجية فاسحا الطريق للتأويل كنقطة للعبور ليتمكن من تحليل النص تحليلا منسجما ينأى عن الطبيعة البوليثيمية متجاوزا المآزق التحليلية التي وقعت فيها النقود السابقة مؤكدا على أن النص الشعري ” بانت سعاد ” نموذج شعري من بين مئات النماذج التي تحتاج إلى إعادة القراءة والتأويل لمنحها حيوات جديدة كما استطاعت بانت سعاد أن تمنح الشاعر الحياة بعدما كان محكوما عليه بالموت .
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
