الشاعر وسؤال القيم قراءة في ديوان ” ميزان المعاني” للزجال محمد نجيب المنصوري

محمد بوعابد (أبو ريم)*
ليس بدعا أن ينتج الأدب؛ شعرا ونثرا، فلاسفة حكماء، وأطباء متخصصون في علاج مختلف الأعضاء من عيون وقلب وكلى… بل وأن يبدع في كتابة السرود القصصية والروائية من درسوا العلوم الرياضية والفيزيائية والكيميائية وغيرها من العلوم… ولقد عرف الأدب العربي منذ أقدم عصوره مساهمات إبداعية شعرية ونثرية لحكماء وفلاسفة، ففي مجال السرد الفلسفي يقف شامخا الطبيب الحكيم ابن طفيل بمؤلفه السردي الفلسفي “حي بن يقظان”، وفي مجال الإبداع الشعري تتطاول شامخة تلك القامة الفنية الجمالية للشيخ الأكبر والكبريت الأحمر محيي الدين بن عربي (المولود 558هـ/1165م، والمتوفى 638هـ/1240م) صاحب ديوان “ترجمان الأشواق” وغيره من الأعمال الرائقة الزاهية. أما في الزمن الحديث والمعاصر فقد كانت ثمة مساهمات شعرية باذخة تقدم بها شعراء أطباء، ونالت استحسان الموسيقيين فأنجزوا لها تلاحين انتشرت بواسطتها بين جموع الجماهير في أنحاء البلاد المتكلمة باللسان العربي، ونكتفي للتمثيل على ذلك بما احتواه الريبيرتوار الغنائي العربي في جنس القصيدة المعربة فنذكر للسيدة أم كلثوم أغنية “الأطلال” التي كانت من شعر الطبيب الشاعر إبراهيم ناجي (المولود 1898م المتوفى 1953م) وتلحين الموسيقار العبقري رياض السنباطي… وفي مجال الأدب المغربي الحديث يوجد شعراء وكتاب روائيون تخصصوا في مجال الطب النفسي والعضوي وقدموا مساهمات إبداعية باللغة العربية، كما أنجزوا ترجمات لنصوص إبداعية نذكر من الشعراء والمترجمين الطبيب النفسي ومؤلف الكلمات المتقاطعة والمسهمة الأديب عبد القادر وساط، ونذكر كذلك الدكتورة المتخصصة في طب الأطفال والأديبة الشاعرة والروائية فاتيحة مرشيد…
ولا نخال الأدباء الفلاسفة والحكماء والأطباء والعلماء المتخصصين في مختلف المجالات يرومون من انشغالهم في مجالات تخصصاتهم الفكرية والعلمية، كما في ميادين إبداعهم الأدبي الشعري والنثري، إلا خدمة الإنسان في مجتمعاتهم وفضاءاتهم الجغرافية/التاريخية. وإن ذلك لهو ما يشترك فيه معهم صديقنا الطبيب الشاعر الزجال محمد نجيب المنصوري.
0) من طبعه الانفصال عن زمنه المعيش والتطلع لزمن مأمول:
(( هذه مرحلة، لا ننتسب لها، لا أنت، ولا أنا. لم نكن ننتسب للمرحلة التي سبقتها، ولن ننتسب للمرحلة التي ستليها. لحظة الحاضر تطلع علينا كحافة سكين. تجرحنا، وتتلاشى. هذا ما يحدث، وسيتواصل ما دمنا أحياء.)) (1).
يستشف القارئ لهذا الاستشهاد مدى انفصال المتكلم فيه عن الزمن المعيش، وهو انفصال دائم ومتواصل دونما توقف، والتصريح بهذا يفضح بفصاحة أليمة، أو لنقل بألم فصيح، وضعية الوعي الشقي التي يعيشها صاحبه الناطق به، إنه وعي شبيه بوعي الأبطال الإشكاليين عند كبار الروائيين الأوروبيين في ما سلف من قرون. إن المتكلم في هذا الاستشهاد يشترك مع الفارس النبيل الضون كيخوتي، ومع الرومانسية الأنيقة والجميلة السيدة إيما بوفاري، في رفض الواقع المعيش والبحث عن واقع بديل تتجسد فيه القيم النبيلة التي يؤمن بها كل واحد من هذين البطلين الروائيين الغربيين، وهي القيم التي تشبع بها فكره ووجدانه، فأضحى لا يرى الحياة جديرة بالعيش في غيابها. وهذه هي وضعية المثقف والفنان المبدع، لأن كليهما تجده منشدا انشدادا قويا إلى أفق مستقبلي ما يني يغور في الغياهب السحيقة فلا يتحقق وجودا وكينونة، أو لأن المستقبل المأمول من كليهما لا يكاد ينشق عنه الوجود ويغدو ذا كينونة متحققة حتى يصيح المثقف والفنان بألم رافضا نقصانه وخواءه من القيم النبيلة التي يؤمن بها كلاهما ويريان ضرورة تحققها في الوجود. فعلى العكس من السياسي الذي يظل همه تاكتيكيا، يبقى الهم الذي يخض فكرا ويخضحض وجدانا المثقف والفنان ذا أبعاد إستراتيجية، ولنلاحظ ما سجله الشاعر الزجال محمد نجيب المنصوري في النص المعنون (الضباب)، مركزين على العبارات التالية:
(زرع الزمان طبع خبتو/
الوقت لاعب لعبتو/
الزمان أجرب ب جربتو/
تخربق الموري ف الراس/
تدردف لعبار مع لقياس/
الحال فيضوه لوجاع).

(1) الطبيب السابح في مياه الشعر والموسيقى:
في البدء كان تعرفي على الدكتور محمد نجيب المنصوري في إطار ما كانت، وما تزال تنظمه “جمعية الشيخ الجيلالي امثيرد” من جمعيات ملحونية(**)، ومن ملتقيات ومهرجانات تنصب اﻷشغال فيها على هذا الموروث الشعري المغربي اﻷصيل الشهير بأسماء عديدة، لعل أكثرها تداولا هي: (فن، طرب، شعر الملحون). وهكذا يمكنني تسجيل أن التقائي بالدكتور الزجال المنصوري تم في عدد من تلك الجمع والملتقيات التي نظمتها تلك الجمعية. ومن خلال تبادلي العديد من الأحاديث مع الدكتور الزجال، وعبر استرجاعي لبعض الذكريات المتصلة بما عرفته البهجة الحمراء من حيوية ثقافية وفنية إبان العقد السبعيني من القرن الفارط، تبين لي أن الرجل ينتمي إلى نفس الجيل الذي تربت ذائقته الفنية وتشكلت رؤاه ومواقفه في خضم ما عرفه مغربنا ضمن الخريطتين العربية والعالمية من تحركات وطموحات وانكسارات، وأنه على غرار العديد من مجايليه قد أصابته بلوى اﻻرتباط بكل ما هو مغربي أصيل على مستويات التعبير الفني، ﻻ سيما حين نلتفت إلى ما وشجه من صلات بالعديد من الممارسين للإبداع الشعري والزجلي، فنتبين علاقاته برواد ظاهرة المجموعات الغنائية في مغرب السبعينيات والثمانينيات وحتى زمن الناس هذا. وعلاوة على ذلك، ينبغي الانتباه إلى الموروث الثقافي والفني الذي توفرت عناصره في الوسط الأسري للشاعر الزجال الدكتور المنصوري، فمعلوم أن آل المنصوري يتحدرون من منطقة الرحامنة، وهي من المناطق التي اتخذتها القبائل العربية اللسان مسكنا، وفيها ازدهرت أشكال من فنون القول والغناء، لعل أهمها وأشهرها ما يعرف باسم العيطة الحوزية. وعلاوة على هذا الانتماء القبلي ذي البعد العروبي، لا بد من الإشارة إلى أن لمحمد نجيب المنصوري ارتباطا وجدانيا بالمدينة العتيقة مراكش، وخاصة بواحد من أحيائها التي احتضنت رموزا في الماضي والحاضر، أعني حي الزاوية العباسية الذي خصه بقصيدة مما جاء فيها تعبيره عن التغيرات الشنيعة التي طالت هذا الحي مكانا وإنسانا، ومن أشد ما يثير الآلام عنده ما تعرض له ذلكم الحي والمدينة مراكش من بيع للأجنبي. إضافة إلى ما سلف، ينبغي التذكير بارتباط الدكتور المنصوري بالعمل الثقافي والفني في الحاضرة المراكشية، بحيث نجده عضوا فاعلا في العديد من الجمعيات الثقافية والفنية، من أهمها جمعية الشيخ الجيلالي امثيرد التي تهتم بالمحافظة على التراث الشعري والغنائي الملحون، وكذلك اهتمامه بالرياضة والرياضيين. ويوميا تظل عيادته مزارا للكثير من الفنانين الموسيقيين والمسرحيين والرياضيين كذلك، فهؤلاء جميعا يأتون حجاجا ملتمسين الاستشارة الطبية أو متبادلين مع الطبيب الزجال المعارف والمعلومات بصدد ما ينشغلون به من فنون وما ينجزون من إبداعات.
نخلص مما سلف إلى تبين أن الدكتور محمد نجيب المنصوري قد تهيأ منذ زمن الطفولة والمراهقة إلى ولوج عوالم اﻹبداع الفني، فهو الرسام الذي تزين لوحاته جدران عيادته الطبية، وهو الموسيقي العازف على آلة البانجو، ثم هو الشاعر الزجال الذي أنشد الكثير من قصائده في مختلف المحافل المراكشية والوطنية، إذ شارك ببعضها في عدد من الملتقيات والمهرجانات التي تم تنظيمها في مختلف الحواضر المغربية، وكان للدكتور السعيد بنفرحي أن يضمن مؤلفه الموسوم ((مراكش معالم وأعلام في الزجل والملحون)) خمسة قصائد زجلة مما أنتجه الدكتور محمد نجيب المنصوري. ثم ها هو الدكتور المنصوري أخيرا قد اختار إصدار كتاب ضمنه مجموعة من قصائده الزجلة، وانتقى له عنوانا هو ((ميزان لمعاني)). وقد شكل الدكتور المنصوري إضمامته الشعرية الزجلة هذه من 46 نصا مسبوقة بإهداء وتقديم. وعبر في صيغة الـ(إهداء) عن مدى تعلقه بوالديه، بحيث جاءت العبارة مقتصرة على ذكر كل واحد منهما دونما التفات إلى غيرهما من أفراد العائلة واﻷحباب، مع نسبة أي منهما إلى الذات الهادية المهدية (ذات الشاعر الزجال) وكذلك إسباغ الصفات التي تفصح عن حال كل منهما عند تلك الذات: (أمي العزيزة/أبي رحمه الله)، ويفصح هذا الإهداء من جانب آخر عن تعلق الذات الشاعرة بقيم الحب والتقدير، وهي مع غيرها من القيم النبيلة اﻷخرى مما يمكن وضع اليد عليه أثناء القراءة واﻻطﻻع على مضامين النصوص المبثوثة بين جنبات هذه اﻹضمامة الشعرية الزجلة. وتكفي الإشارة في حسباني وظني إلى قيم دعت إليها النصوص الزجلة التي تضمنها هذا المجموع، ومنها ما جاء به الشاعر الزجال في قصيدة (الصرف) حيث نجده داعيا إلى التحلي بقيم الخير والحب والتراحم، وكذلك ما تحدث عنه في قصيدة (الضباب) من غياب للقيم الإنسانية الحق، وكيف هيمنت قيم الاستهلاك المقيتة حيث يتم اعتماد أساليب الاستغفال (البهوت) والاستغلال البشع للقوى والقدرات الإنسانية خدمة لمشاريع غير إنسانية. ينضاف لهذا تخلي المثقف المسؤول عن أداء المهام الموكولة إليه (الفاهم تخلى اوضاع). وهذا ما ييسر هيمنة من (ب نواعرو دار الأتباع).
(2) الفن دون علم لا يعول عليه:
أشرنا في ما سلف إلى اختيار الشاعر الزجال ﻷن تحمل إضمامته عبارة (ميزان لمعاني) عنوانا. وقد جاء بهذه العبارة مضغوطة وبارزة في أعلى الصفحة اﻷولى من الغلاف، ورسم تحتها بألوان متباينة أشكالا حروفية تبدو للرائي كما لو أنها نوطات موسيقية، وذلك ما يحيل على استقبال لفظة (ميزان) في العنوان باعتبارها دالا يفيد الدلالة المعطاة له في اﻻستعمال المتداول في مراكش والحوز. فلنتذكر أن من الإيقاعات الشديدة التداول بين ساكنة مراكش ما هو معروف باسم (الميزان الحوزي) أو (ميزان الواد)، الذي يتم التغني وفقه بالكلمات التالية:
أسيدي يا سيدي
ما يقبل ما يقبل غير اللي خيمتو كبيرة/
وبناتو هايجات ديما/
والزين أداتو حليمة/
أقل لو أقل لو راح الليل أهيا وينا
ومعنى هذا أن الميزان بهذا الاستعمال يطابق الموسيقى واﻻيقاع، ويعني نفس ما تعنيه لفظة (الوزن) حين نريد منها الدلالة على أشكال من (النظم) وفق (بحور الشعر). وهذا ما يمكن التأكد منه ماديا حين قراءة النصوص الشعرية المشكلة لهذا الديوان الزجلي، ومثال ذلك ما نجده في قصيدة (هجرة النص) حين نقرأ قوله في ختام النص:
(يا عجبا على زمان القهرة/
عطاونا الفرتات أخذاوا اﻷسرار/
ملكنا عندهم هادي حقرة/
البسمة تسلب حركات اﻷوتار/
رضينا بالقليل وقهر السخرة/
زيد ف النعاس كبر الشخرة/
تسحلينا النقيل وسط التنبار)،
ومن هذا المثال نلمس بقوة كيف أن الشاعر الزجال مغرم حد الهوس باﻹيقاع الموسيقي، إذ نجده عاملا على انتقاء الكلمات ذات الميزان الصرفي الموحد (القهرة-الحقرة-السخرة-الشخرة- اﻷسرار-اﻷوتار-التنبار)، وهي من اﻵليات الكفيلة بتزويد النص الشعري بموسيقى يغتني بها داخليأ وخارجيأ. ومن يعرف الشاعر الزجال محمد نجيب المنصوري لا بد أن يستحضر شخصه وصوته مع حركات جسده وهو ينشد نصا ما من أزجاله، إذ يتبدى في حضرة شطح ورقص شبه صوفي؛ مما يعني أنه يعيش حالة جذب روحية يترجمها بحركاته الموزونة وفق موازين كلماته وعباراته الشعرية الزجلة. ثم دعوني أتوقف رفقتكم عند السطر الشعري الرابع في ما سبق لنلاحظ حضور لفظة ذات ارتباط بالموسيقى هي لفظة (الأوتار). أما لفظة (لمعاني) التي جاءت مضافا إليها في هذا العنوان، فنسجل بصددها أن الشاعر استعملها بما تفيده في المعاجم، فقد ورد في (المعجم الوسيط) أنها جمع مفرده معنى، وإذا كان (المعنى هو ما يدل عليه اللفظ) فإن كلمة(المعاني) تفيد الدﻻلة على: (ما للإنسان من الصفات المحمودة؛ يقال: فلان حسن المعاني= أي يتوفر على صفات محمودة). وكأننا بالوقوف على مكونات عنوان هذه المجموعة نتمكن من وضع اليد على جانبين رئيسين من مكونات الشعر التيﻻ بد منها، وهي: جانب اﻹيقاع الموسيقي، وجانب المحتوى الفكري والشعوري الذي يستفاد من الكلمات وما تشكله من معاني وما تفيده من دﻻﻻت. وهذا الجانب الثاني جسدته الرسائل التي سعى الشاعر الزجال إلى بثها والتوجه بها إلى متلقي أشعاره الزجلة هذه.
(3) ولا بد من الانتماء لشجرة:
تؤكد العديد من الدراسات الفكرية والمقاربات النقدية أن الأدباء والشعراء يتوالدون من بعضهم البعض، وكان قد سبق لنا في دراسة عن الصلات التي تجمع الشعر الملحون بغيره من الأشكال الشعرية السابقة عليه (الشعر العمودي، التوشيح، الزجل الأندلسي)، كما في دراسة أنجزناها حول استثمار التراث الثقافي والفني من أجل إبداع أعمال فنية حديثة وحداثية، أن نبهنا إلى أن الفعل الإبداعي يتأسس على جدل الاستمرارية واللااستمرارية، أو ما يسميه عدد من الدارسين والنقاد المحدثين باسم التناص الذي قد تكون مكوناته متجلية أو خفية. وعند الاطلاع على النصوص التي يتشكل منها المجموع الزجلي للدكتور محمد نجيب المنصوري لا بد من ملاحظة التناص مع مكونات مستمدة من ثقافة الشاعر الزجال، يقف على رأسها وفي مقدمتها: الشعر الملحون، تليه لغة الزجل الذي تغنت به المجموعات كالغيوان وجيلالة، ثم اطلاع المنصوري على الثقافة العربية شعرا ونثرا. ويمكننا التمثيل لما ذكرناه بما يلي:
تتجلى آثار لغة الملحون في بعض العناوين التي اختارها الشاعر الزجال لقصائده، كما تظهر في متون العديد من النصوص. انتقى المنصوري للنص الأول عنوانا مستمدا من الشعر الملحون ويحيل عليه هو لفظ (السجية)، وتوج النص الرابع بعنوان هو (الحراز) وهو لفظ استعمله شعراء الملحون الشيوخ ووسموا به نمطا من القول الشعري الملحون تميز بكونه ذا طبيعة سردية، بينما عمد المنصوري إلى وسم نصه الزجلي بهذا العنوان وهو يروم هجاء ممارسات وسلوكيات يراها مدانة وينبغي التخلص منها عبر محاربتها في كل المجالات بما فيها مجال الإبداع. كذلك نجده عنون نصا آخر باسم بحر من بحور الشعر الملحون وهو (مكسور الجناح).
ويمكن إبراز التناص مع لغة الزجل الذي أبدعته المجموعات الغنائية التي عاشرها الدكتور المنصوري وتغنى رفقة بعضها داخل الوطن وخارجه، من خلال الوقوف على ما جاء به في النص المعنون: (رسام لمخاطفة) من ألفاظ وعبارات تدفع المتلقي صوب استحضار الأغاني التي اشتهرت فيها، فإذا اتفقنا على أن هذا النص يتشكل من ستة مقاطع زجلية، فإن في بداية المقطع الثاني تستوقفنا عبارة البدء القائلة (السايك تالف) وتحيلنا بالتالي على أغنية مجموعة “المشاهب”، وفي الشطر الثاني من المقطع الرابع تتم عملية تناص مع أغنية لـ”الغيوان” عبر استحضار عبارة (لعوافي زاندة). بل يمكن القول إن العنوان في حد ذاته يتناص بشكل خفي مع أغنية (رسامي) لمجموعة “المشاهب”. وفي النص الموالي، وعنوانه (الحركة)، نقف على تناص مع إحدى أغنيات الغيوان إذ استعمل الزجال عبارة (ضربة تابعة ضربة) في البيت السابع، وفي البيت السادس عشر أنجز تناصا مع إحدى أغاني مجموعة “نواس الحمراء” باستعماله عبارة (الضر الخافي).
بدا الشاعر الزجال محمد نجيب المنصوري في اختياره لألفاظ وعبارات معربة، ضمنها نصوصه، أو اتخذها عناوين لنصوصه الزجلية، غير معني بما سطره الزجالون السابقون عليه، من ضرورة الالتزام بالألفاظ الدارجة على الألسن فحسب، وعدم استعمال الألفاظ والعبارات المعربة التي تخضع للقواعد. وذلك أن استعمال المعربات هو ما سماه أحد منظري الزجل المشارقة ((التزنيم))، أعني صفي الدين الحلي في (العاطل الحالي والمرخص الغالي)، معتبرا التزنيم عيبا، ولهذا السبب لم يذكر ابن سناء الملك في مصنفه (دار الطراز) أزجال الشاعر الزجال المغربي ابن غرلة، فلأنه كان وشاحا وزجالا، فقد كان ما يني يخلط في أزجاله بين المعرب والملحون. لكن ابن حجة الحموي في مؤلفه: (بلوغ الأمل في فن الزجل) لا يكتفي بذكر العديد من النماذج لمن كانوا يستعملون التزنيم في أشعارهم الزجلة، وعلى رأسهم إمام الزجالين ابن قزمان الذي قال في خطبة ديوانه: (… والإعراب هو أقبح ما يكون في الزجل، وأثقل من إقبال الأجل…)(2)، بل بعد استعراضه للنصوص الموشحة والزجلة التي شابها التزنيم يصل إلى تسجيل الحكم التالي: (… وعند الجميع أن التزنيم في الموشح أقبح منه في الزجل، لأن من أعرب في الملحون فقد رد الشيء إلى أصله، ومن لحن في المعرب فقد زل عن الطريقين وخالف المذهبين.)(3)، وبهذا يكون الشاعر الزجال نجيب المنصوري في استعماله لألفاظ وعبارات معربة، على غرار اتخاذه الألفاظ التالية عناوين لقصائده: ( الجهل – الخسارة – اغتيال مكتبة شاعر – هجرة النص – فصول – لمسة – غزة وكأس العالم)، قد سار على نفس النهج الذي سار عليه أسلافه من الزجالين المعتبرين، وفي مقدمتهم زجالو المغرب والأندلس كابن قزمان وابن غرلة، وشعراء الملحون الشيوخ الذين تمكنوا من تحميل المعرب تلك البصمة/اللكنة المغربية الوارثة للتراث الأندلسي المتجذر حضاريا.
هوامش:
*قراءة في المجموعة الزجلية “ميزان لمعاني” للدكتور محمد نجيب المنصوري، الطبعة الأولى 2019، المطبعة والوراقة الوطنية. تم تقديمها يوم الجمعة 06 نونبر 2019 بقاعة المحاضرات، خزانة مقاطعة النخيل.
1)ص41 “من يخاف مدينة النحاس؟” رواية، فوزي كريم، ط1/2018، منشورات المتوسط – إيطاليا.
2)ص17 ديوان ابن قزمان القرطبي (555 هـ/1160م) “إصابة الأغراض في ذكر الأعراض”، تحقيق وتصدير: فيديريكو كورينتي، تقديم: محمود مكي، منشورات المجلس الأعلى للثقافة جمهورية مصر العربية، القاهرة 1415هـ/1995م.
3) نفس المصدر السابق.
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي