
فلنلعب راكبين زورق الطفل محمد أمين بنيوب
محمد بوعابد (أبو ريم)*
تقترح علينا فرقة أرتو للمسرح وفنون العرض أن نركب زورق الطفل الجميل محمد أمين بنيوب، ونسافر معه وبقيادة صديقه الشهيد إيلان كردي عسانا نستكشف جدوى الفعل الفني المضمخ بعطور الفكر الحكمي والشعر المتعدد الأسامي، ما دمنا في ظل الشروط الموضوعية التي نعيشها وطنيا وقوميا وإنسانيا قد تتبادر إلى الذهن جملة تساؤلات، يمكن تلخيصها في ما نفع الكتابة الإبداعية، وما جدوى الفنون من رسم ورقص وتشخيص مسرحي وسينمائي، والعالم ينام ويستيقظ كل يوم على القتل والتدمير للإنسان وما استطاع تشييده وبناءه من صروح عمرانية ومن أنساق فكرية ونظم اجتماعية وأخلاقية؟ هل يمكن الاكتفاء باستعادة ما كان يقول به بعض المستقبليين من أنهم لا ينتجون لأناس زمنهم، بل لأناس الأزمنة القادمة، أو أن نتجمل بترديد ما كان قد كتبه الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه في مؤلفه: “أبعد من الخير والشر”، وبخاصة قوله: ((أكتب من أجل صتف من الناس ما وجد بعد. أكتب من أجل سادة الأرض الذين لن يلبثوا قادمين. فأنا أراهم قادمين، وقد تسلحوا بإرادة قوية وجبارة، وبرغبة في التجاوز مع قدرة على تحمل وزن الأرض دونما انهيار تحت ثقلها. هؤلاء الناس سيمتلكون القوة لصوغ سبل جديدة، ونظم قشيبة، وقيم أكثر جدة. فلا الوحدة ترهبهم ولا غياب التفهم والتفاهم، فهم يعلمون بأنهم مبدعو المستقبل. ولسوف يمتلك هؤلاء الناس شجاعة مواجهة الواقع مثلما هو كائن وموجود، وليس مثلما تود رؤيته الأوهام والأحكام المسبقة التي عند الآخرين. فلسوف يكون هؤلاء الناس مهندسي إنسانية الزمن القادم، ورواد عالم لا يخاف من الحقيقة.))، وكيف سيسعنا الاكتفاء بالإيمان بأن المستقبل سيكون أفضل من هذا الحاضر الغالبة عليه دياجير اليأس عالميا، والذي لا تنذر وقائعه سوى بالمزيد من أشكال الموت، ولا تؤشر أحداثه سوى على المزيد من أنواع الخرابات وأصناف والنهايات: خراب ونهاية الطبيعة، خراب ونهاية المجتمعات البشرية، خراب ونهاية التاريخ، خراب ونهاية الإنسان بخراب ونهاية القيم الإنسانية النبيلة في الفكر والسلوك الإنسانيين.

عن الإنسان قضية تحدثنا وسنظل نتحدث:
في البداية ما الإنسان إلا أنا وأنت، وهو وهي، ونحن وأنتم، وهم وهن. ما الإنسان إلا هذه الجموع البشرية التي تترامى أجسادها فوق حبة العدس هذه الحبة الدقيقة التي تمضي سابحة في الكون جنبا إلى جنب العديد من الكواكب في الأفلاك التي تتشكل منها مجرة درب التبانة، أو قل ما الإنسان ماضيا وحاضرا ومستقبلا إلا هذه الجموع البشرية التي احتضنتها قارات هذه الليمونة الزرقاء كما قال بول إلوار مرة، وهي نفسها الجموع التي استطاعت تطويع خيرات ومنافع كما تمكنت من صنع ما به تدمر وتخرب وجودها وما يضمن استمراريتها وتواصل من سيخلفونها. ودعونا نرى الإنسان فينا أولا، ونتبين ما يجعلنا كذلك إنسانا إنسانيا، لا مجرد إنسان حيوان، أو إنسان روبوت. قد تكون العلاقات التي نؤسسها بيننا، ونعمل على تمددها واستمرارها، فنستجيب عبرها على احتياجاتنا المادية والمعنوية، الفكرية والوجدانية، هي التي تقدرنا على أن نكون ونظل أناسا إنسانيين، نحتفي بالطبيعة مجالا للعيش، ونحتفل بالتجمع البشري من خلال العائلة والصحبة والمواطنة.
لكن، للأسف، من الكائنات البشرية من تعيش في قوقعة نفسها، وفي حدود ذاتها الفردية، ومنها من إذا مدت أعينها بغاية الإبصار لا تكاد تبصر سوى من يشبهونها في اللون ومن يشاركونها ذات اللسان بنفس التفكير وعين الرؤى والمواقف، ولا تستطيع بالتالي استخدام بصيرتها القلبية، لترى أبعد من أنفها. وقلة قليلة، حد النذرة، من بمكنتها تعميق انتمائها لا لبني جنسها ووطنها فحسب، بل تجدها عاملة ناصبة من أجل تأكيد انتمائها إلى العالم في بعده الإنساني الشامل، مصداقا للقول الشريف: ((كلكم من آدم، وآدم من تراب)).
المقترح إذن هو الإبحار في زورق أيلان:
“زورق أيلان” نص مسرحي من تأليف الد.محمد امين بنيوب الحاصل على دبلوم المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وعلى الدكتوراه، وهو المؤلف الذي صدرت له مؤلفات من بينها عناوين مسرحية، نذكر منها: مسرحية ((فدان عبد الرحمان)) ومسرحية ((كرنفال)) ومسرحية ((حكايا السيرورا))، ثم مسرحية ((زورق إيلان))
وحين نروم الحديث عن المسرح، أي مسرح، يلزمنا التمييز بين التاليف ككتابة نصية أولى وبين الإخراج ككتابة ثانية. وفي الحالتين معا تظل الكتابة فعلا وجوديا في العالم، مثلما تلبث موقفا أخلاقيا من العالم ومما يحدث فيه. وكان قد سلف للسيميائي الفرنسي رولان بارط أن سجل في مؤلفه: “درجة الصفر (1)في الكتابة” بأن (اللغة والأسلوب أشياء مادية تستخدم، بينما الكتابة وظيفة عملية لأنها الصلة الرابطة بين الإبداع والمجتمع.). ودعونا نركز هاهنا على أن ما يبقى من المسرح، بعد العروض مهما تعددت، إنما هو النص الأدبي المكتوب، وذلك مصداقا لما حبره د.محمد الكغاط في مقدمة بحثه، وهو قوله: (إن من يذهب إلى أن المسرح المصري القديم هو أصل المسرح اليوناني يعتمد في قوله نهذا على نصوص مسرحية، وبعض من يجرد الأشكال الثمثيلية العربية من الصفة المسرحية يفعل ذلك بحجة افتقارها إلى النصوص.)[ص5]. قد يزعم البعض بأن من الممكن إبداع عرض مسرحي استنادا إلى سجل العناوين الهاتفية، أو اعتمادا على فكرة يرتجل بصددها، ولكن الحق أن المسرح نص أدبي أولا، ثم تحقيق إخراجي.
وينبغي الانتباه إلى أننا سنتعامل مع النص الأدبي الذي أبدعه د.محمد أمين بنيوب، حين قام بتأليفه وعنونه ب”زورق إيلان”، وجاء به متكونا من ثمانية فصول، جعل لكل واحد منها عنوانا خاصا. وهذا العنوان الشامل للنص يحفز المتلقي على افتراض أن هذا النص سيتناول بالمعالجة المسرحية قضية اللجوء الناجمة عن الهجرة والنزوح مادامت لفظة “زورق” تفيد الدلالة على الانتقال من شط إلى آخر، هروبا من واقع بئيس، لا يجد فيه الهارب منه والنازح إلى غيره ما يسعفه على العيش في أبسط معانيه وأهون شروطه، ومادامت هذه اللفظة قد تمت إضافتها إلى الاسم العلم “إيلان” الذي تم التعريف به بكونه اسما لطفل سوري من الأكراد، كان قد توفي غرقا في البحر المتوسط سنة 2015، ورمى بجثته البحر على شاطيء تركيا، وكانت صورته قد اثارت موجة من التعاطف والغضب العالميين تجاه أزمة اللاجئين.
ولقد صاغ المولف بنيوب نصه المسرحي هذا في لغة عربية معيارية باذخة، معاجمها تمتاح نسغها من الشعر والفكر، وتستمد تراكيبها النحوية وأساليبها البلاغية من الفكر الملتزم بالقيم الإنسانية النبيلة ومن الوجدان المنفعل بما يعاش عالميا في هذا الزمن الحديث، كما من الروح الراغبة عن ذاك الواقع المعيش والساعية لإبداله بواقع أكثر إنسانيةن وهذا ما نستفيده من الدلالات والمعاني التي تشير إليها ألفاظها وتعابيرها الكلامية التي تحكي بها واقعها المادي والنفسي.
ولقد تخلى الكاتب الدراماتورج محمد أميين بنيوب عن بناء هذا النص المسرحي وفق ذلك البناء الكلاسيكي الذي يتجسد في الفصول المتكونة من مشاهد تتحدد بدخول وخروج الشخصيات، واختار تشييده من ثماني لوحات يكاد المنظر فيها لا يتغير إلا قليلا، فأحداثها جميعها تقع بين البحر وسط الزورق وبين الشط والشخصيات تقتعد كراسي خشبية فوق الرمال. فجاءت اللوحات مبتدئة من لحظة الوصول إلى أرض النزوح (إيطاليا)، لتعود بنا – نحن المتلقين، قراء ومتفرجين في العرض – إلى ما قبل ذلك من لحظات ركوب البحر هروبا من جحيم الوطن، فنزوحا وبلوغا حتى أرض المهجر حيث الأمل بتأسيس وجود جديد واكتساب هوية غير التي كانت لكل واحدة من تلك الشخصيات المسرحية. انتهاء بتركنا نتساءل عن مصير هذه الشخصيات المسرحية في هذا المدى الأوروبي، هل سيتيسر لها بدء حياة سعيدة؟ماذا سيكون واقعها وموقعها في تلك البلاد الغربية والغريبة؟
الشخصيات المسرحية:
اختار بنيوب لتقديم أحداث مسرحيته هذه إسنادها لثلاث شخصيات، امرأتين ورجل. هل ليؤشر على القسمة التراثية التي نعرفها في الإرث؟ أم بغاية توضيح أن الحضور الأنثوي في العالم يماثل الضعف للحضور الذكوري؟ لندع ذلك للتأويل، ولنمض قدما للتعرف على هده الشخصيات التي تمخر عباب البحر من سوريا حتى إيطاليا. يقول صالح في اللوحة الأولى معرفا بهذه الشخصيات الثلاثة: (واحدة حالمة، وأخرى متمردةن وثالثهما شيخ معتوه، يحب الرقص والغناء)، وفي اللوحة الثانية تعرف يارا بهم قائلة: (نحن الثلاثة وجدنا صدفة…جمعنا القدر)، وتضيف في اللوحة الثالثة: (نحن الثلاثة ذرة أمل وعقل ومحبة وتفاؤل…).
وقد كان من المألوف في المسرح الكلاسيكي ان يتم التعريف بالشخصيات المسرحية منذ البداية. ولقد عمد بنيوب إلى تقديم تعريفات مختصرة بشخصيات مسرحيته “زورق إيلان”، ولكنه في اللوحة الثالثة منحها الكلمة لتعرف بنفسها. فإذا كان قد كتب عن صالح الشامي بأنه: (60سنة حارس ليلي، رقم الهجرة:GH22785) فإن صالح يقدم نفسه بقوله: (كنت موظفا محترما)، ثم يحكي كيف أجبره طوفان الخراب والدمار على ترك كلبه وسلحفاته والهروب بجلده. ثم نزداد معرفة به في اللوحة الرابعة، إذ يخبرنا عن ئأبيه المناضل الوطني الذي قدم حياته فداء للوطن، فما حصد ابنه وزوجته سوى ما عبر عنه بقوله (فقدنا الثقة في الانتماء للوطن)، فهو لم يتمكن من إتمام الدراسة، فاضطر للالتحاق بالعمل (حارس ليلي). وفي اللوحة الخامسة يعترف صالح بحقيقة أن (كل واحد يستوطن بداخله طفل شقي أو طفلة شقية)، ويشرع في تشييد مجسد من الرمال ل(معهد موسيقي) كان يحلم بارتياده ليصير (عازفا ومغنيا مشهورا). وإذا كان قد عرف بيارا البابلي بأنها: (50سنة، أرملة، أستاذة تاريخ المسرحن ممثلة، رقم الهجرة GL22786)، فإن يارا تحكي قصة فقدها لابنتها (ريتا)حين تهدم بيتها العائلي، فلم تتمكن من إقامة جنازة لابنتها وتبرر ذلك بالقول: (أية جنازة… الأجساد مترامية…مكومة…بعضها فوق بعض…أقدام جحافل… احفاد هولاكو…تزحف بلا رحمة ولا شفقة(…) في مثل هذه اللحظات، يكون الإنسان مجبرا على أن ينسى كل الجراحات والثخون… لكي ينطلق نحو سفر جديد)، والانطلاق نحو سفر جديد يعني الأمل في الغد، وهو ما كانت تفصح عنه يارا منذ البداية، ففي اللوحة الأولى تخاطب رفيقيها: (تمسكا بالأمل. غدا ستحل صباحات أخرى.(…)سنعيد بناء العالم…سنمنح للإنسان فرصة لترميم جراحاته والعودة للديار مجددا.) فهي تؤمن بوجوب التمسك بالحلم، لأن (بمقدور الإنسان ان يبحث عن حل لمصيره. سلاح الإنسان عقله وفكره وأيضا سخريتهن لكي يستمر في الحلم. على الأقل، في جعبتنا لحظات حلم.)، ورغم وعيها بحقيقة أن (العالم سيستمر هكذا بعنفه وطواحينه. إذا لم يجد بعض العقلاء لصده وتوقيفه. فإن الانهيار سيكون لا محالة مزلزلا ومدويا) فإنها ترى في ذاتها وذوات جماعتها (ذرة امل وعقل ومحبة وتفاؤل…). وما كانت يارا لتكون متفائلة من فراغ، إنها (أستاذة مسرح وممثلة)، وليس بوسع من ابتلي مثلها بعشق الإبداع الفني والجمالي إلا أن يكون متفائلا، خاصة حين يكون مثلها وليد وسط اجتماعي متوسط، والداه موظفان، وحالفه الحظ… فحتى عندما ينبغ واحد من بين أفراده يضطر إلى الهجرة لأن (الوطن يحتفل بالجهلاء. البلاد تقدس الكسل. السلطة تمنح المكافآت للجبناء. المجتمع يشجع النفوس الضعيفة والطيعة.) بحسب ما تصرخ به يارا محتجة على تضييع النوابغ من أبناء الوطن، وذلك كان مصير أخيها (جمال) النابغة في الرياضيات، الذي اضطر للهجرة بحثا عن الحرية فتلقفته إحدى الجامعات الأمريكية ف(داع صيته في الرياضيات)، وتعترف يارا بأنها حققت حلمها وأنها (حاولت جاهدة) أن تساعد غيرها، وأن توجههم (لكن الطوفان… اكتسح الأخضر واليابس. موجات الطوفان كانت أقوى وغير منتظرة)، لاسيما وهي قد عاشت الترمل بعد موت زوجها في حادث سيارة، وفقدت فلذة كبدها مع حلول طوفان الخراب والدمار.
ثم إذا كان التعريف المختصر بشخصية شامة الأندلسي يقدمها كالتالي: 30 سنة، مجازة، عاطلة، رقم الهجرة GI22787، فإنها حين تتناول الكلمة للتعريف بنفسها تصرح بكونها لا أسرة لها، وتذكر أن لها اسما هو (شامة الأندلسي) رغم جهلها بالأندلس، وما سبق لها زيارتها. ولعل اختيار تسميتها ب(شامة) ناجم عن وشمها بالشؤم، وأن تكنيتها بالانتساب إلى (الأندلس) أريد به التأشير على وضعها في نفس وضع (الفردوس المفقود)، فهي تصرح لرفيقيها قائلة: (صدقوني طوال حياتي وأنا أبحث عن هويتي. عندما وعيت العوالم من حولي، ربما في سن السابعة أو الثامنة لا أتذكر. أخبرتني المرشدة الاجتماعية أن الشرطة وجدتني قرب المزبلة… في الشارع العام…) وككل الشخصيات التراجيدية الرافضة لواقعها تصرخ (شامة) محتجة عبر السؤال: ( من تخلى عنا؟ من تركنا نواجه مصيرنا لوحدنا؟ أهو الوطن!!ماذا يعني الوطن؟) ومنددة بواقعها في الماضي والحاضر: (ولدت في الطرقات ابنة غير شرعية… ها انذا…في مغامرة بحرية… لكن هذه المرة … مهاجرة سرية غير شرعية…).
تؤكد هذه الشخصيات المسرحية على قدرة الإنسان على مواجهة واقعه المادي والنفسي البئيس مهما عظم، وسعيه لأجل تغييره، فليس هروبها من حيث طم طوفان القتل والخراب إلا بحثها على ما يضمن لها استمرار الوجود في شروط موضوعية أفضل وأحسن، وإلا من أجل التوفر على ما يسعف حياتها على النمو والازدهار، فلا واحدة من هذه الشخصيات تملصت من ماضيها، جميعها تحمل ماضيها بجروحه وما التأم من ندوبه جنبا إلى جنب ما تأمله من أفراح مستقبلية، معضدة كل ذلك بما تمتلكه من قدرات على المواجهة وعلى الخلق والابتكار.
تمجيد المسرح تمجيد الإبداع:
اختار الكاتب الدرامي محمد أمين بنيوب أن تكون شخصيات مسرحيته هذه ذات نزوع فني في أغلبها، فإن كانت شامة في اللوحة الثانية تمجد يارا بقولها مخاطبة صالح: (اتركها تتكلم يارا. إنها المرأة الوحيدة التي تتملك الجرأة في قول كلام صادق وصادح.)، فما ذلك إلا لأن يارا الصادقة تجسد الإنسان المبدع الفنان، فهي لا تتنصل من ما اختارته عن قناعة، بل التزمت به في حياتها، إذ تعيشه قولا وفعلا، فحين اتهام صالح لها ولجموع الممثلين حين قال: ( طبعا الممثلون والممثلات. ما داموا يلعبون أدوارا متخيلة فهم يشكون في أسمائهم وشجرة أنسابهم وحتى في جذور أصولهم.)، ترد عليه بالقول: (المسرح هو الفن الوحيد، المتبقي لاكتشاف جوهر الإنسان وحماقاته اللامتناهية. الممثل هو الشخص الوحيد الذي يقدم للعالم المعاينة والحجة والتحليل، لإثبات فرضية أن الإنسان، عندما يفقد صوابه، يحول البشرية إلى سوق عام يفتح فيه المزاد العلني للبيع والشراء والسبي والاغتصاب.)
قد تمثل شامة وصالح برأييهما المتباينين في يارا ذلك الجمهور المتلقي لما يقدمه المبدعون من أمثال يارا، لكن لنلاحظ كيف أن الشخصيات الثلاثة ستقوم في اللوحة الخامسة بالاعتراف بحقيقتها وهي تلعب بالرمال. وعلينا أن نتذكر بأن ممارسة المسرح، أب الفنون، وممارسة أي فن من الفنون السبعة تتم وتتحقق عبر فعل اللعب، إذ في ممارستنا لفن من الفنون نمارس اللعب، سواء بالألوان أو بالكلمات أو بالتشخيص، وفي جميع الحالات تجدنا مستعيدين للطفولة ذهنيا ووجدانيا، لأن استعادة الطفولة هي استعادة للقدرة والاستطاعة على ممارسة الحياة باندهاش وبالتذاذ، وهي في الوقت نفسه مواجهة للخراب والدمار بالفعل الإبداعي الذي جسده اللعب بالرمال من قبل الشخصيات المسرحية، مع تذكرها لما كانت عليه أحلامها ولما آلت إليه: فشامة تبني منزلا حلمت به جامعا لها مع أمها التي ما تيسر لها التعرف عليها، وصالح يشيد معهدا لتعليم الموسيقى كان يحلم بولوجه ليصير نجما شهيرا بدلا عما صار إليه حارسا ليليان أما يارا فتنشد للمستقبل المأمول لابنتها المغتالة تحت الأنقاض، والتي كانت تعشق الشعر والشعراء الكبار من مختلف الأجناس والثقافات، إن يارا تنشئ مكتبة ابنتها (ريتا) من الرمال، وتتذكر جبران خليل جبران بما أنه شاعر ابنتها ورفيق مكتبتها وطيف أحلامها.
تواجه يارا رفيقيها في اللوحة السادسة بحقيقة تمجيدية لما تمارسه من فن، إذ تعيد عليهما القول ب(أن المسرح هو الفن الوحيد الذي يحلل الإنسان يعرف بحقيقة وجوده). فهو، من وجهة نظرها، يمنح (الأمل في العبور والنجاة)لهذا الكائن المجهول من قبل نفسه، والجاهل لما له من القدرات على الخلق والإبداع، ما دام هذا الكائن يمضي من ماضيه البئيس بمآسيه المحمولة في الذاكرة وعلى الأكتاف، عابرا به حاضره، رانيا إلى المستقبل الذي ما يزال محتضنا من طرف الغيب وقد تمسك بعناقه واعتناقه للأمل بعزم وصبر، مهما شح ذلك الأمل ومهما نضبت مياه جداوله، فهو يحفر في الصخر ليبثق الماء. ولعل ذلك ما انتهت إلى بيانه والحث عليه اللوحة الأخيرة عبر ما تنادي وتدعو إليه الشخصيتان الأنثيان من تمسك بالأمل، ومن تفتيش عن (الحرية والأمان)، و(عشق للحب والجمال والسلام).
مراكش/أيت أورير الأحد25ماي2025
.
هوامش:
*محمد أمين بنيوب: “زورق أيلان. ذاكرة التيه الربيع العربي”
(1)Roland Barthes: “Degré Zéro de l’écriture”; P:14, ed: Seuil.
(2)محمد الكغاط: (( بنية التاليف المسرحي بالمغرب من البداية على الثمانينيات))، ص:5، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1986
تم تقديم هذه الورقة في المركز الثقافي أيت أورير ضمن فعاليات الويكاند المسرحي لأرتو في نسخته الرابعة تحت شعار (المسرح فرجة وتأطير) أيام 23/24/25 ماي 2025 .
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي