الرئيسية / ابداعات / سجود – محمد رمضان الجبور

سجود – محمد رمضان الجبور

سجــود

محمد رمضان الجبور*

 

يستيقظ عبدُ الجبّار مع انبثاق أولى تكبيرات العيد، تلك التي خرجت من حناجر المآذن لتخترق جدران قلبه قبل أن تلامس جدران بيته. يرتجف شيء ما في داخله، كأنّ النداء جاء من زمنٍ بعيد… زمنٍ كانت فيه القدس أوسع، والمسجد أقرب، والعيد لا يُحاصر بالجند والبنادق.

ينهض ببطء، ، يتوضأ على مهل، ثم يمدّ يده إلى القمباز المعلّق على مسمار في الخزانة، ذاك القمباز الرماديّ الذي نسجته أمّه قبل خمسين عاماً، وقالت له يومها: “البسه في الأعياد، أو إذا عُدت من الأسر.”

ومنذ ذلك الوقت، لم يرم عبدُ الجبّار القمباز من ظهره كلّ عيد.

لفّ الحطة الفلسطينية حول رأسه كأنّه يعصب جرح وطن، وأمسك بعكازه، ذاك الذي لم يكن مجرّد خشبة، بل رفيق الدرب في المسيرات والمواجهات، وشاهدًا على العجز الذي تسلّل إلى ساقيه بعد أن باغتهما العمر.

يخرج إلى شوارع القدس، والمدينة توشك أن تستيقظ. تتنفّس الطرقات نسيمًا خفيفًا مشوبًا بالحذر. يمشى عبد الجبّار ببطء، كلّ بضع خطواتٍ يتوقف، يضع كفّه على الجدار ليتنفس، ثم يُتابع.

يمرّ بحيّ باب الساهرة، فيتمتم:

– هنا كنّا نشتري الحلوى، وأبي كان يهديني سُبحة كلّ عيد.

عند باب العامود، يتوقف طويلًا، ينظر إلى درجاته ويقول:

– هنا كنت أخطب في الناس… وهنا طاردناهم ذات يوم، حجارةً في وجوه البنادق. يكمل المسير، يحيّي الأرصفة، يشمّ رائحة الرطوبة على جدران الحوانيت المغلقة، ويمسح بكفّه على جدار خان الزيت، وكأنّه يودّع صديقًا قديماً، يقترب من باب الأسباط، حيث يُفضي الطريق إلى الحُلم: المسجد الأقصى. لكنه لم يَبلُغْه.

الجنود هناك، في الصف الأول من المشهد، مدجّجين بالأسلحة والهراوات، وجوههم باردة كأقنعةٍ من رصاص، وراءهم حشود من الناس… نساءٌ يحملن المصاحف، رجالٌ يرفعون بطاقاتهم، أطفالٌ يُحاولون أن يفهموا لماذا يُمنعون من دخول المسجد، هم فقط يريدون الصلاة، الكل يعود للوراء والبنادق تدفعهم، يحاول عبد الجبار أن يتقدم، يدفعه جندي شاب يحمل بندقية أطول منه

يقول له بفظاظة:

– ارجع. ممنوع المرور.

أشار عبد الجبّار إلى المسجد بيده المرتجفة، وقال:

– لا أريد إلا أن أُصلّي. ركعتين فقط. أنا رجلٌ مسن، انظر إليّ، لا أحمل إلا عكازي.

لم ينظر إليه الجندي.

كرر:

– ممنوع. هناك قرار. ارجع.

حاول عبد الجبّار أن يتقدّم خطوة، فرفعت البنادق في وجهه .

ينظر حوله، يرى الوجوه المتعبة، دموع الأطفال، تكبيرات محبوسة في الصدور، ثم يبتسم ابتسامة واهنة، ويقول للجندي:

– إذا كان الأقصى بعيدًا على قدميّ، فهو قريبٌ من قلبي.

يستدير ببطء، والعكاز يُقرع الأرض كنداءٍ خافت، وفي الطريق، يجلس تحت ظلّ زيتونةٍ قبالة السور، ويضع يده على صدره، ويتمتم:

يغمض عينيه، ويكبّر…ويردّد خلفه العابرون:

– الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.

ويعلو التكبير، وتزداد الحشود خلف عبد الجبار

ويتجلّى المسجدُ الأقصى لهم فسيحًا، لا تحيطه جدران، ولا تغلق أبوابه قرارات عسكرية.

وفي تلك اللحظة، تمرّ حمامةٌ بيضاء، تطوف حولهم وفوق رؤوسهم، ثم تحلق فوق السور باتجاه القبة، ويراها الناس، ويصرخ طفلٌ قائلاً لأمّه:

– ماما، الحمامة دخلت الأقصى!

فيبتسم عبد الجبّار، ولم يفتح عينيه، ثم يهمس كمن وصل:

– وصلتُ…

وفي اللحظة نفسها، تنزاح سحابةٌ عن الشمس، ويسقط شعاعٌ من الضوء على وجهه، كأنّ السماء أذنت له بالسجود، ولو مرّةً… من حيث هو.

 

قاص من الأردن

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً