الرئيسية / الأعداد / بين التحولات الرمزية والانكسارات الإنسانية: قراءة تحليلية في “القنينة” لـ “قائد غيلان”  – نجيب التركي

بين التحولات الرمزية والانكسارات الإنسانية: قراءة تحليلية في “القنينة” لـ “قائد غيلان”  – نجيب التركي

بين التحولات الرمزية والانكسارات الإنسانية: قراءة تحليلية في “القنينة” لـ “قائد غيلان”

 

نجيب التركي*

مدخل:

غواية العنوان ورحلة الاكتشاف: عندما اقتنيتُ مجموعة (القنَّينة)، كان العنوان وحده كافيًا ليستفز فيّ شغف القراءة، لم تكن توقعاتي تتجاوز حدود الانطباع الأول، لكنني سرعان ما وجدت نفسي أمام تجربة سردية تتجاوز الظاهر، حافلة بالتحولات الرمزية والأسئلة الوجودية، منذ القصة الأولى خروج، برزت ملامح عالم داخلي يُعيد تشكيل الواقع من منظور غرائبي، ليضع القارئ أمام رحلة معقدة تتقاطع فيها الأسئلة حول الهوية، الجسد، والرغبة.

الجسد كفضاء رمزي: من الأصابع إلى الذراع المفقودة

في قصة خروج، يشكّل التحول الجسدي نقطة انطلاق رمزية لكشف القلق الوجودي والاندفاعات الحسية الكامنة، الأصابع التي تبدأ بالاستطالة تصبح رمزًا للرغبة والاندفاع نحو المجهول: «استطالت أصابعي قليلاً وصارت أكثر نهماً، لكأنّ الحواس تجمّعت في أطراف أصابعي» هذا التحول التدريجي لا يُعبّر عن الاضمحلال، بل عن رغبة في التجريب والانغماس الحسي، وهو ما يتعارض مع التحول الحاد والمباشر في المسخ لـ “فرانز كافكا”، حيث يصبح الجسد حاجزًا يعزل (غريغور سامسا) عن العالم الخارجي ويحوّل وجوده إلى عبء.

التحولات الجسدية في مجموعة القنينة لا تتوقف عند الأصابع، بل تأخذ بعدًا أعمق في قصة (رجل بلا ذراع) هنا، يتحول الفقدان من استعارة إلى حقيقة ملموسة؛ الذراع المبتورة تمثّل فقدانًا للقدرة على التفاعل مع العالم، وتكشف عن أزمة الهوية والضعف البشري في مواجهة التغيرات الحتمية، هذا الانتقال من التحول الرمزي في خروج إلى الفقدان الواقعي في رجل بلا ذراع يخلق استمرارية موضوعية تعزز وحدة المجموعة.

الثنائيات السردية

التوتر بين الحرية والقيود: يتكرر في قصص المجموعة توتر دائم بين الرغبة في التحرر والقيود الاجتماعية أو الذاتية، في صورة تذكارية، يصبح تصوير القدم رمزًا لرغبة مكبوتة في إثبات الذات وتوثيقها، لكنها تصطدم بالمحظورات الاجتماعية والدينية، المجتمع لا يتقبّل هذه المحاولة البسيطة، بل يبالغ في تقييدها، ليصل الأمر إلى رفع القضية إلى المفتي الذي يُحرّم تصوير القدم، النهاية السريالية، التي تصور الكاتب مُحاصرًا بالمصورين والفضوليين، تكثف شعور الحصار الاجتماعي والرقابة المستمرة.

التعددية الرمزية والأنساق المتكررة: من أبرز ما يميز القنينة هو التكرار الرمزي في بعض عناصر القصص: (الأصابع، الذراع، الساق) تتكرر في قصص مختلفة، مما يعزز ثيمة الجسد بوصفه مركزًا للتحولات، كذلك، نلاحظ ثيمات أخرى تتقاطع في معظم النصوص، مثل: (المرأة، الحلم، الرقص، العسكر، الحرب، الحب، العود) هذا التكرار ليس تكرارًا عشوائيًا، بل يخلق شبكة دلالية تربط بين القصص، لتمنح المجموعة وحدة عضوية تتجاوز الشكل التقليدي للقصة القصيرة، وكأن كل قصة فصل من رواية متشظية.

 بين التوثيق والتخييل: قصة (شظايا) كنموذج: في نص شظايا، يمزج الكاتب بين الوصف المكاني المكثف والتفاصيل الزمنية لخلق مشهد أشبه بلوحة سينمائية، الانتقال المفاجئ من الليل إلى الصباح ومن موقع إلى آخر يضفي على النص طابعًا تجريديًا، لكنه يربك القارئ في تتبع الحبكة، الشخصيات تظل غامضة، مما يترك مجالًا للتأويلات المفتوحة، كان بالإمكان تعزيز النص بالتركيز على موقع مركزي واحد لإبراز جوهر الحدث بشكلٍ أكثر تماسكًا.

البنية السردية واللغة: على الرغم من قوة الرمزية والتجريب في القنينة، فإن بعض القصص بدت وكأنها خواطر أكثر من كونها قصصًا متماسكة، النصوص تتفاوت في قوتها، حيث تبرز قصص مثل: (خروج، رجل بلا ذراع) بنضجٍ سردي واضح، بينما بدت نصوص أخرى أقل تماسكًا، مثل: (فراشة، وموعد).

اللغة في المجموعة بسيطة وسهلة الوصول، لكنها أحيانًا تميل إلى التكلف في بعض المواضع، كما أن هناك بعض الأخطاء الإملائية وتكرار الكلمات، مثل (شنطة) التي ظهرت في نصَّين، وكان من الأفضل استبدالها بكلمة (حقيبة).

دعوة للتأمل في التحولات المستمرة: تضعنا مجموعة القنينة أمام رحلة داخلية مليئة بالتحولات، حيث يصبح الجسد مرآة للذات وميدانًا للصراعات الداخلية، النصوص، وإن بدت مُنفصلة في ظاهرها، فإنها تُشكّل معًا شبكة من الرموز والدلالات التي تحث القارئ على تأملها في ضوء تجربته الخاصة، هذه المجموعة ليست مُجرّد قصص عابرة، بل هي مشروع سردي يستحق الوقوف أمامه طويلًا، بحثًا عن المعنى وسط هذا التشظي الجميل.

ناقد من اليمن

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً