إيسميني Ismene
يحيى الحواصلي*
لم أعد أذكر في أي لحظة بالتحديد بدأت أختنق من الداخل، لكني أذكر الوجوه التي كانت تحيط بي، ثم اختفت واحدًا تلو الآخر، كأوراق خريف تتساقط تحت أقدام الغياب. كنت في الثامنة عشرة فقط… صغيرًا بما يكفي لأُمنح فرصة، وكبيرًا بما يكفي لأدفنها بيدي.
أمي كانت أول من رحل. سقطت أمامي، بين يدي أختي الصغيرة، دون وداع أو همسة تُطفئ ما استعر في قلوبنا من خوف. قلبها توقف ببساطة، وكأن الحياة ضاقت بها كما تضيق بي الآن. أبي لم يتحمل. خرج من البيت مسرعًا، يقود بلا وعي، واصطدمت سيارته بشجرة شامخة على طرف الطريق، وكأنها كانت تنتظر نهايته. في نفس اليوم، فقدت والديّ، وفي نفس اليوم، صار المنزل خاليًا من الدفء.
أخي الأكبر، “بولينيس”، حاول أن يكون الجدار الأخير. كان يمسك بيدي ليلًا، يحكي لي قصصًا سخيفة كي لا أبكي. لكن… حتى الجدار تهدم. في أحد الأيام، جلس صامتًا على سطح البناء، نظر إلى المدينة بصمت طويل، ثم قال لي بهدوء: “لقد تعبت من الحلم يا أخي.” وفي تلك الليلة… قفز. كان صوت ارتطام جسده بالأرض أعلى من كل الصرخات التي كتمتها بعده.
ثم جاءت “يارا”. يارا… كانت الضوء الوحيد الذي ينسل إلى غرفتي بهدوء، لا يحتاج إلى إذن مني. لم تسألني عما فقدت، بل من أكون. كانت تكتب لي ملاحظات صغيرة، وتخبئها تحت وسادتي: “ابقَ حيًا من أجلي.” وبقيت… لبعض الوقت.
لكن أختي، التي ظلت صامتة كتمثال وسط الفوضى، كانت تنظر إلى “يارا” كما لو أنها الشيطان بعينه، الشيطان الذي تجسد في هيئة ملاك. قالت إن وجودها جلب الموت إلى بيتنا، وإن ابتسامتها هي القناع البارد الذي سرقت به أرواح أمي وأبي وأخي بصمت قاتل. لم أصدقها…
بعدها بأيام، عدت إلى البيت… وجدت الدماء. دماء في كل مكان، وفوضى عارمة. صار قلبي قطعة من الجحيم المستعر، وجدت الفراغ… ووجدت “يارا”… وجهها هادئ، يشبه سكون من نام بلا خوف. وفي قلبها ثلاث طعنات: من حبنا، ومن حقد أختي، ومن غبائي، كلها اخترقته بلا رحمة… بلا شفقة.
أخذت أختي إلى مصحة عقلية بعد أن قالت بهدوء مخيف: “كانت ستأخذه مني.”
وبقيت أنا… في بيت بلا صوت. كل غرفة فيه أصبحت قبرًا. المطبخ لأمي، الممر لأبي، السطح لأخي، وسريري… ليارا. أما أنا، فلم يبقَ لي مكان. جربت كل شيء لأصمت داخلي، لكنه كان أعلى من كل المحاولات: الصراخ في الخلاء، الضحك مع الغرباء، النوم بلا أحلام… حتى وصلت إلى الشيء الوحيد الذي يمنحني الموت ببطء مقبول: إنها المخدرات. في البداية كانت الجرعات صغيرة… ثم أصبحت أحتاج إلى المزيد، لا لأُحلّق، بل لأُطفئ هذا الحريق المستعر داخلي.
الليلة… أنا متعب جدًا. الجرعة أمامي، والإبرة في يدي، لا صوت سوى دقات قلبي المتعثرة. هذه ليست رسالة استغاثة، ولا همسة وداع. إنها باختصار أنا… إنها الحقيقة. أنا لم أعد هنا منذ رحيلهم. هذا الجسد لم يكن سوى شبح باهت، وآن له أن يلحق بأصله. ليسامحني من عرفني، وليذكرني من أحبني، إن كان هناك أحد بعد.
قاص من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
