الرئيسية / أمازيغيات / المهاجرون أيقونات هذا الوطن – عمر ايت سعيد

المهاجرون أيقونات هذا الوطن – عمر ايت سعيد

المهاجرون أيقونات هذا الوطن

عمر أيت سعيد*

 

كعادتي كل صباح في مقهى الربيع بقريتي، أحتسي قهوتي السمراء وأنتشي برائحتها الفواحة، أستظل بظل شجرة تتوسط بهو المقهى وتضفي عليه جمالا وبهاء، أرحب بفيض القصائد الأمازيغية التي تنزل على مخيلتي كشلال منهمر. كنت في ذلك الصباح بمزاج صاف، أنسج خيوط قصيدة عن الصداقة، أحنّ إلى صديق قديم، أحنّ إلى مكان قديم، فجأة قدم إليّ رجل اشتعل رأسه شيبا مثل ثلج ناصع، استرجعت صورته بسرعة البرق، لأن ابتسامته العريضة أعادتني إلى زمن بعيد، زمن الطفولة، إنه صديقي المغترب ”إدير” المهاجر بفرنسا. كل عام نعقد جلسة للمصالحة مع الطفولة. ابتسامته الأولى تنم عن كونه يعرف أسراري وأعرف أسراره. ضمّني إلى صدره فقال “دعني أشم رائحة البلدة، دعني أشم رائحة الطفولة “، مرحبا صديقي كيف حالك؟ قلت له: “كيف حال المهاجرين؟ وبعد أن تأمل هنيهة في الجبال التي تنتصب شامخة أمام هذا المقهى، أخذ نفسا عميقا، ثم قال: “دعني أخبرك عن قصتنا وأحوالنا نحن ـ معشر المهاجرين-. ألا تعلم أن النساء بالجنوب الشرقي لم يرحبن قط بهجرة الشباب يوما إلى فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية؟ كانت صرختهن آنذاك شعرا عميقا:

Idda d muɣa s urhbi n lqlԑa

قدم موغا إلى فناء القلعة

Isti izamarn izri ulli

فاختار الخرفان وترك الشياه

A tafuyt ata ur da ttaɣt ul inu

أنت أيتها الشمس، نورك لم يعد ينير قلبي

Asmun izrb ,akw ur nmfaḍ

رفيقي تعجل الرحيل دون وداع

شعر “تيمناضين”منالذاكرةالجماعيةالشفوية

في كل سنة نشد رحالنا، نحزم حقائبنا، مثل الطيور فنهاجر، ونغترب، ونرحل ونسافر بعيدا، ونعمل بكد وعناء، في البرد والظلمة، فوق الأرض وتحت الأرض، خريفا وشتاء وربيعا. نهدي ربيع أعمارنا وزهرة حياتنا للبلدان الأوروبية وغيرها، كي نجمع قوت يومنا ونعيل أبناءنا، وندخر قليلا لعائلاتنا، ثم نعود إلى ديارنا صيفا.

كل عام نشقى أحد عشر شهرا كي ننعم في شهر واحد. نرحل شتاء ونعود صيفا، مثل الشمس التي ترحل عنا شتاء وتطلّ علينا لتدفئنا صيفا منيرة دروب القرى والمداشر البعيدة. نرسم تلك البسمة البريئة على شفاه أمهاتنا وآبائنا وإخوتنا الذين ينتظرون عودتنا ، ويعقدون آمالا على سخائنا وتضامننا.

هناك بواحة دادس مثل عريق يلخص فلسفة السفر والترحال، يقول:

« idda ad d yawi ixf »

” بمعنى سافر لينمي مداركه ”

وبالفعل نسافر، نتسلح بالصبر ونغامر، نقارن بين تجارب الشعوب والأمم، نتواصل معهم، نحس بآلامهم وربما يحسون بآلامنا. فعلى محك الصعاب يقاس الرجال. في كل صيف نحن ّ إلى مداشرنا، نحنّ إلى أصدقاء طفولتنا، ومورفولوجيا الأزقة ورائحة تراب البلد حين يرش بالماء. نحنّ إلى بسمة الأم والأب والإخوة ثم نعود، نعود قاطعين المسافات بالطائرات والحافلات وأحيانا نُتِمّ السفر على الدواب. يحدث هذا كل عام. نقوم به ويهون علينا لأن مداشرنا ومناطق انتمائنا غالية وعزيزة على قلوبنا. فالأرض تنادي، والطفولة تنادي، لكن هل لأبنائنا نفس الرؤية ونفس العشق والهم الذي حملناه لسنوات وعقود في قلوبنا؟ نحن أبناء المغرب كم ركبنا من أمواج ومصاعب للعودة إلى وطننا الحبيب، نحن المهاجرون يعتبرنا المؤرخون من أكبر الجاليات المهاجرة في العالم. أتينا من مناطق الجنوب الشرقي المغربي ومن مناطق سوس الكبير ومن الريف.  تمت هجرتنا بشكل لا إنساني، ف ” فيليكس موغا” (ازركي :79) الذي كان يفرز ويختار من شباب المغرب، كان يحمل طابعا يسم به أجسامنا- امَّحى الطابع مع الأيام لكنه لازال وشما في أذهاننا – فهو كان يرى فينا عضلاتنا وكتلنا الطينية لا عقولنا أو إنسيتنا. كان عددنا ما بين سنة 1956 و1977 يصل إلى78000 شاب (ازركي :78). فماذا قدمت المؤسسات البنكية العمومية وشبه العمومية لنا ولأبنائنا كي يعودوا ليسيروا على خطى الآباء والأجداد؟ هناك مؤسسات بنكية مالية تساهم في بناء المدارس في بعض المداشر. فلماذا لا تحذو الأبناك الأخرى حذوها؟  لكن ما لا نفهمه ولا نستسيغه هوعبث أبناك أخرى بأموالنا؟ لماذا لا تحترم بصمتنا؟  ألسنا من نملأ خزائنها كل عام بنقودنا التي كسبناها بعرق جبيننا؟ لماذا لم تستثمر القليل من أرباحها الضخمة في تنمية مداشرنا؟ وهنا نتحدث بالخصوص عن الأبناك المنتشرة بواحات ”دادس” بجهة درعة تافيلالت، لا نقصد التعميم أو التبخيس من قيمة أية مؤسسة مالية…» قاطعت كلام صديقي الكثير والعميق فقلت له: ” إن موضوع المهاجرين يعنينا جميعا باعتبارنا فنانين وفاعلين في المجتمع المدني. وبذلك يحق لنا أن نتساءل عن الآثار الاجتماعية لهذه الأبناك على المجال الواحي؟ وهل يعجز بنك على بناء روض للأطفال بواحاتنا أو بناء مؤسسة أو مدرسة لتأهيل الأجيال؟ ولماذا تنتظر قدومنا وتسعى للوصول إلى جيوبنا والقيمة المضافة والأرباح التي تجنيها دون أن تستثمر في واحاتنا؟ فأين المقاولة المواطنة من كل هذا؟ وأين اللمسة الإنسانية؟  وأين يتجلى أثرها على هذه القرى والتلال المنسية، المؤجلة تنميتها إلى أجل غير مسمى. هذه القرى التي قاوم رجالها ونساؤها قوات المستعمر…(يتبع )

كاتب وباحث من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً