الرئيسية / الأعداد /  في ذكرى رحيل محمد باطما.. رحيل بحجم الوجع – يوسف بخوثة

 في ذكرى رحيل محمد باطما.. رحيل بحجم الوجع – يوسف بخوثة

 في ذكرى رحيل محمد باطما.. رحيل بحجم الوجع

يوسف بخوثة*

إلى روح محمد باطما…

في  شهر ماي من كل عام نحيي ذكرى رحيل وحش الشعراء وكبير العمداء، مر الآن زمن يعاتبنا ويحاسبنا على ما قدمناه عرفانا وتقديرا لهذا الهرم؟ مر الآن زمن ليس بالهين على رحيل الفنان الإنسان محمد باطما ونحن لم نعطيه ما يستحقه من اعتراف وتقدير، وهو الذي أعطانا في زمن الحاجة كلمات بقيت راسخة في الأذهان توخزنا اليوم موقظة الضمير فينا لنعيد الاعتبار إلى هذا الرجل الشهم الذي رحل في غفلة منا ذات ربيع. وتحل ذكراه لنحاول محتشمين إعادة نشر مساره الذي طبعه بالأمل والألم.

من تلك الشجرة هو الأخر

في كتاب الرحيل للعربي باطما يسرد لنا قصة الشجرة العجيبة التي كانت تظلل منزل رحال بن رحال، شجرة البطمة التي كانت تميز منزلهم، والذي كان بمثابة زاوية يقصدها الناس والرحل، كانت تجمعهم يقول العربي باطما. لكن حين تم قطعها  في يوم من الأيام تفرقت الجموع التي كانت تأتي المنزل وذهبت معها البركة من هذا الأخير، وتفرقت العائلة أيضا وتشتت في المدن- الدار البيضاء- ومنها أخد رحال بن رحال اسم العائلة لعل بركتها ستكون نفعا للعائلة في القادم من الزمن، ولعها تكون زاوية كما كانت شجرة البطمة في نواحي ولاد البوزيري.

كان لرحال ثمانية أولاد، سبعة ذكور وبنت واحدة، ومن بين هؤلاء كان محمد باطما إلى جانب أخوه العربي أبرزهم، نظرا لما تركوه من إرث ثقافي بصم بقوة في سنوات الستينات والسبعينات كممثلين ومغنيين وزجالين كبار، وبما أن العربي باطما أخد الشق الكبير من البحث في عائلة باطما الفنية العريقة، فإن الحديث اليوم سيقتصر على المرحوم محمد باطما لما لقاه من تضييق واقصاء في حياته وكذا بعد مماته.. إنه سليل عائلة رحال بن رحال الذي قصد مدينة  الدار البيضاء حاملا اسما لشجرة وحاملا أولاده وحالما بمغرب غير مغرب الجوع والحكرة والاستعمار الذي عاشه في المغرب العميق نواحي ولاد البوزيري.

 صوت بنهكة التراب

إن للبادية تأثير كبير على المرء وخاصة منه الفنان، والإنسان ابن بيئته كما يقال، والمتمعن لأصوات ولاد رحال باطما سيجدها ممزوجة بالتراب، وهذه الصفة أيضا التصقت بالفنان المرحوم محمد باطما، إذ أن صوته وكذا إبداعاته الزجلية نابعة من أعماق الذات التي عاشها متنقلا بين المدينة والبادية، فامتزج تراب البادية الخالص، بمتناقضات المدينة، هذه العوامل  إضافة إلى عوامل أخرى، وارتباط محمد بالأم جعلت منه ذاك الصوت الشجي والحنجرة الصادحة بكلمات صادقة نابعة من أعماق ممزوج بآلام وآمال الوطن وغدر الزمن، صوت ميزه عن العديد من الأصوات الأخرى في كل التجارب الغنائية التي خاضها منذ ستينيات القرن الماضي إلى وفاته في بداية الألفية، صوت وقلم اعترف به أخوه العملاق العربي باطما بقوله: (محمد أزجل مني…). هي جملة تبدو في الواقع عادية جدا، لكن العربي يعي ما يقول جيدا، فهو يعرف أخاه خير المعرفة ويبادله التجارب والآمال وكذا الآلا. فهو عاش معه الحيف والاقصاء الذي لاقاه هذا الفنان الكبير، فكانت كلمات العربي بمثابة رسالة مشفرة للفت الانتباه لهذا الهرم الذي أعطى الشيء الكثير – في زمن الحاجة- للأغنية الغيوانية والثقافة المغربية أشياء نفتخر بها ونعيد قراءتها باعتزاز.

مسار شائك في درب الأغنية الملتزمة

يقول نجله طارق باطما في سؤالنا كيف تقدم لنا الفنان محمد باطما، وأنت الذي عشت معه نجاحاته وانتكاساته: “المرحوم محمد باطما معروف عند معظم جمهوره داك الشاعر والملحن ذو الصوت المتميز في كل المجموعات  التي غنى بها. كتاباته متنوعة زجلية، ذو عمق وأسلوب سلس، ليست جلها مفهومة خصوصا في الجانب الموضوعي، كتب في الحب، في السياسة، وفي الاجتماع. لقب بوحش الشعراء في مهرجان الشبيبة الإشتراكية بالاتحاد السوفياتي أنداك عند مشاركته مع مجموعة من الفنانين المغاربة والعرب سنة 1987.

تجربته الفنية – خصوصا الزجلية – تنقسم إلى ثلاث مراحل المرحلة الأولى: في البادية أو مرحلة الطفولة وبداية الشباب عند مجيئه إلى الدار البيضاء رفقة أخوه المرحوم العربي، حيث بدأ مساره في المسرح رفقته، وبعض أفراد مجموعة تكادة والفنان المرحوم بنبراهيم، حيت كتب ولحن لمجموعةً تكادة.

المرحلة الثانية: مع مجموعة لمشاهب حيت كتب العديد من الأغاني كأغنية أمانة، الغادي بعيد، السايق تالف، فلسطين، خليلي، لبحر، والقائمة طويلة.

المرحلة الثالثة: تجربته تتضمن ثلاثة أشياء، تجربته مع مجموعة مسناوة في بداية الثمانينات مع انقطاع تجربة لمشاهب التي دامت ثمان سنوات، ثانيا: تجربته الفردية في ألبومه توبة يا رب توبة، وأخيرا: تجربته مع الفنانة ليلى عَتُّو ككاتب كلمات وملحن، ثم تجربته معي ككاتب كلمات ومدير فني في ألبومي الأول المسمى الدار البيضاء.

أضن الواقع الفني أنداك كان مشحون بالأوضاع السياسية الوطنية والعربية، هذا ما جعل الكثير من المبدعين يصرخون بإبداعاتهم الموسيقية والشعرية والمسرحية، والبوح بالمعاناة الإنسانية، ولا ننسى أن جيل الخمسينات والستينات والسبعينات كان جيل عبقري أعطى الكثير في شتى المجالات الفنية، محمد باطما كان واحد من أولائك العباقرة اللذين أغنوا الخزانة المغربية والآن يعدون تراث وطني نفيس تفتخر به الأجيال التي تلتهم”.

وفي سؤالنا كيف عاش المرحوم محمد باطما الوضع الإبداعي في المغرب؟ أي كيف كان ينظر للواقع الفني؟ وكيف يساهم فيه وما هي أهدافه وأحلامه؟ يقول نجله: “بغض النظر عن الجانب المادي ووضعية الفنان في المغرب، فمحمد باطما كان يحمل بداخله الأمل بمغرب المساواة والعدالة والكرامة الإنسانية، هذا ما نجده في طيات ما كتب، وهذا ما عاشه. فالوضع كان مشحون سياسيا، وأن الظاهرة أخدت صبغة التكلم بلسان الشعب سياسيا واجتماعيا، بالإضافة  إلى الأحداث التي وقعت في المغرب، كالانقلابات العسكرية والإضرابات الاجتماعية والحرب العربية الإسرائيلية، كل هذا أثر على الإنسان وبالتالي على إبداعاته.

أحلام محمد باطما متنوعة، بسيطة وغريبة أيضا، لم يكن ماديا، وعاش التناقض لأنه لم يكن يحب الأضواء وعاش مهنة الأضواء، هدفه  كان الوصول إلى النوطة والكلمة الحساسة والمعبرة التي تخترق الآذان الصاغية والقلوب الحساسة المحبة للإبداع”.

إنه مسار حافل الذي طبع مسيرة الفنان محمد باطما، فقد كان من الركائز الكبرى في مجموعة لمشاهب، وكانت قوته  تظهر حين يغيب عن عمل تخرجه المجموعة بدونه، فكان لابد من الرجوع إليه لإعادة التوهج داخل المجموعة.

مسار محمد باطما كان مليئا بالإبداع، فقد كتب معظم أغاني المجموعة الغنائية لمشاهب، ومجموعة مسناوة التي بفضله أخذت شهرة منقطعة النظير بأغنية (حمادي)، إضافة إلى كتاباته في الزجل والكتابة التلفزية، أعماله هذه – التلفزية- لم تلقى النور إلى حدنا هذا لأسباب يعملها الساهرون على الشأن الثقافي بالبلاد.

تغيب يليه تغيب

 عرف حضور محمد باطما حضورا متناقضا بين القوة والتغيب، فهو كان قويا على الخشبة ممثلا في أوائل السبعينات، وكذا مغنيا مع مجموعة لمشاهب. لكن ظل مغيبا في الحقل الثقافي، ولم يعطى الاهتمام اللائق به، لا في التلفزة ولا في الإذاعة وفي الإعلام المقروء، إلا  من بعض السهرات واللقاءات القليلة جدا – وبشكل محتشم-، يقول طارق باطما في هذا الصدد: “إن الإعلام قزم دور محمد باطما في مجموعة لمشاهب، وهناك حاقدون كانوا يريدون تغييبه عن الظهور بأي ثمن، حتى في البرامج التي التفتت إليه، كانت تقزم دوره بشكل مفضوح وتظهره على أنه ضعيف جدا،  أنا أعرف السي محمد باطما، ولا أحد يمكن أن يتحدث عنه مثلي، فهو كان صديقي أكثر من أن يكون أبي، الإعلام لعب دورا خبيثا في تناول موضوع محمد باطما.

التكلم مع محمد كان راقيا، كان خفيف الظل لا يتكلم كثيرا عندما يتكلم يصمت الجميع حتى العربي باطما.”

 انكسار حلم

في كلماته ومواويله كان يرثي حال الثقافة المغربية وما آل له حال الفن والفنان في زمن الثمانينات وبداية التسعينات، هي السنوات التي عرفت فيها مجموعة لمشاهب هزات كثيرة ساهمت في زعزعة صورتها لدى الجمهور المغربي. هذه السنوات التي كان يراهن عليها محمد باطما لتحقيق أحلامه، والتي عرفت أوج عطاءاته، كانت هي السنوات التي سينكسر فيها الحلم ويعيش نوعا من الاحباط المعنوي وحيدا أو مع ثلة من أقربائه، حلم كان بسيطا وهو أن يري كلماته وألحانه تحلق عاليا في سماء الثقافة. كان يحلم بمغرب واع، مثقف يحترم الكلمة الهادفة، لكن مع بداية اجتياح الأغنية الهابطة واحتلال الاعلام من طرف أناس لا اختصاص لهم، ودخول الغرباء عالم الثقافة، وبداية عوالم الانحلال كان الحلم فيه قد بلغ مرحلة الانكسار.

صام محمد عن الكلام وحيدا مع أوراقه، واختصر في مشاركته مع مجموعة لمشاهب يحاول جاهدا تلميع واجهة الثقافة المغربية بكلمات ملتزمة ولحن متزن.

رحيل بحجم الوجع

 في مواله وداع كان يرثي حال الابداع في حالة رحيل معين، لكن هي كلمات تنطبق على رحيله، ففي بداية الألفية و كان قد سكنه المرض، انزوى السي محمد باطما بعيدا عن الأضواء التي عاشها، يئن من الألم ووجع الوطن، مرض لم يمهله كثيرا حيث أسلم الروح إلى بارئها في الثالث من ماي سنة 2001 بعد أربع سنوات من رحيل أخيه ورفيق دربه العربي باطما الذي قال يوما بأن أحب مجموعة إليه مجموعة لمشاهب فهي مجموعة تبكيه، وما محمد باطما إلا دعامة قوية لهاته المجموعة.

رحم الله الفقيد محمد باطما ورحم الله روح الإبداع في المغرب.

 

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً