خفيف الخطى راسخ الأثر

عمر لوريكي*
لا شيء من وفاء الكلمات سأقنع به نفسي بعزاء أخي الأديب الراحل في شرخ الشباب وعنفوانه إبراهيم أوحسين مهما كتبت، لأنني لم أتصور هذه اللحظة كهذه الصعقة، وأعلم أن روحه الطيبة لازالت معنا ولم يمت. أبصرت بخبر رحيله على الفيسبوك فلم أصدق بداية، لأنه قبل ساعات فقط كان في حوار معي كعادته بعد كل أمسية أدبية؛ أعرف تمام المعرفة أنه من جنودها المخلصين والمكافحين في صمت لإنجاحها، دون حتى أن يخبرني.
كلما أبصرت به ضمن فعالية ما أعرف أنه قد نزف من أرقه وعمقه الكثير لتصل للقمة.
عرفت أخي إبراهيم قبل عقد من الزمن، وكانت نعم المعرفة والصداقة، حينما كنت لا أزال أشتغل بتارودانت سنة 2014، عرفته يحمل من أثقال الدهر ما يستعصي على الرجال ولكنه رغم ذلك تحلى بصبر الجبال وتحمل وقاسى وصبر…
أول لقاء بأخي إبراهيم كان في محطة المسافرين بتارودانت قبل عقد من الزمن، ومن تلك اللحظة وهو كالمسافر خفيف الخطى راسخ الأثر، طيب السريرة، وافر البذل والعطاء دون مقابل، حينما عرفته بنفسي وطموحاتي في المجال الأدبي أبى إلا أن ننسق معا في أي أنشطة ترقى بالجهة التي يعشق كثيرا ويود لو يراها ترفرف ثقافيا أعلى عليين. فرحه الشديد حينئذ كأنما أبصر بأخ شقيق، انتظره طويلا، يتقاسم معه نفس الطموح والهم الأدبي والتربوي.
إثر أول لقاء أدركت أنني أمام شخصية عظيمة لن تتكرر، شخصية لا تتكلم إلا بالحكمة والموعظة، شخصية مستعدة لبذل العطاء اللامحدود، وهو ما كان، وإني كم أتمنى من إنزگان أيت ملول أن تبادر بتخليد اسمه بشارع من شوارعها، وهو أقل تقدير في حق الكاتب والأستاذ إبراهيم أوحسين.
زرت بيته العامر مرات عديدة والتقيت بعائلته الرائعة والتي أغتنم الفرصة لأعتذر لهم، وأنا في أسى كبير، على عدم تمكني من حضور جنازة أخي إبراهيم.
حينما صارحته بأنني عازم على تنظيم ملتقيات ومسابقات أدبية بصيغة دولية ترفع من اسم اشتوكة والجهة وترقى بها لعواصم الثقافة العربية ابتهج كثيرا وقال لي هي ناجحة قبل أن تنظم، بتفاؤل عجيب أصر على تنفيذ المقترح مهما كانت التحديات وكان هو من جنودها الخفاء.
كل خطوة لم تكن إلا باستشارته وكل تحد لم يكن إلا بتوصياته.
حينما كنت أزوره بمنزله أو بإحدى مقاهي أيت ملول أعرف أنني أمام المنفلوطي والرافعي في فصاحة قل لها نظير.
ذات مرة حينما انسحبت من المجال الجمعوي والثقافي غضب كثيرا وأرسل لي لأتراجع عن قراري، وبأن فعلتي هذه أضرت به أولا ولن يسمح بذلك. استفسرني عن الأسباب والتي كان من بينها عيائي الشديد وقلة الدعم، فقال لي لا تكترث، فما قل ووفى خير مما كثر وما وفى، وإنما العبرة بالكيف والمفيد لا بالكم. فلم أستطع بإلحاحه رفض أي طلب له وعدت وبقيت كما أنا، وبين الفينة والأخرى كان يصل الرحم ونتقاسم تطلعات الشباب وجيل المنطقة في غيرة فذة كنت متأكدا أنني لن أجدها لدى غيره، ويشهد له بها جيل كبير من الطلاب والمبدعين.
بصم إبراهيم تاريخ صداقتنا بالعديد من المؤلفات المشتركة والتي ستبقى ذات قيمة كبيرة لدي تذكرني بصديق غال ورائع لا ينسى: “كتابي: نقوش من وحي الأدب الجزء الأول والثاني”، كتاب: “سفراء الأدب، الجزء الأول”، كتاب: “الموسوعة الشعرية العربية المعاصرة”، ديوان: “قصائد الفخر”، كتاب: مبدع(ة) الغد ومؤلفات أخرى قام بتقديمها ومراجعتها.
حينما حدثت أستاذي المرحوم موسى الشامي عنه وغيرته الرائعة على الأدب والثقافة المغربية، مادحا إياه عن أعماله الجليلة لفائدة الأدب والثقافة بالجنوب المغربي، امتلأ سرورا وغبطة وود لو زاره بالرغم من مرضه الشديد وقدم له ولو اليسير من الشكر والتقدير، لكن حال الموت دون ذلك.
انتهزت عدة فرص لأرفع من شأنه وكنت في كل مناسبة أذكره بأنه جدير بالتقدير والتكريم، وأن أعماله هي ما يتحدث عنه؛ كثير الفعل قليل القول، وأنه لا يمكن أن يبقى نسيا منسيا كما يحب.
كانت له رغبة قوية في التواري عن الأنظار، لكن بالمقابل كان يشتغل خلف الستار بجدية لا مثيل لها.
علاقتي بأخي إبراهيم تجاوزت الميدان الأدبي إلى الميدان التربوي، وأذكر له على سبيل المثال فقط تنظيمنا المشترك للعديد من الفعاليات الثقافية والتعليمية والتكنولوجية لفائدة تلاميذ مدرسة العلويين بسيدي بيبي، اشتوكة.
تجاوزت غيرته المجال الأدبي لتشمل الميدان التربوي. لهذا أدرك طلابه مكانته الكبيرة وهذا ما شاهدته إثر العديد من الزيارات لفصله الدراسي.
أخي إبراهيم لن يرحل من مخيلتي ولن تفيه الكتب والمقالات الطويلة حقه مهما كتبت عنه.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، ورزق أهله الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
14/05/2025
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي