الرئيسية / الأعداد / حوار مع الزجال محمد بزكري: نبضٌ مغربيٌّ يلامس القلوب

حوار مع الزجال محمد بزكري: نبضٌ مغربيٌّ يلامس القلوب

حـــــــــوارات

حوار مع الزجال محمد بزكري: نبضٌ مغربيٌّ يلامس القلوب

حاوره الشاعر الحسَن الگامح

 

بشغفٍ يتدفق كشلال من الكلمات، وعمقٍ يتجذر في لهجة المغاربة الأصيلة، يُطلّ علينا الزجال محمد بزكري في هذا الحوار الممتع. هو فنانٌ اختار الزجل لسانًا ثانيًا لذاته، ليُعبّر عن خلجات الروح، وتساؤلات النفس، وصدى الواقع المعاش. في هذا اللقاء، سنغوص في رحاب تجربته الإبداعية، من البدايات التي لم تكن محسوبة، إلى النضج الفني الذي جعله يوازن ببراعة بين أصالة الزجل وحداثة اللحظة. سيكشف لنا محمد بزكري كيف تشكّلت هويته الزجلية، وكيف جذبه هذا الفن العفوي القريب من الناس، مقارنة برصانة الشعر الفصيح. سنتتبع خطوات إلهامه، من تجارب الحياة اليومية، إلى صدى الأصوات الزجلية الكبيرة التي تركت أثرها في مسيرته. كما سيُحدثنا عن أولى قصائده الزجلية التي فتحت له آفاقًا لم يكن يتوقعها، وعن فلسفته في اختيار المواضيع، والتوازن الدقيق بين الوزن والقافية والمعنى. لم يغفل الحوار عن التحديات التي يواجهها الزجال المغربي اليوم، من تهميش وغياب للدعم، إلى أهمية التوثيق والحفاظ على هذا الموروث الشفهي الثمين. كما سيُقدم لنا الزجال محمد بزكري رؤيته لمكانة الزجل المغربي، والفروقات بين الزجل الرجالي والنسائي، ودور الجيل الجديد في إحياء هذا الفن العريق. أخيرًا، سيشاركنا بزكري لمحات من حياته الشخصية، وأعمق أثر تركه الزجل فيه، وماذا كان ليختار لو لم يكن زجالًا، ليختتم حواره برسالة واضحة يحرص دائمًا على إيصالها لجمهوره: الصدق، والتعبير عن الذات، وإعادة الاعتبار للقيم. فلنستمع إلى نبض زجال يكتب بلسان الناس، وبقلبٍ يلامس الحقيقة.

 

البدايات والإلهام:

  1. كيف كانت بدايتك مع الزجل؟ وهل كان هناك حدث أو شخص معين ألهمك دخول هذا المجال؟

كانت بدايتي مع الزجل نتيجة طبيعية لحُبٍّ قديم يسكنني تجاه الشعر بكل تجلياته، فالشعر لم يكن عندي مجرّد كلمات منسوجة أو قوالب موزونة، بل كان وما يزال ذلك الفضاء الرحب الذي أجد فيه نفسي، وأُودِع فيه ما يعتمل في داخلي من مشاعر وأفكار وتساؤلات.

لم يكن هناك شخص أو حدث بعينه يُعدّ نقطة الانطلاق، بقدر ما كانت هناك حاجة ملحّة في أعماقي إلى البوح، إلى أن أقول ما لا يُقال، وأن أُخرِج ما يعتمل في دواخلي، سواء بالفصيح أو بالزجل. كانت اللغة، كيفما اتخذت شكلها، أداة خلاص وتحرر، والزجل جاءني كلسانٍ ثانٍ للذات، يمنحني القرب من الناس والصدق في التعبير.

أحببت الشعر منذ بداياتي، كتبت بالفصحى، ووجدت فيها رفعة اللغة واتساع الدلالة. لكن شيئًا ما في الحياة اليومية، في تفاصيلها الصغيرة، في حديث الناس، في وقع الكلمة القريبة، جعلني أكتشف سحر الزجل، لا بديلاً عن الفصيح، بل رديفًا له، يكمله ويعزّزه.

ومنذ تلك اللحظة، أدركت أنني لا أختار الشكل الشعري اعتباطًا، بل تفرضه اللحظة، وتختاره الروح، وتكتبه التجربة.

 

  1. ما الذي جذبك تحديداً إلى الزجل المغربي مقارنة مع أنواع الشعر الأخرى؟

في البداية، كان الشعر الفصيح هو أول حبّي، وكان هو الباب الذي دخلت منه إلى عوالم الكتابة.

جذبتني رصانته، وفتنتني قدرته على التشكّل بين البلاغة والرمز. وما زال هذا الجذب قائماً إلى اليوم، وخير دليل على ذلك أنني أواصل كتابة قصائد بالفصحى، سواء نثرية أو موزونة، لأنها تمنحني لحظات تأمل في اللغة وامتدادًا نحو العمق.

لكن الزجل المغربي جاءني من حيث لا أدري، جاءني لا كمُنافس للفصيح، بل كمكمّل له، كمرآة أخرى للذات تُطلّ على الواقع بوجه صريح، وبنبض لا يتوارى خلف الاستعارات.

الذي شدّني في الزجل هو تلك القدرة العجيبة على الدخول إلى القلوب من دون استئذان، بتلك العفوية التي لا تُفقده عمقه، وباللغة التي تشبه الناس في صدقها، وفي جراحها، وفي فرحها.

الزجل لم يأخذني من الفصيح، بل أخذني إلى الناس. وفيه وجدت صوتي الداخلي أكثر قربًا من الحياة اليومية، وأكثر قدرة على التعبير عن ما يُقال أحيانًا بالصمت.

 

  1. من هم الزجالون الذين تأثرت بهم في مسيرتك؟ وما هي أبرز قصائدهم التي لا تزال عالقة بذاكرتك؟

تكويني الزجلي لم يكن وليد قراءة فقط، بل هو ثمرة استماع ومخالطة، واحتكاك مباشر بالحياة الزجلية كما تُعاش في الميدان.

تأثري لم يكن مقتصرًا على زجال واحد، بل هو تراكُم لتجارب عديدة، من قراءات، ولقاءات، ومجالس زجلية حضرتها واستنشقت فيها دفء الكلمة المنطوقة.

من بين الزجالين الذين تركوا أثرًا فيّ أحمد لمسيّح، الذي أعاد تشكيل نظرتي للزجل، وجعلني أؤمن أن الزجل لا يقل شعرية عن أي شكل آخر، بل ربما يتفوّق حين يعبّر بعمق دون تعقيد. قصيدته “توحشت راسي” تظل واحدة من النصوص التي كلما قرأتها أو سمعتها، شعرت أنها تُكلّمني مباشرة، بلغة الحنين والاحتجاج الهادئ.

لكن التأثير الأعمق جاء من خلال الحضور المتكرر للحفلات الشعرية والملتقيات الزجلية، حيث كنت أُصغي لكلمات تُلقى من القلب، تحمل حرارة اللحظة وقوّة الأداء، وتخترق المتلقي مباشرة دون وسيط.

 

  1. متى شعرت لأول مرة أنك تملك القدرة على كتابة الزجل؟ وهل تذكر أول قصيدة زجلية كتبتها؟

بدايتي مع الزجل لم تكن محسوبة ولا مُرتبة في وجداني كما قد يظن البعض، فقد كنت في الأصل مولعًا بالشعر الفصيح، أكتب القصيدة النثرية وأتأمل الشعر الحر، أقتفي أثر الكلمة المتزنة والبيت المتوازن، ولم يخطر ببالي يومًا أنني سأمضي في درب الزجل.

لكن كما يحدث كثيرًا في مسارات الإبداع، جاءت اللحظة الفارقة من الحياة نفسها، حين تفاعلت مع موقف واقعي وحدث شخصي أثار في داخلي موجة من التساؤل والانزعاج. كانت تلك الحكاية تتعلق ببعض الأشخاص الذين أظهروا سلوكًا يتنافى مع ما يعلنونه من قيم، وذاك التناقض الصارخ بين الظاهر والباطن، بين الأقوال والأفعال، أشعل داخلي رغبة في التعبير لا تشبه ما اعتدته في الفصيح.

فجاءت قصيدتي الزجلية الأولى “شي وشي”، كنوع من المواجهة الصريحة لهذا الازدواج، بصوتٍ داخلي اختار أن يُقال بلسان الناس، لا بلغة المنابر. كانت القصيدة عفوية، لكنها حملت صدقًا داخليًا لامس شيئًا دفينًا في ذاتي.

حين قرأتها لأصدقائي، وجدت تجاوبًا كبيرًا وتشجيعًا فاجأني، مما دفعني إلى إعادة النظر في علاقتي بالزجل.

بعدها بدأت أنصت بعمق لتجارب زجالين مغاربة مبدعين، وأكتشف ثراء هذا الفن الذي يحمل في لغته البسيطة عمقًا إنسانيًا لا يقل بلاغة عن أي شكل شعري آخر.

هكذا وجدتني، دون سابق إنذار، أتحوّل من شاعر فصيح إلى زجّال يكتب بلغة الناس، لكنه لا يفرّط في الإحساس والعمق والمعنى. كانت القصيدة الأولى بذرة، وما بعدها كان اتساعًا في الأفق واكتشافًا لصوت جديد بداخلي، صوت يُخاطب القلب قبل الورق.

 

عملية الإبداع والأسلوب

  1. كيف تختار مواضيع قصائدك الزجلية؟ وهل تستمد إلهامك من أحداث معينة أو مواقف يومية؟

في الحقيقة، لا أختار مواضيع قصائدي كما يُختار عنوان لمقالة أو موضوع لخطاب؛ بل أشعر أنها هي من تختارني، وتتسلل إليّ دون سابق إنذار، فتُمسك بيدي وتجرّني نحو كتابة الشذرات الأولى و كأن الفكرة كانت تنتظر لحظة الإنصات لا لحظة القرار.

والقصيدة عندي لا تأتي من فراغ، بل تنبت من تجاربي الشخصية، من محيطي القريب، من علاقاتي الإنسانية والعائلية، من لحظات الصدق والخذلان، من الودّ والفقد، من أمكنة لها وقع خاص في القلب، ومن وطنيةٍ تسكنني وتسري في نصوصي دون أن أتعمدها.

فالزجل بالنسبة لي، ليس فقط مرآة للواقع، بل هو محاولة لإعادة فهمه، وترميمه شعريًّا بما تتيحه اللغة من قدرة على التحويل والتجميل والتكثيف.

 

  1. ما هي خطواتك المتبعة في كتابة قصيدة زجلية من الفكرة الأولية إلى القصيدة النهائية؟

في الزجل، لا توجد خطوات جاهزة تُنسخ وتُلصق، بل هناك مخاض  قد يطول، وقد يُفاجئك بميلاد مبكّر.

القصيدة الزجلية عندي لا تولد على الورق، بل تبدأ في أعماقي كفكرة تُلحّ، أو إحساس يتمرد على الصمت، أو رسالة تسعى لإيجاد صوتها في الكلام.

أحيانًا يكفي بيت واحد، أو صورة خاطفة، أو شحنة وجدانية، كي تُشعل فتيل النص. بعدها، أدخل في حالة أشبه بالتأمل، حيث أترك الفكرة تتخمر في الوجدان، أُنصت لإيقاعها الداخلي قبل أن أقيّدها بكلمات. فالزجل، وإن بدا بسيطًا، هو فنّ دقيق، يحتاج إلى أذن شاعرة تحسّ النغمة، وإلى ضميرٍ مخلصٍ للمعنى.

ثم أختبر القافية كما يُختبر صدق النغمة، وأظلّ أُعدّل وأهذّب حتى أشعر أن القصيدة قد نضجت، لا فقط لغويًا، بل وجدانيًا أيضًا.

فالقصيدة الزجلية ليست بناءً فنيًا فحسب، بل هي موقف هي طريقة لقول ما لا يُقال، بشرط أن يُقال بصدق.

 

  1. هل تفضل الكتابة عن مواضيع اجتماعية، عاطفية، وطنية، أم سياسية؟ ولماذا؟

لا أُقيد نفسي بموضوع دون آخر، بل أكتب حيث يُناديني المعنى، وحيث أشعر أن للكلمة ضرورة. أتناول المواضيع العاطفية حين يُثقلني الحنين، وأكتب عن القضايا الاجتماعية حين يضيق الصدر من تكرار نفس الأوجاع. أما المواضيع الوطنية، فهي نبض دائم في دواخلي، تُحركني بحكم الانتماء والذاكرة. وحتى القضايا السياسية، فأعالجها بطريقتي، بلُغة فنية تحترم الرمز وتُراوغ المباشر، لكنها لا تُجامل.

كل موضوع أتناوله، أحاول أن أُعطيه حقه من العمق والصدق، وأن أقدّمه في قالب يُلامس جوهره لا مظهره، لأني أؤمن أن القصيدة حين تُكتب بصدق، فإنها تصل إلى القارئ أو السامع، وتحاكي شيئًا في داخله.

ومع ذلك، أجدني أحيانًا منجذبًا أكثر إلى زجل السخرية، ذلك اللون الذي يُضحكك بمرارة، ويجعلك تبتسم وأنت تستشعر مرارة الواقع.

 

  1. كيف تحافظ على أصالة اللهجة المغربية في زجلك مع تطور اللغة الدارجة؟

الزجل، في جوهره، هو مرآة للموروث الشعبي، وجسر ممتد بين ألسنة الأجداد ونبض الأجيال الصاعدة. لذلك أحرص في كتابتي على أن تبقى القصيدة الزجلية وفية لأصالتها، مُشبعة بمفردات مغربية قُحّة، تنبض برائحة التاريخ، وتستحضر أدوات وعوالم كادت تندثر من الذاكرة الجماعية.

فحين أستحضر في قصائدي مفردات من قبيل القرشال، القفطان، الحايك، التبوريدة ………  فأنا لا أستدعيها فقط للزينة، بل لأُعيد وصل الحاضر بجذوره، وأعرّف الجيل الصاعد بهذه الرموز التقليدية حتى لا تنسى من الذاكرة.

أما لغتنا الدارجة فهي كائن حيّ، تنمو وتتطور، وتتماشى بطبيعتها مع كل الأزمنة والعصور. من هنا، أفتح الباب لمصطلحات حديثة تدخل الزجل متى كانت في خدمته، شريطة ألا تُشوّش على موسيقاه، ولا تُفرّغ النص من نَفَسه الإيحائي والوجداني.

 

  1. هل هناك قوالب زجلية معينة تفضلها مثل الملحون، العيطة، وغيرها؟ ولماذا؟

لا أنتمي إلى لون زجلي بعينه، ولا أُقيد نفسي بقالب جاهز، فأنا أكتب الزجل كما أشعر به، وكما تُمليه عليّ اللحظة الشعورية والفكرة التي أُريد التعبير عنها.

لكن في الوقت ذاته، أحرص على أن يكون زجلي وفياً لقواعده الأساسية، من وزنٍ، وقافيةٍ، وبنيةٍ موسيقيةٍ تجعل منه قابلاً للإنشاد أو التلحين، لمن أراد أن يُصنّفه في خانة الملحون، أو العيطة، أو حتى الزجل الحديث المغنّى.  فكل قصيدة أكتبها هي مشروع مفتوح على التأويل، قابلة لأن تُصنّف موسيقيًا حسب مضمونها.

 

  1. كيف توازن بين الوزن والقافية من جهة، والمعنى والرسالة من جهة أخرى في قصائدك؟

التوازن بين الوزن والقافية من جهة، والمعنى والرسالة من جهة أخرى، هو أشبه برقصة دقيقة فوق خيط مشدود بين الشكل والمضمون.

الوزن والقافية عندي ليسا غاية، بل وسيلة لإيصال الشعور بسلاسة، فهما الإطار الذي يحتضن الروح ولا يخنقها.

أحرص على أن يكون المستمع أو القارئ مرتاحًا إيقاعيًا، لأن الراحة السماعية هي أول باب لولوج المعنى، فما لم يُطرِب الأذن، قد لا يصل إلى القلب.

كما  أن الإلقاء يلعب دورًا محوريًا في هذا التوازن، فهو الجسر الذي يترجم الإيقاع الداخلي للنص، ويُضفي عليه حرارة الصوت وصدق الشعور ، حتى لا تبقى القصيدة حبيسة الورق، بل تصبح كيانًا يتنفس على مسرح الكلمة.

 

  1. هل تستخدم الموسيقى كملهم لزجلك أو العكس؟ وكيف ترى العلاقة بين الزجل والموسيقى؟

الزجل والموسيقى، في تقديري، ليسا مجرد حليفَين، بل هما توأمان خرجا من رحم الوجدان الشعبي، يتغذيان من نبضٍ واحد، ويستظلان بظل الإيقاع والروح.

لكن رغم هذا القرب، أفضّل ألا أُقيّد زجلي بسلاسل اللحن الجاهز، ولا أن أزجّ به في قفص “المشروع الغنائي”، حتى لا أفقد حريته.

هناك قصائد، وأنا أكتبها، تُعطيك الإحساس أنها خُلقت لتُغنّى، بإيقاعها الداخلي، بانسيابها السلس،  لكنني أتركها تطير كما هي، لا أضع لها جناحًا ثالثًا اسمه الموسيقى، إلا إذا اختارها اللحن بنفسه.

وتبقى القصيدة عندي كيان شعري مستقل، لا يحتاج إلى موسيقى ليكتمل، بل تحمل موسيقاها في طيّات حروفها.

 

الزجل كممارسة فنية

  1. ما هي أبرز التحديات التي يواجهها الزجال في المغرب اليوم؟

الزجال اليوم يقف بين مطرقة التهميش وسندان الاجتهاد الفردي. فهو يُنتج خارج المؤسسات، يُبدع خارج الضوء، ويصارع كي يُسمَع صوته في زمن الصورة والتسويق السريع.

التحدي الأكبر هو أن يظل وفياً لجوهره دون أن يُغريه الاستسهال، وأن يحافظ على عمق تجربته رغم ضيق المنابر.

كما أن غياب دعم حقيقي من المؤسسات الثقافية، وضُعف النقد المواكب، يجعل الزجال كالمزارع الذي يحرث أرضه وحده، دون أدوات حديثة ولا دعم فني.

وبصفتي أحد أعضاء الصالون الثقافي مجمع الخوت للثقافة والفنون بالحي المحمدي، أعي تمامًا حجم المعاناة التي نكابدها لتنظيم حفلات ثقافية، نشتغل بشغف، لكننا نصطدم في كل مرة بواقع إداري ومادي يُعيق الحلم: ضعف التجهيزات، صعوبة التنقل، وانعدام موارد الدعم التي تُشجّع الاستمرارية.

 

  1. كيف ترى مكانة الزجل المغربي حالياً في الساحة الفنية والثقافية؟ وهل يحظى بالتقدير الكافي؟

الزجل المغربي، في جوهره، هو فن أصيل متجذر في الوجدان الشعبي، يحمل عبق الذاكرة المغربية ولهجتها، وينبض بتجارب الناس البسطاء وأحلامهم.

غير أن هذا الفن، بكل ما يحمله من غنى وتنوع، لا يزال في كثير من الأحيان محصورًا في الهامش، يُستدعى عند الحاجة لتزيين برنامج، أو لإضفاء نكهة “فلكلورية” على تظاهرة ثقافية، ثم يُطوى كأنه لم يكن.

رغم بعض المبادرات الفردية والجمعوية التي تحاول بعث الروح فيه، فإن الزجل لا يحظى بالمكانة التي يستحقها ضمن السياسات الثقافية الوطنية.

الدعم المادي شبه منعدم، والمواكبة الإعلامية محدودة، والنقد الجاد نادر. والأسوأ من ذلك، أن الملتقيات الزجلية التي يُفترض أن تكون فضاءات للإنصاف والاحتفاء أضحت في كثير من الأحيان، رهينة منطق الزبونية والمحسوبية.

نرى أسماء تُعاد وتُكرّر في كل مناسبة، وكأن المشهد الزجلي المغربي لا يتسع إلا لفئة بعينها. بينما زجالون موهوبون في هوامش المدن والقرى، يواصلون الإبداع في صمت، دون أن يجدوا نافذة يطلّون منها على جمهورهم.

ولعلّ ما يزيد الطين بلّة هو غياب إدماج الزجل في المنظومة التربوية والإعلام العمومي، وكأنه فن طارئ لا يُعوّل عليه في بناء الذوق العام وتشكيل الوعي الثقافي.

الزجل لا يطلب صدقة، بل اعترافًا صريحًا بكونه رافدًا من روافد الهوية المغربية، ومكوّنًا حيويًا من مكونات تعبيرنا الجماعي.

حين نعطيه مكانته المستحقة، لا نُنصف الزجالين فقط، بل نُنصف وجدان شعب بأكمله، ظلّ يعبر عن ذاته عبر الكلمة الحية، والنبض العامي، والصدق اللامصفى.

 

  1. هل هناك اختلافات جوهرية بين الزجل الرجالي والزجل النسائي بالمغرب من حيث المواضيع، الأسلوب، أو التناول؟

من حيث الجمالية، لا فرق بين زجل يُوقّعه رجل أو امرأة، فالكلمة لا جنس لها، والصدق لا يُؤنّث ولا يُذكّر.

لكن من حيث التناول، نعم، للزجال النسائي بصمته الخاصة، إذ يعبّر عن قضايا المرأة من زاوية عيشها، وينقل أحاسيس لا يمكن لرجل أن يكتبها بذات النبرة.

الجميل أن الزجل النسائي بالمغرب بدأ يفرض حضوره بقوة، وأصبح صوتاً يُدافع عن ذاته، لا كظل للرجل، بل كذات كاملة، تُجيد البناء، وتعزف على أوتار الوجدان دون خوف أو مجاملة.

 

  1. كيف يمكن للجيل الجديد أن يساهم في إحياء الزجل والحفاظ عليه؟

الجيل الجديد هو أمل الزجل، لكنه يحتاج لمن يدلّه على الطريق دون أن يقيّده.

أقترح أن يتم إدماج الزجل في الأندية التربوية، أن يُستثمر في ورشات شبابية تُقدّم الزجل بشكل ممتع وحديث.

كما أن من الضروري أن يجد الشاب من يرافقه لا من يُحاكمه، لأن الموهبة تنمو في مناخ من الثقة لا الخوف.

الزجل إذا أردناه أن يستمر، يجب أن نفتح له أبواب الحاضر ونمنحه أدوات العصر، دون أن نقطعه عن جذوره.

 

  1. ما هي أهم المحطات في مسيرتك الزجلية التي تعتبرها علامات فارقة؟

إذا كان لكل مسار شعري لحظة ولادة حقيقية، فإن أهم محطة في مسيرتي الزجلية كانت دون شك صدور ديواني الأول “زْمَان لَمْفَاهَمْ المَقْلُوبَة”، لأنه لم يكن مجرد تجميع لنصوص زجلية، بل كان بمثابة الباب الذي دخلت منه إلى عالم الزجل من موقع الممارسة الجادة والواعية.

بهذا العمل الأول، شعرت بأن صوتي الزجلي بدأ يتشكّل ويبحث له عن مكان بين أصوات أخرى، وأنني لست مجرد هاوٍ بل حامل لمشروع تعبيري له رؤيته الخاصة.

محطة أخرى لا تقل أهمية، هي انخراطي الفعلي في العمل الثقافي من خلال الصالون الثقافي مجمع الخوت للثقافة والفنون بالحي المحمدي. هذا الفضاء الإبداعي لم يكن فقط منبرًا لعرض النصوص، بل مدرسة حقيقية جمعتني بنخبة من الشعراء والأدباء والمفكرين والنقاد، وساهم في صقل رؤيتي الفنية، وفي تعزيز الإيمان بأن الزجل لا يُكتب في العزلة فقط، بل ينمو ويترسّخ في الفعل الجماعي والمشاركة الفكرية.

وتوالت بعد ذلك محطات أخرى أغنت تجربتي، من بينها مشاركتي في دواوين جماعية مثل “أطياف الليل” “قصائد بيضاء ” ” رحلة في أبعاد الابداع “، والتي كانت تجربة تلاقح وتلاقٍ، أظهرت لي كيف تختلف الألوان وتتكامل داخل نص جماعي.

كما أعتز كثيرًا بـمشاركتي في عدد من الحفلات والمناسبات الشعرية، حيث تعلّمت كيف يتجسد النص فوق الخشبة، ويصير كيانًا نابضًا في حضرة الجمهور.

أما صدور ديواني “حريفات من حوض الذات”، فهو المحطة الأقرب إلى القلب، لأنه جاء بعد مسار من التراكم والتأمل، وكان أشبه بمصالحة شعرية مع الذات، وتعبير عن نضج إنساني وفني شعرت بأنه نابع من أعماقي الصادقة.

 

  1. هل ترى أن هناك حاجة لتوثيق الزجل المغربي بشكل أكبر؟ وما هي الطرق المقترحة لذلك؟

دون أدنى شك، توثيق الزجل المغربي لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبح ضرورة ملحّة، لأن هذا الفن الشفهي الجميل مهدد بالتلاشي في زمن السرعة والنسيان. فالزجل يُقال ليُسمع، وغالبًا لا يُدوَّن، مما يجعله عرضة للاندثار رغم عمقه وغناه.

إننا بحاجة ماسة إلى بناء أرشيف وطني حيّ للزجل المغربي، يكون شاملاً ومتنوعًا، يضم المتن المكتوب والمسموع والمرئي، ويُبرز تنوع التجارب وتعدد الأصوات والزوايا.

نحن بحاجة إلى منصات رقمية تتيح للجمهور والدارسين والمهتمين الولوج إلى هذا الموروث الغني، والاستفادة منه، وتأمله ضمن سياقه الفني والاجتماعي.

كما يجب أن يمتد هذا التوثيق إلى الزجالين الذين لا يمتلكون القدرة المادية على طبع دواوينهم أو تسجيل إبداعاتهم. فكم من صوت صادق وصوت مؤثر بقي حبيس دفاتر مهترئة أو أشرطة منسية، لمجرد غياب الدعم والإمكانيات. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الثقافية، وواجب مد يد العون لهؤلاء الزجالين، لأن الزجل ليس فقط من يُحتفى به في المنصات، بل هو أيضًا ذاك الذي يُقاوم النسيان في الهامش.

التوثيق لا يجب أن يبقى حكرًا على الجهات الرسمية فقط، بل هو واجب جماعي، تتقاطع فيه جهود الزجالين أنفسهم، والباحثين، والجمعيات الثقافية، وحتى الإعلاميين.

أسئلة شخصية وتأملية

  1. ما هو أعمق أثر تركه الزجل في حياتك الشخصية؟

الزجل بالنسبة لي لم يكن مجرّد وسيلة للتعبير، بل كان نافذة تطلّ منها روحي على ذاتها.

كان رفيقي في لحظات التوتر والانكسار، ومرآتي حين كنتُ أبحث عن ملامحي في زحمة الحياة.

علّمني الزجل كيف أصغي لصوتي الداخلي، وكيف أُصغي للناس بقلبي قبل أذني. جعـلني أكتب ما لا يُقال، وأبوح بما لا يُبوح به الحديث العادي. هو اللغة التي صالحتني مع ذاكرتي.

لكن الأثر الأعمق، هو أنه أخرجني من ضيق العالم الفردي إلى فسحة اللقاء الإنساني.

الزجل فتح أمامي أبوابًا لم أكن أعلم بوجودها، وعرّفني على وجوه وقلوب لم أكن أحلم أن ألتقي بها. نقلني من عزلتي إلى عالم فسيح تتلاقح فيه التجارب، وتتناغم فيه الأصوات، وتُبنى فيه جسور المحبة بيني وبين أناس يقرأونني قبل أن يعرفوني.

الزجل، بكل بساطة، منحني حياة ثانية، بل حياةً أكثر صدقًا وامتلاءً.

 

  1. لو لم تكن زجالًا، فماذا كنت ستكون؟

لو لم أكن زجّالًا، لكنت موسيقيًا يعزف على أوتار القيتارة، ويكتب ألحانه بكلمات من وجد وشجن.

لطالما راودني الحلم بأن أكون ذاك العازف الذي يمزج بين النغم والمعنى، بين وترٍ يئنّ وشطرٍ يُحاكي الوجدان.

ففي داخلي، كانت اللغة تسكن جنْبًا إلى جنب مع الموسيقى، وإن لم تخرج كزجل، لخرجت كنغمةٍ تقطر شعرًا.

كنت سأكتب كلماتي، وألحّنها بصوتي الداخلي، وأدعها تخرج كما تخرج الآهات من قلب الوتر حين تلامسه الأصابع بإحساس حقيقي.

فالموسيقى، مثل الزجل، لغة أخرى… لا تحتاج إلى ترجمان، بل إلى صدق.

وأنا، سواء كنت زجالًا أو موسيقيًا، كنت سأبحث دائمًا عن تلك اللغة التي تُشبهني، وتُشبه الناس من حولي.

 

  1. ما هي الرسالة التي تحرص دائمًا على إيصالها للجمهور من خلال زجلك؟

رسالتي بسيطة ومعقّدة في آن… أن نكون أوفياء لجوهرنا، أن نُعبّر عن ذاتنا دون تكلّف أو خجل، وأن نعيد الاعتبار للقيم التي هزّها الواقع ولم يسقطها.

أكتب لأقول إن الإنسان، رغم هشاشته، ما زال قادرًا على الحلم… وإن الكلمات ليست فقط وسيلة للزينة، بل سلاح نبيل في وجه القبح والرداءة.

أريد أن يشعر القارئ أو المستمع أن القصيدة كتبت عنه، وكأنها لمست شيئًا نسي أنه يسكنه.

 

  1. ما هي القصيدة الزجلية الأقرب إلى قلبك من أعمالك الخاصة، ولماذا؟

القصيدة الأقرب إلى قلبي هي “الراضي والغاوية وحب الهاوية”، وهي من ديواني “حريفات من حوض الذات”، بل وتُعدّ أطول قصيدة فيه.

مكانتها نابعة من كونها لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تغوص في أعماق الذات، وتطرح بأسلوب زجلي مكثّف ذاك الصراع الأزلي بين الإنسان ونفسه، بين العقل والرغبة، بين الرضا والهوى،

إنها قصيدة تتجاوز الطابع السردي أو التقريري، لترتقي إلى مستوى التأمل في الإنسان ككائن هشّ، ممزق بين نداءات الروح وإغواءات الجسد.

وكذلك قصيدة “الحرف المرْضي”، وهي نص آخر من نصوص هذا الديوان، له مكانة خاصة عندي لأنه استطاع أن يعبر حدود اللغة، ويُترجم إلى اللغة الإنجليزية في الديوان المشترك “قصائد بيضاء”  في تجربة فتحت أمامي أفقًا جديدًا، وأكدت لي أن الزجل حين يكون صادقًا في نبضه، يُفهم حتى لو تغيّرت الألسنة. لم نكتب ذاكرتنا الزجلية، ونُؤرشفها، ونُعلّقها على جدران الوعي الجماعي، فإنها ستذوب كما يذوب الحرف في الصدى.

 

ورقة عن الزجال محمد بزكري

–  شاعر و زجال

– حاصل على الباكالوريا شعبة انجليزية.

– حاصل على الاجازة في الحقوق

– حاصل على شهادة مركز التكوين الإداري بالدار البيضاء.

– عضو بجمعية اطر الجماعة الحضرية للدار البيضاء.

–  نائب أمين مال جمعية الصالون الثقافي مجمع الخوت للثقافة والفنون بالحي المحمدي.

– شارك في عدة حفلات وطنية فنية وثقافية.

– نال عدة شواهد تقديرية من عدة جمعيات.

– له ديوان بعنوان “زْمَانْ لَمْفَاهَم المَقْلُوبَة”

–  شارك بديوان شعري جماعي “أطياف الليل”.

– صدر له مؤخرا ديوان بعنوان “حْرِيفَاتْ مَنْ حَوْض الذَّاتْ”.

–  ديوان مشترك بعنوان “قصائد بيضاء” أنطولوجيا شعرية دولية بلغتين عربية وانجليزية.

– شارك مؤخرا في كتاب رحلة في أبعد الابعاد سيرة وأثر

 

نص زجلي: الحَرْف المَرْضِي

محمد بزكري

إِلاَ مَكَانْشْ حَرْفِي
يَخَرَّجْ هْبَالِي
يْدَاوِي حَالِي
يْدَفِّي الوَحْدَة
فِي اللَّيَالِي
يْفَرَّقْ بِينْ
الرَّخِيصْ وَالغَالِي
أَشْ نْدِيرْ بِيهْ

إِلاَ مَكَانْشْ حَرْفِي
يْسَرَّحْ الصُّوتْ المَبْحُوحْ
فْ قَرْجُوطَةْ البُوحْ
يْهَيَّجْ لَكْلاَمْ الگَارَحْ
وَقْتْ الضِّيمْ
يْكُونْ مُولْ الَكْسِيبَة،
مَاشِي سَارَحْ
مَاتْشَدُّو گَمْزَةْ النْقِيلْ
وَلاَ تَحْرِيفْ الإِنْجِيلْ
وَلاَ قَالْ وَقِيلْ بَالعَلاَّلِي
وفِي قَلْعَة القْصَايَدْ
حْكِيمْ مَاشِي بُوهَالِي
أَشْ نْدِيرْ بِيهْ

إِلاَ مَكَانْشْ حَرْفِي
يَعْطِينِي الطُّوعْ
وَقْتْ الكَتْبَة
مَايْشَدُّو عْنَادْ
العَوْدْ الحَرَّانْ
وَسْطْ السَّرْبَة
وْرَاقُو مَحْرَكْ
اَقْلاَمُو حَرْبَة
مْقَدَّمْ مَاتْشَدُّو رَهْبَة
وَلاَ سِيحْتْ الزَّرْبَة
مْدَادُو سَاكْنَاهْ الجَّدْبَة
أَشْ نْدِيرْ بِيهْ

إِلاَ مَكَانْشْ حَرْفِي
يْوَرِّينِي ذْنُوبِي
يْرَقَّعْ عْيُوبِي
يْگُولْ للنَّفْسْ تُوبِي
يَعْطِينِي سَرُّو
وَنَعْطِيهْ العَاهَدْ
مَانْخُونُو مَانْضَرُّو
أَشْ نْدِيرْ بِيهْ

إِلاَ مَكَانْشْ حَرْفِي
يْوَگَّدْنِي
يْگَعَّدْ وْسَادِي
وَقْتْ الخِيبَة
يَتْشَعْبَطْ فِي الصَّبَرْ
يْخَرَّجْنِي مَنْ بْحَرْ الغُمَّة
وَمْوَاجِو الصَّعِيبَة
مَا يْخَلِّينِي للْحُوتْ
وَجِيبَة
نْسَرْسَبْ الَكْلاَم
فِي قْوالِي مَانَتْلاَمْ
مَا نْكُبْ مَايَا
فِي خَابْيَة غْرِيبَة
ولا نَغْرَسْ وَرْدِي
فِي زْرِيبَة
أَشْ نْدِيرْ بِيهْ

إِلاَ مَكَانْشْ حَرْفِي
يْخَرَّجْ تَعْوِيدَة الحَشْمَة
مَنْ ضُو الشَّمْعَة
يْرَدْهَا گَمْرَة
فِي تِيه الضَّلْمَة
ضَوِّي طْرِيقِي
وَنْحَقَّقْ الحَلْمَة
السَّاكْنَة فِي دْوَاخْلِي
مْنِينْ كَنْتْ نَتْهَجَّا
وَنَكْتَبْ حْرُوفِي عَوْجَا
نْكَابَرْ، نْعَافَرْ مْعَ السَّطَرْ
الگَمْرَة شَادَّة لِي الخَاطَرْ
تْهَزْ كْفُوفْهَا لَسْمَا
تَطْلَبْ الله يْزِيدْنِي حَكْمَة
تْشُوفْنِي بِينْ الكْوَاكَبْ نَجْمَة
الشَّمْسْ بَرْضَاهَا وَدْفَاهَا
تْكَمَّلْ اللُّوحَة فِي الرَّسْمَة
وَيَرْضَى حَرْفِي بالقَسْمَة
عَادْ نَرْضَا عْلِيه
وَشَلاَّ مَانْدِيرْ بِيهْ

 

زجال من المغرب

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً