إبراهيم أوحسين: سيرة حياة مُجَسِّدة للخير المطلق

رشيد بن بيه*
علاقتي بإبراهيم أوحسين – رحمة الله عليه – مختلفة تمام الاختلاف عن علاقاتي بباقي أصدقائي؛ لأني لم أتعرف عليه كما تعرفت عليهم في دروب الحياة الدراسية أو المهنية. لقد كانت صداقتنا رحلةَ عمر، امتدت من الصبا إلى أن اختطفه الموت، ونحن غير مصدقين لذلك حتى الآن.
لقد درسنا معًا في مسجد الحي عند أخي عبد السلام بن بيه الذي خصَّه الفقيد بتكريم يليق بالجهد الذي قدمه لأبناء أسر منطقة سيدي ميمون الهادئة، في وقت ندر فيه المتطوعون لتدريس أبناء صغار الفلاحين والعمال المياومين مقابل درهمين لكل أسبوع. فلولاه لما تعلمنا حروفنا الأولى، وما استطعنا مسايرة الدراسة النظامية. ويتذكر أخي – الفقيه – الذي درَّس المرحوم خلال هذه المرحلة بكل اعتزاز وتأثر “أن إبراهيم أوحسين – رحمة الله عليه – كانت تظهر عليه علامات النبوغ منذ الطفولة الصغرى، فقد كان طفلاً نجيبًا، متقد الذكاء، وسريع التعلم والبديهة، مقارنة بأقرانه ومع العديد من الأطفال الذين علمهم فيما بعد”.
كنا بمعية بعض أصدقاء الطفولة نقطع مسافة نصف كيلومتر تقريبًا كل يوم – باستثناء يوم الجمعة – جيئة وذهابًا من بيوتنا المتباعدة مسافات قصيرة إلى المسجد، ونعني به هنا “تيمزكيدا” لتعلم العربية، ومبادئ الحساب والكتابة، وحفظ سور من القرآن… إلخ. وواظبنا، بعد الالتحاق بالمدرسة، على الذهاب إلى المسجد خلال أيام العطل المدرسية في نفس المسجد. نتذكر – دوماً – الأحاديث البريئة التي كنا نتبادلها بشغف لا يُنسى حول ما كنا ندركه ونتمثله في ذلك العمر. واستمرت علاقاتنا على هذا النحو خلال المرحلة الابتدائية والثانوية. امتهنّا التعليم الابتدائي معًا تحت ضغط الحاجة. وقادنا القدر فيما بعد إلى الكتابة والإبداع لعلهما يعوّضان عن هزائمنا الذاتية. تجددت أحاديثنا بمواضيع الأدب والفكر، دون أن نقطع الصلة بذكريات الطفولة التي نستردها في كل لقاءاتنا، بما تشمل من أمكنة وشخوص؛ ضمّن بعضها في روايته: حافي القدمين، التي لم يسعفه القدر المحتوم على نشرها.
واستمرت علاقتنا منذ ذلك التاريخ إلى أن اختطفته منا المنايا، دون أن يمس صداقتنا أي توتر مهما كان بسيطًا. ويسري ذلك أيضًا على علاقاته مع الجميع، فبمرور الزمن تتوطد علاقات إبراهيم أوحسين – رحمة الله عليه – مع زملائه دون أن تتهاوى. ويشهد على ذلك دائرة محبّيه التي تشمل طيفًا واسعًا من فئات المجتمع المختلفة انتماءاتهم: اجتماعيًا وفكريًا وثقافيًا. تُبيِّن علاقات الفقيد بأصدقائه وبمحبّيه أن لا شيء يمكن أن يوصل المرء إلى مرتبة كهذه، غير خصال كثيرة اتصف بها مثل الطيبوبة، والإيثار، والصدق، والإخلاص، والتواضع الجم، وصفاء السريرة.
كان إبراهيم أوحسين – رحمه الله – منذ طفولته لين المعشر، مأمون الجانب لا يؤذي غيره، خفيف الظل، وذا أثر عظيم على زملائه ومحيطه. لقد كان نموذجًا لغيره في أمور شتى: في الصدق، وفي الاحترام، وفي الالتزام، وفي حب الخير، وفي نكران الذات. لقد كان إنسانًا خيرًا على نحو مطلق.
لم أر أبرَّ بوالديه وإخوته من إبراهيم أوحسين – رحمة الله عليه – فقد ظل السند الأكبر لأسرته طوال عمره القصير، في نكران للذات منقطع النظير، بل ونسيان لها؛ وعبر عن ذلك في صفحة الإهداء في رواية مدرس تحت الصفر كما يلي: ” لأمثالي، أولئك الذين غادروا أنفسهم ذات يوم وعجزوا عن العودة إليها إلى الأبد”. كان متقبلاً لكل شيء، راضيًا عن نفسه، وعائلته، وغيره، ومحيطه. لا يشتكي، ولا يتذمر. انشغل بما آمن به دون كلل، وتسامى بهمومه، وحولها إلى إبداع رفيع، بوّأه مصاف المبدعين الكبار، كما تشهد على ذلك الجوائز القيمة التي حصل عليها في الشعر والأدب، داخل المغرب وخارجه منذ العشرينيات من عمره.
لم يتعبه سوى انتمائه لقطاع التعليم، الذي تمناه أن يكون حاله أفضل. لقد كتب متحسرًا في روايته: مدرس تحت الصفر، خلاصة تجربته: “بعد مزاولتي لهذه المهنة بشكل مباشر، وبعد الاقتراب حقيقة مما ترزح تحته من تحديات وإشكالات وعشوائية مطلقة، يمكن القول، بل الجزم بأن رمزية المدرس باتت على المحك، إذ لم يعرف هذا الأخير حالًا أسوأ من حالة اليوم”. وصرح لي أكثر من مرة أنه لا ينتظر شيئًا في هذه الحياة سوى بلوغ مرحلة التقاعد النسبي للتفرغ لما يقوم به. كنت أنتظر أن يصل إلى تلك المرحلة، لكونه سيستثمرها بما يعود بالنفع العميم على محيطه، لكن شاء الله، وما قدر فعل.
إبراهيم أوحسين، رحمة الله عليه، خير مطلق. كان يسعد دوماً بما يحققه أصدقاؤه، ويشهد على ذلك ما كتبه في حقهم من شهادات طيبة، تبرهن على خلو قلبه من الغل والحسد. وقد شرفني بذلك مرارًا، واعترف أن لا سعادة تضاهي شعوري عندما أقرأ ما خطه في حقي من عبارات جميلة ستظل، دوماً، تضيء طريقي.
وُلد الفقيد إبراهيم أوحسين ليكون مبدعًا، وأديبًا وشاعرًا، لا مهندسًا كما تمنى، أو موظفًا كما فرضت عليه ظروفه العائلية والاقتصادية والاجتماعية، إذ لم تكن مغادرته للمعهد العالي للتكنولوجيا، واختياره التعليم إلا قدرًا جميلاً يسّر له معانقة الإبداع الذي كان قدره منذ البدء. كتب المرحوم بخصوص هذا التحول ما يلي: “أفشيت خبر حصولي على مقعد في مركز تكوين المعلمين لأفراد أسرتي، وكم لبثت متحسرًا على مغادرة المعهد العالي للتكنولوجيا التطبيقية، متمنيًا في رحابه آنئذ مواصلة دراستي عبره في الديار الأوروبية”.
الفقيد إبراهيم أوحسين، أديب عصامي، وشاعر موهوب، وروائي متميز، كون نفسه بنفسه بشكل لا تستطيع المؤسسات الثقافية والتربوية أن تُدرب عليه أحدًا. وأصبح شاعرًا ومبدعًا محترمًا، ومعترفًا بموهبته داخل المغرب وخارجه. تميز المرحوم بإتقان علوم اللغة والبلاغة والعروض، وفنون الصنعة الأدبية في أجناس كثيرة مثل الشعر، والرواية، والمقالة. وخلف لنا، بعد رحلة عمر قصيرة، أعمالًا أدبية رائعة ودواوين شعرية جميلة، ومقالات قيمة، سيرًا على خطى عظماء الأدب العربي ومفكريه. لا يمكن أن نقارن إبراهيم أوحسين إلا بأولئك العظماء، كما فعل الدكتور منى أبو بكر زيتون، الذي رفع رواية مدرس تحت الصفر إلى مصاف يوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم؛ أحد هؤلاء العظماء الذين كان إبراهيم أوحسين يتحدث عن أهمية أعمالهم مثل محمود شاكر، وعباس محمود العقاد، ونجيب محفوظ وغيرهم.
يسافر قارئ إبداعات إبراهيم أوحسين – رحمه الله عليه – عبر التاريخ العالمي، ويسلك جغرافيات شعوب وأمم وقبائل كثيرة، ويستفيد معلومات تاريخية واقتصادية واجتماعية وعلمية قيمة، ويستخلص معاني حكم ثمينة لفلاسفة الشرق والغرب، ويتعظ بسير الأنبياء ومواقف الصحابة والأئمة وغيرهم.
وتميز في كتاباته – عن غيره – برؤيته المتوازنة للقضايا التي ناقش فيها الآخرين بأدب جم، وبانطلاقه دومًا من نظرة تحررية يكتشفها القارئ في كل كتاباته. كتب في رواية مدرس تحت الصفر بروح تحررية: “يبقى “الانبهار” إذن بعقول الغربيين قطعًا في غير محله، كون العقول قسمة إلهية عادلة”. ولم يقنعه أبدًا السير مع السائرين دون وجهة معلومة، ولا الخوض مع الخائضين دون علم بالأمور، بل كان حريصًا على تقدير مواقفه تقديرًا متوازنًا قبل الإفصاح عنه. كان منصفًا في آرائه تجاه قضايا مجتمعه، ومقنعًا للجميع في كتاباته التي خصصها لموضوعات كثيرة مثل السياسة، والعدالة، والتربية، والتعلم والفن والأدب، إلخ. كان يرى “أن الكتابة هي ضامننا الوحيد لامتداد أزمنتنا ورفعها إلى مرتبة الخلود”، وقد نجح في ذلك، إذ خلّد المرحوم إبراهيم أوحسين في مقالاته المنشورة في كتب، تفاصيل كثيرة من حياتنا، كما فعل على سبيل المثال في كتابيه: البدائي الذي يسكننا، ومسامير، هذا الكتاب الأخير الذي وجهه للطبع قبل وفاته بأيام قليلة.
كنت حريصًا على أن أتقاسم مع إبراهيم أوحسين – رحمه الله رحمة واسعة – بعضًا مما كتبت، ولم أتلقَ منه إلا التشجيع الدائم، وكان بدوره حريصًا على أن أقرأ ما كتبه من مقالات، وما نشره من أعمال، وقد أهداني تقريبًا جلَّ أعماله. وكنت أسعد بذلك سعادة كبيرة. وكانت لجلساتنا في سيدي ميمون، وقصبة الطاهر، وأيت ملول متعة فكرية لا تضاهى، ونحن نناقش ما كتبناه، ونتداول فيما سنقوم به.
كنت أتطلع دائمًا إلى رأيه فيما أكتب، وأسعد بملاحظاته حول ما أنشر. كان دائم التشجيع لزملائه الكتاب، والمبدعين الناشئين الذين كتب في حقهم شهادات مشجعة لهم، وكنت واحدًا من هؤلاء الذين شرفهم باهتمامه، في صفحته الاجتماعية الراقية، وفي كتابيه: مسامير، وحافي القدمين. وأعترف أنني مدين له بفضل كبير يصعب رده.
قام إبراهيم أوحسين – تغمده الله بواسع رحمته – بمعية أصدقائه باستنبات فعل ثقافي حقيقي في منطقة قصبة الطاهر في أوساط شباب تائه، محبط، ومحيط معادٍ للثقافة لأنها لا تستجيب لحاجاته الأساسية الملحة من غذاء وتطبيب. واستطاع بحسن تواصله ولين معشره أن يؤطر شباب هذه المنطقة التي لم تشهد يومًا فعلاً ثقافيًا، ولو في أشكاله الأولية. كان دافعه في ذلك وعيه الحاد بأهمية التربية والتعليم، وكان رأسماله لتحقيق رسالته الصدق مع الآخرين، وحب الخير لمنطقته. لقد اختار – بوعي منه – إنهاء مقدمة بعض مؤلفاته بعبارة “حرر بـ: قصبة الطاهر”، التي كان يشفق على حالها بقدر ما كان يعمل بصدق للتأثير إيجابيًا في وضعها، وقد حقق نتائج باهرة بإمكانيات بسيطة. برهن إبراهيم أوحسين رحمه الله عليه عمليًا بما آمن به، ودافع عنه في مقالاته، من كون تنمية الإنسان أولى من رفع البنيان.
ولم يقتصر ما قام به على منطقته، بل تجاوز تأثيره هذا الإطار المحلي، فقد كان عضوًا مؤسسًا لهيئات إبداعية كثيرة، وفاعلاً في منتديات عدة، وكاتبًا في منابر ثقافية وأدبية جمة. عانق إبراهيم أوحسين – رحمة الله عليه – المحلي والكوني كغيره من المبدعين الكبار، الذين تعرفنا عبرهم على مناطق محلية مغمورة، مقدمًا بذلك نموذجًا يُحتذى به لغيره في منطقة تعاني من غياب نماذج النخب، المحفزة للنشاط الثقافي والإبداع الأدبي والتطور الحضاري.
رحل عنا إبراهيم أوحسين ذات يوم أسود، وأعترف أني لم أعد بخير بعد وفاته. رحل عنَّا مخلفًا أعمالًا جليلة، وآثارًا طيبة في نفوس ذويه وأصدقائه ومحبيه، رجالًا ونساءً، ونشعر – جميعًا – أن الفراغ المهول الذي خلفه غيابه لا يمكن تعويضه، ولو بقدر يسير، إلا باستلهام رؤيته. وبذلك، سيظل إبراهيم أوحسين يحيا فينا ما حيينا.
رحم الله الفقيد وتغمده بواسع رحمته، وأسكنه الفردوس الأعلى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أستاذ علم الاجتماع،
كلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية،
أيت ملول جامعة ابن زهر، أكادير
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي