مقدّمة.. روح الشّعر في نصّ نثريّ: الأنثروبولوجيا والتاريخ: تأملات في مساهمة نوربرت إلياس
سفيان حنون*
كيف يمكن للتاريخ أن يكون موضوعًا للأنثروبولوجيا؟
يرى بيير بورديو أن المؤرخين لم يتعرفوا على أعمال ماكس فيبر إلا من خلال كتاب نوربرت إلياس “مجتمع البلاط”. هذا التعليق يشير إلى التلقي المتأخر لسوسيولوجيا نوربرت إلياس في الأوساط العلمية الفرنسية. ففي كتابه “تاريخ الفكر السوسيولوجي”، لم يذكر ريمون آرون أي عمل لإلياس. تأخر إذن تلقي أعمال عالم الاجتماع الألماني في فرنسا، وخصوصًا “مجتمع البلاط” الذي اعتُبر عملًا تاريخيًا بعيدًا عن العمل السوسيولوجي الميداني.
إن “مجتمع البلاط” هو بمثابة تطبيق عملي للجهاز المفاهيمي الفيبري، مثل السلطة كهيمنة، والدولة كجهاز لاحتكار العنف المادي المشروع. فقد تعرف المؤرخون على ماكس فيبر، وأصبحوا يعملون بمنهجه دون أن يعترفوا بذلك صراحة، كما يقول بيير بورديو [2]. لكن العمل على التاريخ لم يكن مألوفًا في الوسط الأكاديمي الأوروبي، أو على الأقل في السياق الذي ظهر فيه. فأعمال ماكس فيبر نفسه ارتكزت على الوثائق التاريخية وبناء المفاهيم انطلاقًا من أحداث بُنيت داخل سياقاتها الثقافية، مثل “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” و”اليهودية القديمة”. كلها أعمال اعتمدت على التاريخ.
غير أن إلياس أُجبر على تبرير عمله على التاريخ. فقد طلب منه، وهو يؤكد ذلك، مدير دار النشر أن يكتب مقدمة تمهيدية لكتاب “مجتمع البلاط” لطبعة عام 1969. لم يُكتب “مجتمع البلاط” في هذه السنة، بل كان قد انتهى العمل عليه، وكان سيُقدم كأطروحة لنيل شهادة الأهلية العلمية، حين كان إلياس مساعدًا لكارل مانهايم في ثلاثينات القرن الماضي. جل المراجع التي يحيل عليها تنتمي إلى ما قبل سنوات الثلاثينات، كما يعلق روجيه شاتييه. إضافة إلى ذلك، يضيف شاتييه، فإن السياق السياسي والثقافي لسنوات الثلاثينات حاضر في كتابات إلياس: ففكرة الجماعة الكاريزمية، باعتبارها محور القوة في السيطرة واحتكار السلطة، هي تجلٍ للاشتراكية الوطنية التي هيمنت على السلطة في بداية الثلاثينات من القرن الماضي في ألمانيا [3].
إن وضع الكتاب في سياقه التاريخي أمر أساسي، لكنه لا يلغي الاهتمام بالبنية المفاهيمية التي نحتها إلياس. ولكي تظهر هذه البنية بشكل أوضح، يجب أن نتوقف عند كيفية تبرير العمل بالتاريخ باعتباره موضوعًا لعلم الاجتماع.
لقد كان اهتمام علم الاجتماع بالمجتمعات الإقطاعية والصناعية شبه مهيمن في الوسط الأكاديمي. إلا أن مجتمع البلاط، باعتباره مرحلة من مراحل سيرورة تمركز السلطة في المجتمعات الأوروبية وغيرها (الهند، الصين مثلاً)، لم يُدرس سوسيولوجيًا، بالرغم من أنه كان سابقًا للمجتمعات الإقطاعية والصناعية، وأفضى إليها بشكل أو بآخر. إن العمل على تحليل مجتمع بلاط لويس الرابع عشر هو محاولة لبناء علاقات السلطة وتفكيك الروابط الاجتماعية التي تعمل داخل دينامية فريدة للمحافظة على تمركز السلطة. إن التمركز المتصاعد لسلطة الدولة، يتجلى أساسًا بالنسبة لإلياس في الانتقال من شكل يغيب فيه تمركز سلطة الضرائب والقوة العسكرية، إلى شكل يكون فيه هذا التمركز هو أساس ماهية الدولة. هذا يستوجب تغيير طريقة طرح المشكلة، أي الانتقال من السرد التاريخي للأحداث إلى وجهة نظر سوسيولوجية.
إن السرد التاريخي يخبرنا كيف أصبح الملك ملكًا ويحكي شروط توليه الحكم، بيد أن التحليل السوسيولوجي يسلط الضوء على الوضع الاجتماعي وتطور سيادة الملك. فممثل السيادة الملكية قد يُعزل، دون أن ينتفي دوره داخل دينامية المجتمع. تستمر السلطة بنفس الشكل، مما يستدعي تحليلًا غير تاريخي للواقعة. كيف استمر نظام حكم ملكي – في سياق دراسة بلاط لويس الرابع عشر – وكيف استمر آلاف الرعايا في الخضوع لنفس السلطة دون انقطاع، بالرغم من تنوع السلالات والعائلات الحاكمة؟
إن القراءة السوسيولوجية لمجتمع البلاط تمكننا من تفادي مجموعة من القراءات العامة أو العموميات التي يستدعيها البحث في تاريخ الأفكار السياسية، على سبيل المثال. فالقول بالسلطة المطلقة (Absolutism) أو الحكم المطلق (Autocracy) يقتضي البحث عن نماذج في تاريخ الفكر السياسي لحاكم أو سلطان مارس بالفعل الحكم المطلق، كما تصفه جل الكتابات في تاريخ الأفكار السياسية. إلا أن التفكير السوسيولوجي، في تحليله لوضعيات مصغرة – أي في محاولة للقرب من الفاعل – ليس لتأكيد تصور ما بشكل استنباطي، بل في محاولة لوصف كيفية ممارسة السلطة داخل المملكة أو داخل البلاط، قد يتضح أن لويس الرابع عشر، أو الحسن الأول، أو حاييم روك، كان شخصية مسجونة داخل وضع الملك أو السلطان، أي داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية المترابطة بشكل متبادل (Interdépendants). إن أي محاولة للفهم تقتضي تفكيك العمليات النوعية التي يقوم بها الملك داخل البلاط. فكل فعل يستدعي شبكة من المعاني تُضفي عليه معنى وتجعله مقبولًا في سياقه الثقافي. التفكير في ممارسة السلطة بشكل فردي يمنعنا من الفهم والتفسير. فكل فعل يرتبط بفاعلين آخرين، ويرتبط بشروط أنتجت هذا الفعل ذاته، ويرتبط بسياق يجعل هذا الفعل مفهومًا بالنسبة لفاعله وللآخرين. إن سرد حركات الملك لا يسعفنا في فهم تشكل السلطة من جهة، وقبولها وتبريرها من جهة ثانية.
إن عمل نوربرت إلياس ليس نقدًا للتاريخ بل هو تقويم وتصحيح للرؤية التي توجه المؤرخ نفسه. يقول: “التاريخ ليس سوى تراكم لأفعال معزولة، لشخوص معزولة، لا ترتبط ببعضها البعض. إن التاريخ الكلاسيكي لم يشتغل بمفاهيم من قبيل “الدولة”، “الملكية”، “المجتمع الصناعي” [4]. فقد كانت كل المفاهيم في هامش التفكير التاريخي”. مما يفسر إعادة كتابة التاريخ بشكل مستمر. فمجموعة من البحوث التاريخية قد تحمل عنوانًا واحدًا: “تاريخ المغرب”، “تاريخ فرنسا”… إلخ. إن إعادة كتابة التاريخ تجعله دائم الحركة، غير أنه غير مستقل عن حاضره. فالمتغيرات الاجتماعية والشروط السياسية تدفع المؤرخ إلى إعادة كتابة التاريخ بشكل ينسجم مع معطيات جديدة، ترجع أساسًا إلى تغير الشروط السياسية والعلاقات بين الدول. إن العودة إلى النصوص ووثائق الأرشيف تمنح لعالم الاجتماع الفرصة لتفادي التأويل وتأويل التأويل. فالانفلات من الحاضر وتوخي الموضوعية وتحقيق الحياد القيمي كما وصفه ماكس فيبر يقتضي الرجوع إلى نقطة البداية.
إن عملية القرب، هي عملية منهجية تقتضي تجاوز التفسيرات المرتبطة بسياقات اجتماعية خاصة. عاد نوربرت إلياس إلى كتابات سان سيمون، المعتاد على بلاط لويس الرابع عشر. كتب سان سيمون عن أحداث قد تظهر للمؤرخ وكأنها عبثية، أو هامشية. يصف سان سيمون دعوة الملك لمجموعة من الشخصيات لمرافقته للقنص. يقتفي عالم الاجتماع الألماني أثر هذه الدعوات: متى كتبت، كيف كتبت، لمن أرسلت، ولمن لم ترسل. فالقول إن شخصيات تلقت دعوة من الملك يجعل هذه الشخصيات بارزة، وليس العكس. إن دعوة الملك هي مناسبة لتقريب البعض وإبعاد البعض الآخر. فهواية القنص ليست مناسبة ترفيهية فقط، بل آلية للهيمنة والحكم. إن العودة إلى المصادر وإن كانت صعبة وشاقة هي عملية ضرورية للبحث الأنثروبولوجي في التاريخ. إن سياسة حكم الإدارة الاستعمارية في المغرب قد خلفت عددًا هائلاً من الوثائق التي تصف عمل وحركات واستقبالات السلطان مولاي يوسف. لم يكتب المؤرخ عن هذا السلطان سوى نتف متناثرة هنا وهناك. فالعودة للوثائق، للجرائد، للرسائل، إلى صور توثق تلك الحقبة، تمكن عالم الاجتماع من وصف بنية الحكم الملكي، كيف كانت وكيف أصبحت. إن الرجوع للأرشيف يجعلنا نتفادى القراءات المرتبطة بخلفيات إيديولوجية أو فلسفية.
إن تعدد وتنوع واختلاف الكتابات التي تحمل عنوان “تاريخ المغرب” مثلاً، يعكس تعدد وتنوع واختلاف الرؤى والخلفيات. إلا أنه يظل المؤشر الأقوى على غياب التراكم المعرفي. فالمؤرخ لا يبدأ من حيث انتهى المؤرخ، بل يبدأ من حيث بدأ برؤية جديدة تسعى إلى انتقاء الأحداث تبعًا لما يظهر له أنه خير أو شر. لم يُدرس بلاط السلاطين المغاربة كما درست حروبهم وانتصاراتهم وعلاقاتهم مع الدول والقبائل. إن النظرة العامة التي تُنتج صورة عامة قد تكون محددة بطبيعة البحوث داخل جماعة البحث الأكاديمي، ليظل الاهتمام بالبلاط الملكي، وشروط تشكل العلاقات داخله، وسيرورة الولاءات، ذات قيمة أقل معقولية بالنسبة للمؤرخ. إن النظرة الأنثروبولوجية لا تسعى لإنتاج نظرية قابلة للتحقق الميداني، بقدر ما تسعى لقراءة الاجتماعي بالاجتماعي، أي النظر إلى الفعل من داخل الدوافع الداعية إليه وداخل منطقه الخاص. إن هذا الأمر ليس دعوة للتحرر من نظرية اجتماعية، بقدر ما هي دعوة لتحويل النظرية إلى أداة للعمل على الوثائق التاريخية. إن تبني نظرة كيفما كانت، ومحاولة البحث عما يؤكدها، لا يجعلها عقيمة فقط، بل يشوه الواقع ويجبره على التكيف السليم نظريًا معها. إن النظرة الأنثروبولوجية هي محاولة لفهم الواقع كما يبنيه الفاعلون أنفسهم، داخل شبكة من المعاني نسجوها بشكل جماعي. إن استقراء الواقع بهذا المعنى يمنح للبحث الأنثروبولوجي في التاريخ معقولية. إلا أن كل محاولة للنظر من خلال نظرية محددة يجعلنا ننظر لأنفسنا من خلال الآخر أو نتبنى نظرة الآخر فينا. إن الآداب السلطانية مثلاً هي استعدادات، وشبكات من العلاقات التي تسعى لتقوية وضعية السلطان داخل البلاط وخارجه، إلا أن نظرة المؤرخ قد تختزلها في مجرد أفعال لا تستحق التعليق عليها. يقول نوربرت إلياس في هذا الصدد: “إن دراسة التنظيم الداخلي للقصور أو تفاصيل آداب البلاط، قد تظهر كغرابات بمقياس المؤرخ” [5].
إن الدفاع عن مشروعية البحث في التاريخ برؤية أنثروبولوجية، نابع من اعتبار أي تجمع بشري كيفما كان، تُنسج داخله علاقات متبادلة، يمكن أن يكون موضوعًا لعلم الاجتماع. فمجتمع بلاط لويس الرابع عشر، أو بلاط الحسن الأول، يُعتبر موضوعًا لعلم الاجتماع، ليس لأنه يثير بغرابته، بل لأنه يجمع الإنسان بالإنسان، وهذا التشكل هو السؤال الأساس لعلم الإنسان.
إن تلك الفروق بين ما هو مهم وما هو غير ذلك ناتج عن نظرة اختزالية تاريخية، تُعلي من شأن العلاقات الدولية والأحداث الكبرى، وتضع في الهامش تفاصيل العلاقات الاجتماعية بخلفية تحجب حكم القيمة الذي يحركها.
إن هذا الأمر لا يصدق فقط على البحث التاريخي الكلاسيكي، بل حتى على تاريخ الأنثروبولوجيا نفسه. فالأنثروبولوجيا الكولونيالية، في دراستها للمجتمع المغربي مثلاً، لم تكن واحدة بل متعددة، بتعدد الرؤى والاستعدادات النظرية والثقافية. ويرجع الفضل في حسم هذا الأمر للباحث الأنثروبولوجي حسن رشيق في كتابه “القريب والبعيد” [6]. إذ لا يمكن مقارنة بحث أوغوست موليرا مثلاً بأعمال جاك بيرك. فالأول يصف الجماعات داخل مداشرها دون أن يزور تلك المداشر، أما الثاني فقد مكث في الميدان الذي درسه زهاء تسعة عشر سنة. إضافة إلى ذلك، فالاستعدادات القبلية (نظرية أو ثقافية) قد تؤثر على إنتاج الباحث. فحكم القيمة الذي يوجه تحديد ما هو مهم وما هو أقل أهمية، يعمل في التاريخ كما يعمل في الأنثروبولوجيا. فالمراحل التاريخية كلها مهمة، والتمييز بينها ليس أمرًا معرفيًا بقدر ما هو تجريد لحكم قيمة ما. يمكن أن نعثر على غزارة الإنتاج في قراءة مغرب القرن التاسع عشر، في حين يسود صمت في مرحلة أول سلطان للإدارة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب. وهذا راجع لاعتبارات المؤرخ. فالشخصيات المتميزة بالنسبة لعالم التاريخ هي موضوعه الأساس. إن هذا التمييز لا يفسر بالنسبة للمؤرخ بأسبابه، بل باعتباره كذلك فقط. إذ لا ينظر إلى لويس الرابع عشر أو إلى الجنرال ليوطي مثلاً، كشخصيات اعتبرها محيطها كذلك، أو استطاعت أن تكون كذلك داخل مجال علاقات القوة والسلطة، بل باعتبارها متميزة وسامية على الأفراد فقط. إلا أن هذا الحكم الناتج عن نظرة شبه غرائبية لإنجازات متميزة حققها هؤلاء، يحجب عن عالم الاجتماع الأسباب البعيدة التي جعلتها كذلك. فالبحث التاريخي لا يأخذ بعين الاعتبار الوضع الاجتماعي لهذه الشخصيات، بل يعتبرها في فردانيتها، وكأنها منعزلة عن محيطها، وكأنها تفكر وتنتج فلسفة، تبدع وتنتج فنًا أو أدبًا، في عالم مستقل عن العالم الاجتماعي.
إن عمل دانييل ريفي [7] حول تاريخ المغرب، أو سياسة المقيم العام الأول في المغرب، وفي محاولة إدماج النخبة السياسية المغربية والفرنسية، لم ينظر إلى كيفية تشكلها كنخبة سياسية، أو كيف تحققت تلك العلاقة بين المخزن المغربي والإدارة الاستعمارية الفرنسية. لقد انكب النظر على شخصية المقيم العام باعتبارها شخصية متميزة بشكل خاص. إن هذا التميز له ما يبرره، لكن داخل السيرورة الاجتماعية. لتوضيح ذلك، قدم نوربرت إلياس مثالاً لأحد المفكرين الفرنسيين المعاصرين للويس الرابع عشر والمترددين على بلاط الحكم، وهو سان سيمون، أحد الفاعلين في بلاط الملك. كان طموحه هو تحقيق ذاته كرجل دولة. في سياق السلطة الملكية، لم يكن ذلك ممكنًا سوى بالاندماج في بلاط الملوك. مُنع سان سيمون من دخول البلاط بأمر من لويس الرابع عشر، ولم يستطع حينها تجاوز المكائد التي كانت تُحاك ضده. فالتنافس ومكر الفاعلين داخل البلاط كان قويًا. وجه سان سيمون طموحه السياسي إلى شكل أدبي ينسجم مع ذوق نبلاء الدولة في كتابة المذكرات (Les mémoires). فدخل التاريخ كما يُقال [8]. فبدون الرجوع إلى الوضع الاجتماعي، والبيئة السوسيولوجية للبلاط الملكي، لا يمكن فهم إنتاج سان سيمون بالرجوع فقط إلى إرادته الفردية وطموحه الشخصي. فاعتباره فردًا أو شخصًا هو تجريد فلسفي وليس وصفًا واقعيًا. لا يمكننا أن نعزل الشخص أو الفرد عن السيرورة الاجتماعية، فهو لا يوجد إلا داخلها. بالرغم من أن تطور الشخص وتطور الوضع الاجتماعي أمران متمايزان. فالوضع الاجتماعي يتطور بشكل أكثر بطئًا من تطور الشخص [9]. فالملك أو السلطان يخضع لنسق من العادات الروتينية التي تشكل هويته داخل جماعة البلاط، بالرغم من تغير الأشخاص الذين تقلدوا نفس المهمة. إن أي تغيير في هذه العادات قد يعرض هيبة الملك للابتذال. غير مولاي عبد العزيز لون بنيات القصر في فاس، فاعتقد الناس أن السلطان أصبح نصرانيًا [10]. فالمحافظة على العادة، في الدولة التقليدية كما يصفها ماكس فيبر، هو بمثابة المحافظة على علاقات القوة والسلطة [11]. إن وصف السلطان مولاي عبد العزيز بالسلطان المطلق لا يفسر آلية الحكم، بقدر ما يحجب هشاشة الحكم.
إن اعتبار أو تفضيل الفرد على التشكل الاجتماعي، يميز عمل المؤرخ، في حين أن تفضيل التشكل الاجتماعي على الفرد يميز عمل عالم الاجتماع الوضعي. إن هذين الطرحين خاطئين بالنسبة لإلياس. فالأولى تعزل الفرد عن المجتمع، والثانية تُعلي من شأن المجتمع، وتضع الفرد في هامش العلم. إن علم الاجتماع لا يلغي دور الفرد، لكن يضعه داخل سيرورات التشكل الاجتماعي. فالتركيز على الفرد فقط، أو المجتمع فقط، نابع من نظرة فلسفية، بعيدة عما هو متحقق أو مُلاحظ في الواقع.
خلاصة:
إن عمل نوربرت إلياس حول بلاط الملك لويس الرابع عشر، هو نموذج للبحث الأنثروبولوجي في حقبة مضت. فالعمل التاريخي، وإن كان هامًا وأساسيًا في إنتاج معرفة حول الماضي، يظل محكومًا بالحاضر. فمهمة عالم الاجتماع هي الخوض في كواليس المؤرخ، والتي قد يعتبرها هذا الأخير هامشية، لا تستدعي التحليل العلمي. إن حضور الحاضر في عمل المؤرخ يتجلى أساسًا في أحكام القيمة التي تحرك الفكر التاريخي. فالسعي للبحث في تاريخ المغرب عن تشكل الفكر الوطني في عالم ما قبل الحماية [12]، نابع من دفاع المؤرخ نفسه عن فكرة الوطن، أي أنه أكثر وطنية من أولئك المدافعين عن تشكل فكرة الوطن من خلال السياسة الاستعمارية [13]. إن مجتمع البلاط الملكي لم يُدرس إلا بشكل سطحي، وهذا راجع لآراء المؤرخ نفسه، باعتباره فاعلاً أو على الأقل حاملاً لحساسية سياسية أو إيديولوجية ما.
إن العمل على كواليس المؤرخ قد يكشف دينامية المجتمع وطرق التشكل الاجتماعي للسلطة. فالآداب السلطانية هي تعبير عن بنية اجتماعية، لا تلغي بالضرورة حرية الأفراد وتفردهم، بل تمنح لعالم الاجتماع إمكانية فهم أهمية هذا الفعل في تثبيت الأدوار وتوزيعها داخل بلاط السلطان. فداخل نسيج العلاقات المترابطة، يجد الفرد هامش الاختيار.
المراجع
[1] Norbert Elias, la société de cour, Flammarion, 1985 [2] Pierre Bourdieu, sur l’Etat [3] Norbert Elias, la société de cour, Flammarion, 1985, préface, p. 19 [4] Norbert Elias, la société de cour, Flammarion, p. 39 [5] Norbert Elias, la société de cour, Flammarion, p. 39 [6] Hassan Rachik, le proche et le lointain, un siècle d’anthropologie au Maroc [7] Daniel Rivet, Lyautey et l’institution du protectorat français au Maroc, t1, t2, t3, Paris: L’Harmattan 1998; Daniel Rivet, Le double visage du protectorat. Casablanca. Porte d’Anfa, 2004; Daniel Rivet, Histoire du Maroc, Fayard, 2012 [8] Norbert Elias, la société de cour, Flammarion, p. 53 [9] Ibid, p. 63 [10] Charles André Julien, le Maroc face aux impérialismes, 2011, p. 64 [11] Norbert Elias, la société de cour, 1985, p. 64 [12] مصطفى بوعزيز، الوطنيون المغاربة في القرن العشرين، 2019 [13] Laroui, les origines sociales et culturelles du nationalisme marocains, 1977
ناقد من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
