حوار مع الهايكيست القطرية سعاد الكواري

حاورها الشاعر الحسَن الگامَح
مقدمة الحوار:
1- السيرة الذاتية
الإصدارات الشعرية:


“باب جديد للدخول” النسخة العربية: الطبعة الأولى (2001)، الطبعة الثانية (2024).
الطبعة الأولى باللغات الإنجليزية، الفرنسية، والإسبانية (2024).
“بحثاً عن العمر” النسخة العربية: الطبعة الأولى (2001)، الطبعة الثانية (2024).
الطبعة الأولى باللغات الإنجليزية، الفرنسية، والإسبانية (2024).
“لم تكن روحي” النسخة العربية: الطبعة الأولى (2000)، الطبعة الثانية (2025).
الطبعة الأولى باللغات الإنجليزية، الفرنسية، والإسبانية (2025).
“وريثة الصحراء” النسخة العربية: الطبعة الأولى (2001)، الطبعة الثانية (2025).
الطبعة الأولى باللغات الإنجليزية، الفرنسية، والإسبانية (2025).
“ملكة الجبال” النسخة العربية: الطبعة الأولى (2004)، الطبعة الثانية (2025).
الطبعة الأولى باللغات الإنجليزية، الفرنسية، والإسبانية (2025).
“الأعمال الشعرية الكاملة”
النسخة العربية (2022).
“روبيك ” قصائد الهايكو اليابانية الطبعة الأولى (2025).
” امراة من القش ” قصائد باللغة الصينية الطبعة الأولى (2025).
“بستان من شعر سعاد الكواري ” قصائد باللغة الفارسية الطبعة الأولى (2025).
2- مقاطع من الهايكو
1
الزُّهُورُ الذَّابِلَةُ
بينَ طَيَّاتِ الكُتُبِ
هِيَ ذِكريَاتُنَا المُخَبَّأَةُ
2
بِمَهَارَةٍ أَتَسلَّقُ نَخْلةً،
وأَقْطفُ مِنها
تَمْراً وسَمَاءً
3
تَتَمايَلُ مُبَلََّلَةً
زهْرَةُ الشَّفَلَّحِ،
تحتَ أمطارِ الرَّبيعِ
*زهرة الشّفَلَّح: شجرةٌ منتشرةٌ في قطر
4
الأشْجارُ البَرّيَّةُ
تَحتفِظُ بِالنَّدَى
بَعيدَاً عنْ شَمْسِ الصَّحراءِ



المحور الأول: البدايات والتكوين الشعري
3- الشاعرة سعاد الكواري، لكل تجربة بداية، كيف اختلى بك هذا الحلم الشعري، وأنتِ لا زلتِ تتلمسين الطريق في بداياتك الإبداعية؟
“لكل تجربة إبداعية شرارة أولى، لحظة يتقاطع فيها الإحساس بالدهشة مع قدرة اللغة على أن تُعبّر عما لا يُقال. بالنسبة لي، لم تكن الكتابة قرارًا، بل كانت أشبه بنداء داخلي، همس خافت أخذ يتعالى مع مرور الوقت حتى صار صوتًا لا يمكن تجاهله. في البدايات، كنت أتلمس طريقي بخجل، أكتب لأنني لا أجد وسيلة أخرى لفهم ما يختلج في داخلي من مشاعر وتساؤلات. القصيدة لم تكن مشروعًا أدبيًا بقدر ما كانت حالة وجدانية، مساحة أتنفس فيها بصدق، وأُفلت من ضجيج العالم. ربما لم أكن أعي حينها أنني أضع قدمي على عتبة الشعر، لكنني كنت أشعر أن ما أكتبه يحمل نبرة خاصة، نبرة تشبهني وتمثلني. ومن تلك اللحظة، بدأت الرحلة، بكل ما فيها من اكتشاف ونضج وامتداد.”
4- كيف أقنع شعر الهايكو الشاعرة سعاد الكواري أن يتعانقا علانية، فتغير اتجاه تجربتك الشعرية نحو هذا النوع؟
“لم يكن شعر الهايكو اقتراحًا عقليًا بقدر ما كان نداءً روحيًا. كنت في مرحلة أبحث فيها عن شكل شعري أكثر صفاءً، لغة تختزل ولا تشرح، تلمح ولا تصرخ، وهنا جاء الهايكو كأنه مرآة تناسب مزاجي الداخلي، وتنسجم مع رؤيتي الجمالية. ما جذبني إليه هو هذا التوازن الدقيق بين البساطة والعمق، وكيف يمكن لصورة خاطفة أو لحظة تأمل في الطبيعة أن تحمل دلالات كونية. شعرت أنني أمام نوع من الشعر لا يكتبه الشاعر فقط، بل يكتبه الصمت أيضًا. وهكذا تعانقنا… أنا والهايكو، دون ضجيج، في مساحة هادئة من اللغة، فوجدت نفسي أعيد اكتشاف الكلمة، والسكينة، وحتى الزمن الشعري بطريقة مختلفة. لقد لمستُ في الهايكو ما يشبه الحكمة التي تُقال هامسة، لكنها تترك أثرها طويلًا.”
5- ما سر اشتغالك كشاعرة على هذا النوع الشعري (الهايكو) دون غيره، والذهاب فيه بعيدًا؟
“الهايكو لم يكن مجرد خيار شعري بالنسبة لي، بل كان انحيازًا لجوهر الشعر، لتلك اللحظة النقية التي لا تحتاج إلى زينة لغوية ولا إلى إيقاع صاخب كي تُحدث أثرها. سر اشتغالي على هذا النوع دون غيره يعود إلى إيماني بأن الهايكو يختصر العالم في ومضة، ويكشف ما هو أبعد من الظاهر بأبسط ما يمكن من اللغة. إنه شعر التأمل، شعر الإصغاء لما تقوله الطبيعة، للصمت، للزمن الهارب… وهذا ما كنت أبحث عنه في تجربتي: صوت خافت لكنه عميق، قصير لكنه ممتد في الوجدان. ذهبت فيه بعيدًا لأنني وجدت فيه ما يشبهني: امرأة تميل إلى الدهشة، تحتفي بالتفاصيل، وتكتب لتتخفف، لا لتتكلف. كل هايكو أكتبه هو محاولة للقبض على لحظة قبل أن تُفلت، وهذا ما يجعل هذه التجربة لا تُشبع ولا تنتهي.”
6- ما الكُتاب (أو الكتب) الذي أثر في تجربتك الإبداعية بشكل عام، وما الهايكيست الذي ترك بصمة في تجربتك تحديدًا؟
“تجربتي الإبداعية كانت، وما زالت، مدينة للقراءة أولًا. لقد شكّلت الكتب وعيي الشعري قبل أن أكتب سطرًا واحدًا. تأثرت بكُتّاب كثر، كل منهم ترك في داخلي أثرًا مختلفًا، من الشعر العربي الكلاسيكي، إلى التجارب الحديثة التي تمزج الحس الإنساني بالطرح الجمالي. كنت أقرأ لطاغور، وجاك بريفير، ووالت ويتمان، ثم جذبتني التجارب العربية مثل شعراء الخليج العربي في تلك الفترة والشاعر السوري محمد الماغوط، وغيرهم.
أما في عالم الهايكو، فقد كان لقائي مع نصوص باشو (Matsuo Bashō) نقطة تحوّل حقيقية. قصائده ليست مجرد أبيات قصيرة، بل رؤى كاملة تُكتب في لحظة وتبقى فيك طويلًا. باشو لا يكتب عن الطبيعة فقط، بل يكتب من داخلها، كجزء من روحها. أيضًا، تأثرت بتجارب معاصرة لهايكيستات يابانيين وغربيين أعادوا صياغة روح الهايكو بروح العصر دون أن يفقدوا جوهره، مما شجعني على أن أكتب هايكو عربي الهوى، عالمي التأمل. هذه القراءات لم تلهمني فقط على مستوى الشكل، بل علمتني كيف أصغي للقصيدة حين تهمس، لا حين تصرخ.”

المحور الثاني: الهايكو: نشأته وحضوره العربي
7- كيف ترين هذا المولود “شعر الهايكو” الذي نما في الأرض العربية تاركًا جذوره في اليابان؟
“سؤال جميل وذكي، لأنه يسلّط الضوء على تفاعل ثقافي وأدبي عميق بين حضارتين مختلفتين. شعر الهايكو، الذي نشأ في اليابان، يُعرف بكونه شعرًا مكثفًا، يتكوّن من ثلاثة أسطر فقط (غالبًا بتوزيع مقاطع 5-7-5)، ويتميز بالبساطة، التأمل، والإيحاء بالطبيعة أو اللحظة العابرة.
حين “نبت” هذا المولود في الأرض العربية، يمكن القول إنه مرَّ بتحول مهم:
- تجربة ترجمة ثم تبنٍّ
في البداية، جاء الهايكو إلى العربية عبر الترجمة، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، حين بدأ شعراء عرب بالتعرف على الأدب الياباني الحديث. لكن مع مرور الوقت، لم يكتفِ الشعراء العرب بترجمته، بل بدأوا في كتابته بأنفسهم – أحيانًا محافظةً على الشكل التقليدي، وأحيانًا بتصرف حر.
- خصوصية عربية على جسد ياباني
الهايكو العربي، إذا صحّ التعبير، يحمل روحًا يابانية في اختصاره وتكثيفه، لكنه يتغذى من وجدان مختلف – وجدان عربي مشبع بالحس الصوفي، بالتاريخ، وباللغة ذات الإيقاع العالي والتعبير العاطفي القوي. فالعربي قد لا يكتفي بـ”رقة المشهد”، بل قد يُحمّله شحنة وجدانية أو رمزية أكثر عمقًا.
- تحدي اللغة والإيقاع
العربية لغة غنية ومليئة بالإيقاع والمعاني المتداخلة، مما يجعل كتابة هايكو فيها تحديًا. بعض النقاد يرون أن “الاختزال الياباني” قد لا ينسجم بسهولة مع “البلاغة العربية”، لكن هذه الصعوبة صنعت تجربة فريدة: هايكو بطابع عربي، يختصر دون أن يفرّط، ويرمز دون أن يغيب تمامًا.”
8- هل يمكننا أن نقول أن هناك “هايكو عربي” قائم بذاته؟ (نرجو الإجابة بنظرة ناقدة ومتفحصة للشأن الأدبي، لا بنظرة شاعرة هايكيست).؟
“سؤالك عميق ومهم ويستدعي بالفعل نظرة نقدية متفحّصة للواقع الأدبي العربي، وليس تبنّيًا عاطفيًا أو تبشيريًا بما يُعرف بـ”الهايكو العربي”. إذًا، دعنا نناقش السؤال في ضوء ثلاث زوايا نقدية رئيسية: الأصل النوعي للهايكو، قابليته للتحول الثقافي، ثم واقعه في الكتابة العربية.
أولًا: الهايكو كنمط شعري متجذّر ثقافيًا
الهايكو الياباني ليس مجرد شكل شعري قصير (5–7–5 مقاطع صوتية)، بل هو جزء من رؤية كونية وثقافية تنبع من البوذية الزنّية وتقاليد التأمل والطبيعة والزوال. من هنا:
- الهايكو ليس مجرد “شكل شعري صغير”، بل تجربة حسّية وفكرية مرتبطة بثقافة محددة.
- الكلمات اليابانية الأصيلة تحمل طبقات من الدلالة المختزلة لا تُترجم بسهولة.
إذًا، حين نُخرج الهايكو من بيئته الأصلية، نحن لا نقتبس “نوعًا” فقط، بل نعيد تعريفه.
ثانيًا: هل يمكن تعريب الهايكو؟
من منظور الأدب المقارن، جميع الأشكال الأدبية قابلة للتحول، لكنّها لا تُستنسخ بل تُعاد صياغتها ضمن شروط اللغة والثقافة الجديدة.
- الهايكو الياباني يمكن أن يُلهم كتابة عربية تعتمد التكثيف، التركيز على لحظة خاطفة، والتأمل في اليومي والعابر.
- لكنه لن يبقى “هايكو” بالمعنى التقليدي، بل يصبح شكلًا مستوحى منه، وربما يُنظر إليه كـ”ومضة شعرية” أو “نص تأملي” في إطار الحداثة الشعرية.
ثالثًا: ما الذي كُتب تحت اسم “الهايكو العربي”؟
النتاج العربي الذي يُقدَّم اليوم تحت اسم “هايكو عربي” يميل غالبًا إلى:
- الاختزال اللفظي، ولكن بلا ضبط للمقاطع الصوتية، لأن العربية لا تعتمد البنية المقطعية اليابانية.
- تأملات ذهنية أو صور مكثفة، لكنها تميل في الغالب إلى النزعة الرومانسية أو الحكمية، لا إلى الفكرة الزنّية عن “اللحظة العابرة بلا تعليق”.
- كثير من “هايكو العرب” لا يلتزم حتى بروح الهايكو (الكلمة الفصل، المفاجأة، الكيغو… إلخ).
ولذلك:
“الهايكو العربي” بوصفه نوعًا أدبيًا مستقلًا لم يتشكل بعد بصورة ناضجة أو مكتملة الملامح. ما نراه هو تجارب فردية متفاوتة، بعضها شعري رفيع لكنه لا يصنع جنسًا قائمًا بذاته.
خلاصة نقدية:
لا يمكن، من منظور نقدي رصين، الادّعاء بأن هناك “هايكو عربي” مكتمل ومتمايز كنمط شعري مستقل. ما يوجد هو:
- محاولات لترجمة روح الهايكو إلى العربية، ولكنها ما تزال تقع بين الاستلهام والاقتباس، لا بين “التمكين الأجناسي” (genre formation).
- نصوص جميلة أحيانًا، ولكنها تنتمي لأفق القصيدة الومضة، أو الشعر التأملي المكثّف، أكثر من انتمائها إلى “الهايكو” بمعناه الفني العميق.

9- ما سر اهتمام الشعراء العرب بالهايكو؟ هل لنصوصه القصيرة… أم لاختزاله الصور الشعرية المكثفة… أم لأسباب أخرى؟ وما رأيك في ذلك؟ (نرجو الإجابة بنظرة ناقدة ومتفحصة للشأن الأدبي، لا بنظرة شاعرة هايكيست).
“سؤال مهم، وفيه استشراف لنقد الظاهرة لا الوقوف عند سطحها. اهتمام الشعراء العرب بالهايكو – وهو اهتمام ملحوظ منذ العقود الأخيرة – ليس مجرد صدفة أو موضة عابرة، بل هو نتيجة لتفاعلات ثقافية وأدبية أعمق. لننظر إليه من زاوية نقدية تحليلية، تفكك الأسباب بدل الاكتفاء بوصف الظاهرة.
أولًا: دوافع الاهتمام العربي بالهايكو
- تحدي الشكل الشعري التقليدي في ظل تراجع مركزية القصيدة العمودية وتآكل وزن التفعيلة، وجد كثير من الشعراء العرب أنفسهم في فراغ شكلي، يبحثون عن “أُطر جديدة” للقول الشعري. الهايكو، بقصره وكثافته، ظهر كبديل جذّاب:
- لا يحتاج بنية عروضية.
- يكسر مركزية الغنائية العربية.
- يقدّم شعرًا في “أصغر وحدة ممكنة”.
هذا الانجذاب إلى اختزال الشكل ليس بالضرورة عمقًا، بل أحيانًا رد فعل ضد الإرهاق الشكلي للشعر العربي التقليدي.
- سحر التكثيف والإيحاء الشعر العربي الكلاسيكي كان يميل إلى البيان، أما الهايكو فإلى الإيحاء. في زمن أصبحت فيه الصورة أكثر تأثيرًا من الخطابة، انجذب الشعراء إلى أسلوب يقول الشيء عبر صمته بقدر ما يقوله بكلماته.
- هايكو جيد يعادل “ضربة خاطفة” في الوعي.
- بعض الشعراء وجدوا فيه وسيلة للهروب من الاستطراد والمباشرة والإنشاء.
- الحداثة الغربية بثوب آسيوي الشعر العربي الحديث تأثر طويلًا بالحداثة الغربية (بودلير، إليوت، لوركا…). لكن الهايكو قدّم حداثة مختلفة: شرق آسيوي، لا مركزي، يناهض الصخب. فكان بمثابة:
- انفتاح على “نوع آخر من الحداثة”.
- تمرّد ضد نمط الحداثة الممسرح أو المؤدلج (كما في الشعر السياسي أو الوجودي العربي الحديث).
- قابلية النشر السريع والانفعال اللحظي في عصر الوسائط الرقمية، أصبح الاختزال ضرورة:
- الهايكو يتماشى مع وسائل النشر الجديدة (تويتر، إنستغرام، إلخ).
- سهولة قراءته واستهلاكه جعلته شعرًا “خفيفًا” وسريع الانتشار.
للأسف، أدى هذا أحيانًا إلى استهلاك الهايكو كمنتَج لا كتجربة شعرية، مما أضعف بنيته الفنية في كثير من التجارب العربية.
ثانيًا: نظرة نقدية في القيمة الأدبية لهذا الاهتمام
- الإيجابي:
- الهايكو شجع على التكثيف اللغوي، والاقتصاد في التعبير، وهما سمتان افتقدتهما القصيدة العربية في مراحل كثيرة.
- أسهم في كسر النمطية وإدخال رؤى جديدة مستمدة من الطبيعة والزمن والتأمل، بعيدًا عن الغنائية المفرطة أو الخطابة السياسية.
- السلبي:
- كثير من النصوص العربية المكتوبة كهايكو تفقد الروح الفلسفية والميتافيزيقية الكامنة في الأصل الياباني، وتتحول إلى مجرد “لقطة ذكية” أو وصف ساكن.
- الهايكو العربي في غالب حالاته لا يتجاوز كونه تقنية تعبيرية أكثر من كونه تحولًا في الرؤية الجمالية. وهذا فارق جوهري.
- الهايكو الياباني أصعب مما يبدو. سهولة شكله تخدع المبدع، فتبدو السطور الثلاثة سهلة، بينما هي – في الأصل – ذروة تأمل ووعي.
خلاصة نقدية:
اهتمام الشعراء العرب بالهايكو نابع من عدة عوامل:
- ضجر من الأشكال الشعرية التقليدية.
- افتتان بجمال التكثيف والومضة.
- رغبة في التجريب والبحث عن شكل “عالمي” بمذاق مختلف.
- تماشيه مع الوسائط الحديثة وسرعة التلقي.
لكن رغم ذلك، لا تزال غالبية التجارب العربية في الهايكو سطحية أو ناقصة الوعي بالعمق الثقافي والميتافيزيقي لهذا الفن. لكي يتحول إلى مساهمة أصيلة، يجب أن يُعاد التفكير فيه كـ”رؤية” لا كـ”قالب”، وكـ”وعي جمالي” لا كـ”منتج لغوي مصغّر”.”
10- هل ترين أن الاهتمام بهذا النوع الشعري بدرجة كبيرة حاليًا هي عملية إبداعية سليمة وتثري المشهد الشعري؟
“سؤالك في غاية الأهمية، لأنه لا يتعلّق فقط بشكلٍ شعري معيّن، بل بمسألةٍ مركزية في الأدب الحديث: هل كل انفتاح على أشكال جديدة يعني بالضرورة إبداعًا؟ وهل الاهتمام الواسع بـ”الهايكو” اليوم في العالم العربي يُثري المشهد الشعري فعلًا؟ دعنا نحلّل ذلك نقديًّا وبهدوء.
أولًا: الاهتمام بالهايكو، هل هو إبداعي فعلًا؟
الاهتمام بالهايكو في السياق العربي ينقسم إلى نوعين:
- ظاهرة شعبية سطحية: حيث يُكتب الهايكو كـ”قصائد قصيرة ظريفة”، سهلة التلقي والنشر في وسائل التواصل. هذه الظاهرة قد تُنتج كمًّا كبيرًا، لكنه غالبًا لا يُضيف شيئًا من حيث العمق أو الأصالة.
- محاولات نخبوية جادة: وهي محاولات لتفكيك روح الهايكو وبنائه من جديد داخل اللغة العربية. وهذه قلّة، لكنها قد تُحدث تراكمًا نوعيًّا مع الوقت.
من هنا يمكن القول: الاهتمام بالهايكو ليس بحدّ ذاته عملية إبداعية، بل يتوقف على كيفية تلقيه وإنتاجه. إذا بقي مجرّد تقليد شكلي، فهو يُسطّح الشعر ولا يُثريه. وإذا نضج بوصفه حوارًا مع روح الشعر الكوني، فقد يكون مثريًا حقًا.
ثانيًا: هل يثري الهايكو المشهد الشعري العربي؟
هنا نُفرّق بين “الإثراء التنوعي” و”الإثراء النوعي”:
- نعم، يثريه تنوعًا: لأنه يُدخل تجربة جديدة من حيث الشكل، الاقتصاد اللغوي، والتقاط اللحظة العابرة.
- لكنه لا يثريه نوعيًا دائمًا: لأن كثيرًا مما يُنشر تحت اسم “هايكو” هو تكرار باهت لصورة عابرة، يفتقر إلى الحسّ الشعري العميق أو المفارقة المدهشة التي تُميز الهايكو الحقيقي.
بل إننا نلاحظ أحيانًا أن:
- انجذاب الشعراء الشباب للهايكو يكون هروبًا من تعقيد القصيدة العربية الحديثة، لا بحثًا عن عمق جديد.
- هناك من يستسهل الهايكو كقالب سريع للانتشار، مما يؤدي إلى إفراط في إنتاج نصوص متشابهة، خفيفة، ومفتقرة إلى النضج.
ثالثًا: في مواجهة المحوّر الشعري العربي
سؤالك استخدم كلمة مهمة: “المحوِّر”. وهذا يحيلنا إلى سؤال الجوهر الشعري العربي: هل الهايكو يضيف إلى هذا الجوهر؟ أم يهدده بالتفتيت أو الانحراف؟
- لا يمكن أن يكون الهايكو بديلًا عن القصيدة العربية بجذورها الإيقاعية والبلاغية والصوفية.
- لكن يمكن أن يكون رافدًا تجريبيًا يمتحن أدوات اللغة العربية في التكثيف والتأمل.
- والخطر الوحيد هو أن يتحوّل إلى موضة عابرة تملأ الساحة بالنصوص السطحية، وتُغرق الشعر العربي في موجة من “القصائد الكبسولية” الخالية من النَفَس الشعري.
الخلاصة النقدية:
الاهتمام بالهايكو في العالم العربي:
- ليس خاطئًا ولا ساذجًا بالضرورة، لكنه ليس إبداعًا سليمًا بمجرد وجوده.
- يُثري الساحة شعرًا حين يُعاد تأصيله ضمن الثقافة العربية، لا حين يُقلَّد كقالبٍ أجوف.
- يحتاج إلى وعي نقدي، وتراكم فني ناضج، وانخراط شعري صادق حتى لا يكون مجرد موضة عابرة.”

المحور الثالث: قضايا أدبية عامة
11- ما رأيك في الكتابات النسوية في العالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب حضور الكتابة النسوية من خلال الإصدارات السنوية التي ارتفعت مقارنة مع السنوات الماضية، وحضورها في كل المجالات الإبداعية؟
“الكتابة النسوية في العالم العربي لم تعد مجرد صوت احتجاجي أو هامشي كما كانت تُقدَّم في مراحل سابقة، بل أصبحت تيارًا متجذرًا يعبّر عن تجربة إنسانية غنية ومعقدة، لها خصوصيتها وزاويتها في النظر إلى العالم. ما يلفتني في هذه الكتابات هو أنها لا تسعى فقط إلى تأكيد الهوية النسوية، بل إلى إعادة صياغة الأسئلة الكبرى للوجود من منظور المرأة: كينونتها، ذاكرتها، علاقتها بالجسد، بالمكان، وبالموروث.
من حيث الكم، نعم، هناك ازدياد واضح في الإصدارات النسائية خلال العقد الأخير، وأظن أن هذا يعود إلى وعي متنامٍ بدور المرأة كمبدعة، وتوفّر منصات أكثر دعمًا وتنوعًا. لكن الأهم من العدد هو التحوّل في نوعية الطرح، ونضج الرؤية، واتساع مجالات الاشتغال: من الشعر إلى الرواية، ومن السرد الذاتي إلى المقالة النقدية، مرورًا بالفنون البصرية والمسرح.
الكتابة النسوية اليوم لا تتحدث فقط عن المرأة، بل تنطلق منها لتطرح ما هو أشمل: قضايا الإنسان، العدالة، الحرية، والتاريخ الشخصي الذي لم يُكتب كما يجب. وهذا ما يجعل حضورها لا مجرد مساهمة، بل ضرورة لإثراء المشهد الثقافي العربي. ومع ذلك، ما زلنا بحاجة إلى فضاءات أكثر عدلًا في التلقي، ومؤسسات تُنصف القيمة لا النوع.”
13- ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب(ة)؟ وهل تراها مقياسًا حقيقيًا للنجاح الإبداعي؟
“الجوائز الأدبية قد تكون بمثابة إشارات ضوء في مسار الكاتب، تفتح له نوافذ جديدة من الحضور والاعتراف، وتمنحه دفعة معنوية لا يمكن إنكارها. هي تُشبه إلى حدّ ما تلك اليد التي تربت على كتفك وتقول: ‘نراك، ونقدّر ما تكتبه.’ لكنني لا أراها مقياسًا حقيقيًا للنجاح الإبداعي، لأن الإبداع أعمق من أن يُختزل في تكريم أو تصنيف. كثير من الأصوات التي غيّرت مسار الأدب لم تُتوَّج بجوائز في حينها، وبعض الأسماء التي حصّلت الجوائز الكبرى، تلاشت لاحقًا من ذاكرة القارئ.
الكاتب الحقيقي يكتب لأنه لا يستطيع إلا أن يكتب، والقصيدة أو النص هو المعيار الأول والأخير. أما الجوائز، فهي لحظة تقدير لا بأس بها، لكنها ليست غاية، ولا يجب أن تكون محرّكًا للكتابة. فالكتابة التي تولد من شغف داخلي، ومن صدق التجربة، هي التي تبقى، حتى لو لم تُتَوَّج بميدالية.”

المحور الرابع: رؤى شخصية ومستقبلية
14- كيف ترى الإنسانة سعاد الكواري الشاعرة سعاد الكواري؟ (سؤال للتأمل الذاتي).
“سؤال بالغ الجمال والعمق، يفتح الباب أمام لحظة تأمل ذاتي صادقة ومكاشفة بين “الإنسانة” و”الشاعرة”.
أحيانًا أنظر إلى الشاعرة في داخلي كما تنظر الأم إلى طفلتها: بدهشة، بامتنان، وبشيء من الحذر أيضًا. الإنسانة فيّ تعرف أنها هشّة، تتألم، تخاف، وتفرح بتفاصيل صغيرة… أما الشاعرة، فهي من تمنح كل ذلك معنى، تضع الكلمات حيث تعجز الروح عن الشرح.
أراها مرآتي الصامتة، وامتدادي الأكثر صدقًا. أحيانًا تسبقني، وأحيانًا أختبئ خلفها. لا أراها كاملة، لكنها تحاول أن تكتب النقصان بجمال. بيني وبينها صداقة غريبة: نتخاصم حين أكتب بوعي أكثر من اللازم، ونتصالح حين أترك قلبي يقودني بلا حسابات.
وفي النهاية، أظن أن الإنسانة هي من تمنح الشاعرة روحها، وأن الشاعرة هي من تمنح الإنسانة لغتها. كلاهما تشتغل على ترميم ما تكسره الحياة، كلٌّ بطريقتها.”
15- ما هي مشاريعك المستقبلية على الصعيد الإبداعي في الهايكو أو غيره؟
“المستقبل الإبداعي بالنسبة لي ليس خطة جاهزة، بل هو حالة مفتوحة على الاحتمال والدهشة. على صعيد الهايكو، ما زال هذا الشكل الشعري يستفزني بلطافته وعمقه، ولذلك أعمل على مشروع جديد مختلف في روحه وبنيته عن التجارب السابقة، أحاول من خلاله أن أقترب أكثر من روح المكان الخليجي، ولكن بعين تتأمل الكوني في المحلي.
كما أنني أشتغل على نصوص نثرية تميل إلى التأمل والسيرة الذاتية في شكل جديد، حيث أختبر حدود اللغة بين الشعر والنثر، بين التجربة الشخصية وما هو إنساني شامل. لا أضع سقفًا لما أطمح إليه، لكنني أؤمن بأن على الكاتب أن يجدد أدواته باستمرار، لا ليُفاجئ القارئ فقط، بل ليظل أمينًا لقلقه الإبداعي وفضوله الداخلي.”
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي