الرئيسية / الأعداد / الطفل وعوائق الإبداع – ريم رفعت بطال

الطفل وعوائق الإبداع – ريم رفعت بطال

الطفل وعوائق الإبداع

ريم رفعت بطال*

يُولد الطفل بفطرة الذكاء والإبداع، وتنمو معه هذه المواهب بمرور السنوات. إلا أن هذه الرحلة غالبًا ما تتوقف عندما تبدأ العائلة بفرض سيطرتها، متجاهلة رغبات الطفل وطموحاته. فبدلاً من استكشاف ميول الطفل وما يحبه، يجد نفسه مجبرًا على السير في طريقٍ رسمه له الوالدان، بهدف أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو معلمًا. هنا تبرز الحواجز التي تفصل أطفالنا عن إبداعاتهم في كافة النواحي.

 

التنشئة الأسرية والمجتمعية

إنّ الملاحظة الدقيقة لطرق التنشئة التربوية لأطفالنا، سواء داخل الأسرة، في قطاع التربية، في المساجد، المراكز الثقافية، أماكن الترفيه العامة، المنظمات الكشفية، أو مراكز التكوين المهني، تُظهر أن غالبية هذه المؤسسات تنظر إلى الطفل على أنه شخص فوضوي، مدمر، وعدواني يجب ترويضه. وغالبًا ما يُعامل بحزم، وتُحدّد العواطف والمرونة بحدود صارمة، إذ يُنظر إلى التمادي فيها على أنه يؤدي إلى الميوعة والتمرد والعصيان.

 

الأسرة: مهد التمكين أو القهر

يتسرب الخطر إلى الطفل داخل الأسرة عندما يُنظر إليه كملكية خاصة، أو كتعويض عن إهانة لحقت بالأم خلال تنشئتها، أو عن عدم توفيقها في زواجها. ففي مجتمعات القهر والتسلط، كما هو الحال في بعض بلداننا، تتلقى المرأة النصيب الأوفر من القهر والاستلاب. هذا الاستلاب لإرادة المرأة يحرمها من اكتساب المعرفة وتطوير مواهبها، مما يؤثر على قدرتها على التعامل بوعي وشعور بالمسؤولية في حياتها الخاصة والعامة.

تتطلب تربية الطفل خبرة حياتية ومعارف خاصة تتعلق بنفسية الطفل وآلية عملها وتفاعلها مع المؤثرات. فما يصدر عن الأم يترك آثارًا حاسمة في نفسية وسلوك رجل وامرأة المستقبل. وبذلك، ينشأ الطفل في حضن أم مضطهدة، ما يصعّب عليه بناء شخصيته المستقلة.

 

غياب الآباء وتأثيره على الإبداع

للأسف، لا يعرف عدد كبير من الآباء أطفالهم حق المعرفة لسبب بسيط: عدم قضاء وقت كافٍ معهم. يحاول الأب كثير المشاغل الابتعاد دائمًا عن أطفاله بحجة الانشغال، وأن وقته لا يتسع لأخذهم في نزهة، أو الجلوس معهم للحديث واللعب، أو حتى مساعدتهم في الدراسة والتعلم.

عندما يتعود الفرد منذ الطفولة على تلقي الأوامر والنواهي، وتلقي المعارف عن طريق التلقين والحشو وحدهما، تتعطل في نفسيته روح المبادرة والبحث والثقة بالذات. وتتعطل في ذهنيته ملكة الإبداع، التي تتفرع منها خصال كالطموح، الاكتشاف، والابتكار. كل هذه المهارات يمكن غرسها منذ الطفولة المبكرة وتنميتها من خلال التربية العصرية في العائلة الناجحة، وروضة الأطفال، والمدرسة، وما يوفره المجتمع من مجالات مختلفة تعمل على ازدهار الإبداع واحتضان المبدعين.

 

الإبداع بين القيود والبناء

الإبداع يتعارض مع القيود والقهر. الإبداع عملية بناء، بينما القهر عملية هدم وإفناء. يترك القهر الأسري شروخًا في النفس لا تزول أبدًا. فعندما يبدأ الوالدان بتحطيم رغبات الطفل، يبدأ الطفل بالقهر وهدم الأفكار والإبداع والخيال.

لا يمكن للطفولة، أينما كانت، أن تزدهر وتتطور إبداعيًا خارج فضاءاتها التربوية السليمة. فالمجتمع بمكوناته يتحمل مسؤولية التنشئة. يقع ضياع المواهب المبدعة على عاتق عملية التربية المتعاقبة التي تجبر الفرد على قبول مفاهيم وآراء اجتماعية تقف كمعامل مضاد للإبداع. إن التخلف له آليات قسرية تنبع من أساليب التنشئة والتكوين والإعلام، وسلطة العائلة، وسلطة المدرسة، التي تشترك جميعها كحلقة تخلف تعمل على إخماد جذور الإبداع.

يأتي الإبداع من اكتشافه أولاً في مرحلة الطفولة المبكرة، ثم العمل على تنميته وفق طرق علمية، وتشجيع أصحابه، وتوفير الشروط المساعدة على جعله إبداعًا يرتقي بأصحابه فكريًا من جهة، وبالمجتمع فيما بعد من جهة أخرى. ولكن للأسف، إدراكنا لهذا لا يزال غائبًا طالما لا نعطي للمبدعين حقهم في التقدير والاعتراف بهم.

كاتبة سورية

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أحلام فارس – حسن لشهب

حسن لشهب*   أدار عينيه في كل اتجاه ناظرا لما حواليه دون كبير اهتمام باحثا …

اترك تعليقاً