أشِعْر أَمْ نَثْر.. اَلْهَايكُو فِي اَلْحَاضِنَةِ اَلْعَرَبِيَّةِ؟! (الجزء الأول)

توفيق أبوخميس*
“العبارة العربية كالعود، إذا نقرت على أحد أوتاره رنت لديك جميع الأوتار وخفقت، ثم تحرك اللغة في أعماق النفس من وراء حدود المعنى المباشر موكبًا من العواطف والصور”. *١
في البدء أقول: الشعر ليس كلماتٍ تُقال، بل حياة تُسكب..
الشعر هو نَفَسُ القلب حين يضيقُ به الصدر، وهو العقل حين يُريد أن يُفكّر جهراً بصوتٍ جميل. الشعرُ لا يُكتَب بالحبر وحده، بل يُنقش على جدران الروح، من عمق معاناة، ومن وهج نشوة، أو من حكمة تأمل.
على شاعر الهايكو أن يكون قناص ماهر بروح كاتب حذق، يسير في دربٍ طويلٍ من التأمل العميق، والتقليب الدائم والمتفحص للغة، حتى ينال المفردة التي تُصبح في يده كالنصل في يد المحارب، لا تجرح إلا عن قصد، ولا تلمع إلا عن جدارة. حيث إن المفردة حين يطوّعها الشاعر(الهايكيست)، تُصبح حجراً كريماً، وذلك لأن ليس كل من امتلكها يكون صائغاً بَارِعاً. فالقيمة ليست في اللفظ، بل في مقامه، وصداه، واتساقه مع الحسّ العميق، وفي قدرته على أن ينقل شعوراً معقداً بكلمةٍ واحدة، أو يرسم لحظةً عابرة بصورةٍ لا تُنسى. أما عن المشهدية، فهي عَصب الأهم في الهايكو، وهي أساس البناء الداخلي الذي يتمحور حوله النص، بحيث يُشعِر المتلقي أن هذا النص نادر ومصنوع بدقّة، وأن كل مفردة فيه وضعت في مكانها الصحيح. وخلقت ترابط متين العلاقة بين سطور النص، وهي في مقام فنّ الحركة داخل النص، وكيف له أن يخطف نشأة الفكرة، وكيف يجعلها مدهشة، وكيف لها أن تُخالف التوقعات، ثم تعود بك إلى حيث بدأ الشعور الأول، لكن بحكمةٍ أعمق. وعليه أن يتنبه بأن النقد هو المِرآة، لكنه ليس دائماً تكون صافية. فمنه ما يصقل، ومنه ما يشوّه. النقد الصادق يبني، لأنه يرى ما لا يراه الشاعر أحياناً. أما النقد الأجوف، فيصيب القصيدة كما يصيب المطر السام زهرةً نادرة. لذا، لا بد أن يكون الشاعر على وعي عميق بذاته، لا يغتر بالمدح، ولا ينكسر بالذم. ووسط هذا الزخم، يبرز الشاعر الأصيل من بين الملايين، لا لأنه كتب أكثر، بل لأنه كتب أصدق. لأن له نَفَساً لا يُقلَّد. فالهايكيست المبدع هو ناتج مزيج من التجربة، والموهبة، وقوة الملاحظة، والذوق، والإلمام خاصة بثقافة بيئته وبثقافاتٍ أخرى متعددة، ومراقبة الحياة بعيون هايكيست شاعر متأمل لا يشبه أحد ولا نديد له، فالهايكيست الجيد ليس من اشتهر إسمه فحسب، بل من اشتهرت نصوصه وأصبحت عالقة في اذهان الناس، ومن جعل من بسيط اللغة ينطق بشيء جديد، ومن جعل الناس يقولون عند سماعهم لنصوصه: (هذا هو الهايكو الحقيقي.. وهذا الهايكيست مبدع لله دره).
أعيد وأقول إن الأدب والشعر والفنون الإنسانية بشكل عام تُهذِّب للإنسان أخلاقه، وتجعله أكثر رقّة، وعاطفة، وإحساساً بالأشياء من حوله، وأكثر استشعار لجماليات الحياة ومآسيها على حدّ سواء، إذ أن ذلك المكان العميق في الإنسان لا يلمسه سوى أشياء غير مادية تُخاطبه على متن الإحساس والشعور.
في الجدلية القائمة هل الهايكو شعر أم نثر قضية تنازع الشعر مع النثر قديمة قدم التاريخ، وهي حاضرة في آداب الأمم جميعها، ولئن كان النثر هو أول ما تكلم به الإنسان، ولم ينظم الشعر إلا بعد حين من الزمن، أي بعد تطور اللغة والأوزان وتعرّفه ما يسمى بالعروض، فإن الشعر جاء انسجاماً مع لغة الوجدان والعاطفة وترجمانا لها، أما النثر فهو ترجمان العقل كما يقول أبو حيان التوحيدي*2 على لسان عيسى الوزير*3: “النثر من قبل العقل، والنظم من قبل الحس”.
يتبع الجزء الثاني
هوامش:
1. وليم مرسيه: ١٨٧٤-١٩٦٥ مستشرق فرنسي أهتم باللغة العربية وخصوص باللهجة العربية المغربية واللغة البربرية.
2. أبو حيان التوحيدي: يُعَدُّ من أبرز الأدباء والفلاسفة في القرن الرابع الهجريّ، ويُعتبَر أيضاً من مُجدِّدي ذلك العصر ورُوَّاده في الأدب، والتصوُّف، وقد امتاز بسَعَة ثقافته، و حدّة ذكائه، وجمال أسلوبه التعبيريّ اللغويّ وتنوُّعه
3. عيسى الوزير: عيسى بن علي هو أبو القاسم عيسى بن الوزير الكبير علي بن عيسى الجراح، كان عيسى عالمًا فاضلًا، قرأ المنطق على يحيى بن عدي، كما درس الفقه والأدب على علماء عصره، وعمل في ديوان الرسائل، ومات ببغداد سنة ٣٩١. وقد نقل عنه أبو حيان كثيرًا من أقواله في الحكمة في المقابسات
ناقد من الأردن
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي