بين الشاعرية والبوح العقلاني ” كي لا تبكي ” للشاعر المغربي عدنان مشهي
ياسين الخمليشي
على متن سفينة الإبداع والتميز والرقي ، تظهر جليا مشاعر وأحاسيس الشاعر ، بل وعواطفه ودفقاته الشعورية ، وحمولته الفكرية ورسائله الفياضة ، عبر جسر المحبة والشوق والإبتسامة البريئة ، والألوان والأوراق المكسوة بحروف المودة ، والكلمات المثقلة بالآهات وعذوبة الألحان والإيقاعات ، والقصائد المغناة فرحا ومغامرة وجروحا . فبعد ديوان الشاعر المغربي عدنان مشهي ” لعيدك كل هذه الأغاني ” الصادر سنة 2016 ، يفاجئنا بإصداره الشعري الثاني تحت عنوان ” كي لا تبكي “والذي خاض فيه غمار الكلمات المنحوتة بالمعاني والدلالات ، والتأمل ورحلة البحث عن الذات ، وإيجاد الملاذ والخلاص وطوق النجاة .
بعد هذا الإنزياح المنطقي رغبة في خلق روابط الألفة بين الديوانين لا المقارنة بينهما ، فهما تجربة وحياة وتأملات واحدة ، تستجدي تكاملا وتفاعلا ، لفهم المغزى والفحوى من الكتابة من جهة ، وتظهر براعة الشاعر في استنطاق الثنائيات وسبر أغوار التناقضات من جهة أخرى .
” كي لا تبكي ” عبارة قصيرة منحوتة بالحمولة العاطفية والدلالة الوجدانية ، وكأن الشاعر يخاطب شخصا ، إما أنثى أو القارئ أو الذات ، ويحاول أن يمنع عنه الألم والحزن والسقم ، وتأتي القصيدة الديوان تباعا لتعالج هذا الألم
و تحاول فهمه ، وقد يكون البكاء رمزا لفقد أو وجع داخلي أو قهر اجتماعي ، وما الشعر عند الشاعر إلا وسيلة للتجاوز.
وإذا ما انفتحنا على غلاف الديوان بجماليته الفنية واللغوية وجدناه يفتح بابا على عالم شعري يمزج الألم والسكينة ، والإنكسار والقوة ، فالأسود مع البرتقالي والأحمر، ألوان تعكس القلق والتوتر والإحتراق الداخلي ، أما الخطوط الخشنة الملامح غير الواضحة فهي توحي بالتشوش والضبابية ، ووجود لون أخضر، خافت عند الشفاه ، فيوحي بالأمل أو الصمت المختنق ، ” كي لا تبكي ” ليس فقط نهي عن البكاء بل هو دعوة للتأمل ، وربما النجاة من الحزن بالنظم الشعري ، وبتفحصنا للقصيدة الديوان وجدناها تعبر عن حالات من الحزن العميق واليأس الوجودي يقول الشاعر :
“لي / من الدمع / ما يكفي ” ص 11
لي / من الحزن / ما يكفي ” ص 12
“من يشفق على دمعاتي ” ص 14
“أعيش في سواد الكآبة
في ظلام التعاسة ” ص 20
والأمل البسيط والرغبة العارمة التي تولد تأملا في قسوة الواقع ، ففي حضرة الأمل قد لا تستطيع النجاة ، وما يجعل هذه القصيدة ذات إحساس عميق ، هو عنصر التكثيف الذي يمنح النص وزنا تأمليا عميقا ، وحرية في بناء الصورة وتقديم الجوانب العاطفية ، دون قيود الوزن والقافية يقول الشاعر :
“على إيقاع
الجرح الدامي
يسافر
في شراييني
هذا الحنين ” ص 42
” أسمع
صفير الحائط
في بيتي
وصوت جدران ذاتي
يتسكع داخلي ” ص 45
أما إذا أمعنا النظر في الديوان من الناحية الفلسفية فالقصيدة تعبر عن حالة إنسانية عامة ، وكيف أن الألم المتراكم في النفس قد يطغى على لحظات السعادة القليلة التي ننتظرها ، أو نراها من بعيد ، فهو أي الديوان يمتح من الفلسفة ” الشوبينهاورية “، التي تعتقد أن الحياة مليئة بالألم والمعاناة ، وأن السعادة غالبا ما تكون مؤقتة ، كما أن اختيار المبدع للفن وخاصة الشعر ، هو مطية الهروب من معاناة الحياة ، حيث يمكن للفرد أن يجد راحة مؤقتة في الجمال الفني .
ومن المنظور السوسيولوجي فالديوان الشعري” كي لا تبكي “صرخة للفرد في مواجهة الواقع الإجتماعي ، فالشاعر يعبر عن حالات فردية شديدة الحزن ، لكنها تعكس وضعا اجتماعيا ، كأنها نتيجة لمعاناة اجتماعية أو ضغوطات نفسية ، ناتجة عن غياب العدالة والقهر ، فهذه الدموع الممنوعة في القصيدة هي ليست شخصية بل تحمل دلالة اجتماعية يقول الشاعر :
“تنهيدتي
ساحقة
تحمل حزمة
من الأحزان ” ص29
” .. الدموع تنهمر
في ثبات
أبكي
أبكي ..” ص 47
كما نجد مفهوم العنف الرمزي “لبيير بورديو” حاضرا في القصيدة الديوان، التي تحيل على التناقض بين الرغبة في الحياة ، والواقع الذي يعيق تحقيقها ، إذ يتم قمع الأمل داخليا عبر الإستبطان المستمر للفشل ، وكون الحزن نتاج اجتماعي لا فردي فقط ، وهو ليس انفعالا عابرا من الشاعر بل حالة متجذرة تدل على معاناة اجتماعية مستمرة
” ..سرعان ما تصطدم ، بمن يوقظك في عز البداية ” ص 41
” ..هو ذا الصوت الداخلي حين يدمر صمتك في زمن الوهم.. ” ص51
وانطلاقا مما سبق يظل الديوان الشعري ” كي لا تبكي ” لحظة إبداعية شعرية ، وتجربة عميقة وشخصية ، ومحطة انفعالية قوية ، ورؤية ذاتية حقيقية ، نابعة من عمق وجداني تلقائي ، لم يتردد الشاعر في الإندفاع كسيل جارف ، نحو فعل الكتابة راسما عوالم شعرية ، عنوانها الأبرز : الصدق الفني والتعبير عن الذات ، تاركا خلفه مظاهر التصنع والتكلف التي قد تسقطه في المحظور ، وتبعده عن الشاعرية وطقوس البوح الحقيقية .
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
