الرئيسية / ابداعات /  حضرة الناظر… (أبي) – أسامة الزقزوق

 حضرة الناظر… (أبي) – أسامة الزقزوق

 حضرة الناظر… (أبي)

أسامة الزقزوق

 

اعتاد المحيطون به علي  رؤية صينية الشاي  صاعدة .. هابطة؛ ممتلئة تارة و فارغة تارة أخرى ؛  في مشهد يومي  شبه متكرر؛ من كثرة  الضيوف؛ و المريدون  له؛ لقضاء حوائجهم او مسامرته أو مساعدتهم ؛أو أخذ مشورته في أمر ما ؛ تقرب إليه الكثيرين؛ لنيل شرف مصاهرته لنبله وعلو شأنه  ومكانته بين الناس ولعلو أخلاق بناته وجمالهن؛  في عُرس ابنه الأصغر، كانت العروس من بلدة أُخرى وكان المأذون طاعناً في السن طلب من العريس  هويته (بطاقته الشخصية) لاستكمال استمارة عقد الزواج  كتب الاسم  ثم توقف عند محل الميلاد والإقامة  فقال له انت من (عنيبس ) (قال له العريس نعم  قال له تعرف فلان الفلاني قال له إنه والدي ؛فينه دلوقتى؟   الله يرحمه؛ هنا تغرغرت عينا المأذون  والعريس بالبكاء؛  غَالَّـبْا  بكاءهما؛ ونطقت الحروف بعد صمت جليل؛ استمر لعدة دقائق؛ ثم رفع المأذون صوته عالياً ؛وقال والله لا كرمك زي ما اكرمني ) ثم راح يسرد له حكايته وذكرياته مع والده قائلاً:

انا اول ما جه  تعييني؛ جه عندكم في البلد وهو أول واحد استقبلني وغداني في بيته عليه ألف رحمه ونور، ورغم أن صوته كان  قوياً٬ وجلياً  ؛يبدوا غاضباً في كثير من الأحيان ؛ لكنك  حين  تقترب منه٬  تشعر بحنيه غير عادية ؛ملفوفة بثوب من الكبرياء؛ متوارية بين نبرات صوته ؛ تخرج  منه علي هيئة دموع حارة ؛تنساب من عينيه عنوةً ؛شفقةً علي أحد أو تعاطفاً مع أخر  إذا حدث له أمر جلل ؛فرح أو كره

تأخر في الزواج لرعاية والده المسن الذي ُُكُف بصره٬ في أخر  أيامه٬ ولرعايه أخواته القـُـصر٬ حتي يكملوا تعليمهم ٬ رفض الارتباط ببنت عمه٬   المـُدرسه التي تسكن المدينة٬  و تريده   أن يسكن معها٬ تاركاً والده المسن٬ وأخواته٬ مكتفياً أن يمد لهم يد المساعده٬ ببعض النقود كل  شهر ٠  لكنه رفض وتمسك بأبويه و بأخواته٬ مما سبب له  و لأخواته الكثير من المشاكل و إشعال نار العداوة بينه وبين عمه٬ الذي ساعده والده في تعليمه٠٬ والذي كان يشغل منصباً مرموقاً  في البلده ٬مما أثار حفيظته٬ و جعله يشعر بالحرج  وبجرح كبير في كبريائه ٫ في  وقت  كان يلهث فيه الجميع للتقرب منه  ونيل مصاهرته٬  فالجمال ليس كل شيء. ظهرت أثر هذه العداوة٬  في صورة مناوشات مستمرة علي قطعة الأرض التي يمتلكونها٫ واذادت  حدتها٬ عندما تجرأ عليه أخوه الأصغر ٬ وضربه  بعصاه في وضح النهار؛ أمام المارة مما تسبب في كسر ذراعه وسقوط طربوشه علي الأرض ؛  حُكِمَ عليه بأربع سنوات كاملة؛ فُصل علي أثرها من عمله كانت أربعاّ عجافاً ضاقت الدنيا  عليه بما رحبت فهو في حيرة من امره٬ بين رعاية  شؤون أولاد أخيه المسجون ورعاية شؤون ببيته لكنه ظل يسير في حياته؛ رغم قسوتها وقلة الموارد؛ أكمل دراسته العلمية ؛ حصل علي دبلوم المعلمين الراقي ؛ثم التحق بكلية الشريعة والقانون٬  عمل مدرساً في التعليم الابتدائي٬ ثم  بعد فترة وجيزة من تعينه ٬أصبح ناظراً للمدرسه الوحيده في القرية٬ وظل بها حتي قرب خروجه علي المعاش٬ لذا لقب بحضرة الناظر٬ وظل هذا اللقب يلازمه ويلازم أولاده٬ من بعده ٬حتي بعد رحيله. بسنوات كثيرة٬  حتي أن كثيراً من المقربين  منه٬ تناسوا اسمه المدون في البطاقة الشخصية٫ واكتفوا بلقبه ؟

سافر إلى السعودية  معاراً من  وزارة التربيه والتعليم٬  كان يحلم أن يري أحد أبناءه طبيباً٬ حاول معهم  لكن دون جدوي٫ فجميعهم عمل في مجال التعليم كانت لديه خبره كبيرة٬ في الأعمال الإدارية٬ يسعي مع الأرامل والمطلقات  لقضاء حوائجهم ٬أو استخراج بطاقة شخصية٬  أو عائلية٫ أو شهادة ميلاد٬ دون أن يتقاضى منهم   مليماً واحداً ٬ بل غالباً ما كان يدفع من جيبه الخاص ٬ شهد له الجميع بالعفه وطهارة اليد٫  و حسن إدارة  الجلسات العرفيه للصلح بين المتخاصمين  انخرط في العمل الخيري، و في المجالس المحليه وكانت عيون  النواب تتجه نحوه في العمليات الانتخابية  كانت عائلته تقدره و تحترمه  كانت كلمته مسموعه بينهم    سعي في  توفير فرص عمل للكثيرين؛ كلما سنحت الظروف ؛  خاصه من ذوي الهمم ؛  في أعمال موسمية حتي يتم تثبيتهم  دفع مصاريف الدراسه لكثير من تلاميذه المتعثرين في مدرسته بل أحيانا كان يخاطب أولياء أمورهم ٬و يحثهم علي إحضار أولادهم٬ إلي المدرسة  لأنه كان  يؤمن بقيمة العلم والتعليم٬   وإن تصادف وقابل  أحدهم  واحداً من  أبناءه في الشارع ٬أو في مناسبة عامة أو خاصة كان لا يخجل من أن  يقول له بكل فخر( ابوك هو السبب في  الخير اللي انا فيه دلوقتى لولاه لكنت اتعلمت ولا حتي اتجوزت  ) ولأنه كان عاطفياً ويشعر بفقر الناس٬ وبحاله العوز التي يعيشون فيها٬ كان لا يرد أحدهم  حتي لو أصبح هو غارماً  في النهاية وسدد عنه دينه من ماله الخاص٬  وكان يجد بعض اللوم من أولاده ومن المقربين منه لكنه كان لا يكترث٬  محتسباً ذلك عند الله٬  لكن المشهد ظل يتكرر كثيراً بعد رحيله أيضًا٬ عمل علي جلب الكثير من المصالح الحكومية٬  في ناحيته٬  محل سكنه٬ لكي يوفر لساكنيها٬ مشاريعاً  صغيرة  بجوار هذه المنشآت الحكومية٬ لكنه هرم كما يهرم كثير من الناس٬ و هزمته  السنون  والأيام وانتقلت هذه المنشآت  إلي مكان آخر من القرية ٬وأخذت معها أرزاق الناس   وانعدمت البركة في  المكان وفي الزمان وطاردته أمراض الشيخوخة السكر والضغط ؛ وغيرها من الأمراض ٬باع بيته الذي اشتراه من عمله في السعودية٬  بعد أن أصبح الإيجار الذي  يتقاضاه منه زهيداً٬ لايفي بضروريات الحياة٬ لكي يؤسس لأولاده مشروعاً٬   تجارياً يعملون فيه٬ في ظل عدم وجود تعيينات حكوميه جديدة ٬لم يستمر المشروع طويلاً،  ولم يأت  بثماره المرجوه منه ٬ وذاك لأنه شارك  رجلاً ليس أميناً٬ فهو لا يجيد  قراءة الوجوه  المتلونه٬ و لا النيات الخبيثة٬ و لا  حتي الضمائر السوداء ٬ في بعض الأحيان كان يبدوا عصبياً بعض الشيء  بحكم ضغوط الحياة وقله الدخل خاصه بعد خروجه  علي المعاش  وكثرة مصاريف البيت والأولاد٬  وبحكم عمله في التدريس إبان كان مباحاً فيه  استخدام العصا والفلَّكه٬  كان يعمل بمبدأ الشوري  بين  أولاده  لكنه  قليلاً ما كان يأخذ بمشورتهم ٬ معتمداً علي قلة خبرتهم في  الحياة مقارنة بخبرته الطويلة هو    وحين يحيط به  الندم ويقع في دائرة  قلة الحيلة يلجأ  إلي ابنه الأكبر كي يربت علي كتفه و يهدهد من أحزانه٬ ويخفف من آلامه ٬ وبعد أن اشتد عليه المرض  باع قطعه الأرض الخاصه بزوجته٬ لسوء الجيره واشتري بدلا منها قطعة  كبيرة بين أبناء عمومته  ظاناً منه أنهم سيرحبوون بوجوده بينهم٬ فقد كان يخطط لبناء بيت جديد٬ في هذا المكان الذي تحيطه الخضرة من كل جانب ٬يعيش فيه ما تبقى من حياته٬ وتم البيع واستقبله ابن  عمه الأكبر  و كبيرهم بالترحاب  إذ كان قريباً من سنه٬ مقرباً منه٬ و  كان يجـلَّه  و يحترمه و يناديه باسمه مسبوقاً  بحضرة الناظر  وبعد رحيله٬  تولي أمرهم أصغرهم سناً الذي لم يأبه بالقرابه أو النسب أو حتي  بطول العشرة  و بانت نواياهم الخفية و كـُشفت  الاقنعه  وظهرت الوجوه علي حقيقتها وقتها أدركوا أن الكل طامع في قطعة الأرض و ارغامهم علي تركها أو شرائها منهم  بثمن بخس خاصه أن أولاده ليس لهم  خبرة في  مجال الزراعة٬  فهم  مشغولون في أعمالهم الحكومية  فراحوا يؤجرونها  عاماً تلو الآخر ٬وعندما فكروا في بيعها٬ لكي يشتروا بدلاً منها بنايةً كبيرةً٬ تجمعهم و  تنقلهم من القرية الضيقة٬ إلي المدينة الواسعة٠ وتدر عليهم دخلاً كبيراً  بدلاً من الجنيهات القليلة ٬ التي يحصلون عليها من قيمه تأجير  الأرض وجدوا أن جيرانهم٬ قد اعتدوا عليها      وخلعوا ثوابتها ٬و أخذوا كثيراً منها ٬ وسعوا لأنفسهم ٬ وضيقوا عليهم ٬ حاولوا استرجاع  الأرض المغتصبه٬ بالطرق الودية ٬وبالجلسات العرفية٬ لكن  دون جدوي  فلجأوا لقوة القانون ٬  ولدعوات  الرجل الصالح٬  ذو القلب الطيب٬ حضرة الناظر أبي

قاص من مصر

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً