رواية وادي اللبن: قراءة في ديناميات الثقافة والهوية

أسامة الدواح
“الروايةُ فضاءٌ تكامليٌّ طليق، تخْلُقُ الوجودَ وتضيف إليه أكثر ممَّا هو موجود”[1].
تُصنَّف الرواية اليوم، على أنها من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على تجسيد الواقع، لما تتمتع به من مرونة سردية تسمح لها باحتضان مختلف التحولات التي يعرفها الإنسان والمجتمع على حدّ سواء. فهي مرآة عاكسة لهموم الأفراد والجماعات، ولسان حال الأزمنة بما تحمله من صراعات وتحولات وتناقضات. ومن ثم، فهي ليست مجرد حكاية تُروى، بل نص مفتوح على البعد الاجتماعي والثقافي والسياسي والتاريخي، بما يجعلها وثيقة أدبية تُسهم في فهم السياقات العامة التي تؤطر وجود الإنسان. لقد تجاوزت الرواية وظيفتها الترفيهية أو التخييلية الضيقة، لتُصبح فضاءً خصبًا لتحليل بنية المجتمع، وتشريح التفاوتات الطبقية، ورصد التحولات القيمية، وحتى مساءلة مراكز السلطة والهيمنة. ويبرز البعد السياسي على نحو خاص كأحد المحاور الرئيسة التي تلجأ إليها الرواية الحديثة والمعاصرة لتفكيك منظومات الاستبداد، ورصد تجاذبات الواقع الراهن وما يعتريه من صراعات إيديولوجية وتقلبات جيوسياسية. كما لا تغفل الرواية الأبعاد النفسية للفرد، إذ غالبا ما تعكس اضطرابه واغترابه وانكساراته الوجودية في خضم عالم يتسم بالفوضى والتغير المستمر.
وبذلك تُمثل الرواية لا سيما تلك التي تنبثق من تجارب محلية أو سياقات مأزومة، أداة لفهم الذات والآخر، ولتفكيك البنى العميقة التي تشكل الواقع الإنساني في شموليته. وانطلاقًا من هذا التصور، يهدف هذا المقال إلى مقاربة من خلال تحليل الطريقة التي توظف بها الرواية عناصرها السردية والفنية لتجسيد هذه الأبعاد المتعددة، وبخاصة البعدين الثقافي والأنثربولوجي باعتبارهما عنصرين أساسيين في خطاب الرواية المعاصرة.
وفي هذا الإطار، برزت العديد من التجارب الروائية المغربية التي سعت إلى تمثل هذا الانفتاح المركب، حيث تُشكل الهويةُ الثقافية والتعدد العرقي والتقاليد المحلية فضاء خصبا لطرح الأسئلة المرتبطة بالكينونة والانتماء والذاكرة الجماعية. وتُعدّ رواية “وادي اللبن” للروائي المغربي عبد اللطيف محفوظ نموذجا سرديا غنيا بهذا النوع من الاشتغال، إذ تُقدِّم تمثيلات متعددة للواقع من خلال انصهار العناصر الثقافية والأنثروبولوجية في بناء الشخصيات والأحداث والفضاء.
وقد جاء الاشتغال على هذه الرواية، بناء على الصيت الكبير الذي وصلت إليه محليا ووطنيا وعربيا وعالميا، إضافة إلى أن المؤلَّف بعبقريته وتمرسه وتنظيره للرواية، احترم بشكل واضح ذكاء المتلقي الرصين، وذلك عبر تتبع سلس للأحداث والوقائع، إضافة لهذا، فقد خلفت رواية (وادي اللبن) جدلا واسعا لأنها استطاعت تسليط الضوء على المهمش والمنسي في الذاكرة المغربية التاريخية، مما جعلنا نضع العمل تحت مجهر النقد الثقافي والتحليل السيميائي، بغية إنطاق مسكوتاته وكشف الحجب عن هوامشه ومضمراته. والرواية بين أيدينا صادرة عن دار الفاصلة للنشر، بمدينة بطنجة، سنة 2021. وجاءت في 191 صفحة، تخللتها ثمانية فصول.
فعملية كشف الأنساق الثقافية تقوم في أساسها على البحث في الماورائية والهوية والمهمش والصراع، والهدف من ذلك، قراءة النسق المعلن للوصول إلى المضمر ما استطعنا إليه قدرا، فقد لا يجانبنا الصواب في القراءة الثقافية، أو قد لا نصل إلى ما وصل إليه الآخرون، لأن الإبداع هو ذا، حمال أوجه، ينفتح على أفق تأويلي شاسع وقراءات متعددة.
تقوم القراءة الثقافية “على قراءة أخرى واعية بالدلالة الثقافية التي تقوم من موقعها على كشف وإماطة اللثام عن الأنساق المستترة”[2]، فالنص اليوم في سياق النقد الثقافي، هو مادة خام يستعمل لاستكشاف أنماط معينة “مثل الأنماط الإيديولوجية وأنساق التمثيل والتركيز أيضا على أهمية الثقافة لأنها تعين على تشكيل التاريخ وتنظيمه”[3].
وتنبغي الإشارة إلى أن النموذج الثقافي لا يلغي ما هو سردي، ولكنه في الوقت نفسه لا يفصلنا عن سياقاتها الثقافية والرمزية والإيديولوجية، فاستراتيجية السرد تقوم على صيغة نظامية مزدوجة يتداخل فيها الأدبي والثقافي فتستحضر سياقات الهوية والمتخيل والتاريخ والسلطة من أجل بناء رؤية معينة للعالم، وبالتالي “فالقراءة الثقافية معينة لمراعاة هذا النظام المزدوج في التأويل، فتقوم بتفكيك سياسات التمثيل للكشف عن مضمراتها الثقافية والإيديولوجية دون أن تضحي بالتشكيل الجمالي للسرد”[4].
فالنقد الثقافي يركز على النسق المضمر، كونه مجال البحث المخصص به دون المناهج الأخرى، أما الظاهر فلا يولى من الاهتمام سوى كونه وسيلة للكشف عن المضمر المتخفي من خلفه، ” فالنسق المضمر يعد خطرا، وتمكن خطورته في كونه كامنا حيث يمارس تأثيره دون رقيب “[5].
إن البنية الثقافية في النص لا تنفصل عن البنيات الأخرى، وبالأخص البنية الاجتماعية التي تتمظهر بين الحين والآخر، لذلك أي عمل روائي يستند في تكوينه إلى الموضوع الذي يكون محور هذا التكوين السردي، من حيث نصية العمل، ولكن في الوقت ذاته هو (أي الموضوع) بحاجة إلى زمن وصياغة ورؤية من أجل تشكيل هذا النسيج النصي الروائي، فنرى أن كل شعب من الشعوب المنطقية في العالم العربي له خصوصية ثقافية منفردة عن غيره، تتمظهر عادة في بعض الشعائر والطقوس والممارسات التي تنحدر من عمق التراث والفلكلور، ولم يكن الكاتب والمبدع في هذا الخضم بعيداً عن هذه الخصوصية أو تلك، بل حاول توظيفها في نصوصه السردية.
- التراث بين المادي واللامادي وطقوس الرحيل:
من المعروف أن العادات والتقاليد عبارة عن أنماط سلوكية، ووظائف اجتماعية تنتقل من جيل إلى جيل لتقوية الروابط الاجتماعية منها: المناسبات والأعياد، اللباس، الأكل…، والتي تنتهي أحيانا بالعقاب لمن لم يخضع لها، ولطالما كان الخطاب الروائي أرضية خصبة لتجسيد هذه القيم والإعلاء من شأنها، وإعادة إحيائها من جديد، ومدينة تاونات أنموذج يضرب به المثل في عمق وتجذر هذه العادات والتقاليد، التي ترمز إلى الجانب المادي والبعد الحضاري والتراثي للمنطقة، وما يميزها هو ذلك التنوع المثمر والمختلف بين مختلف المناطق داخل الحيز الجغرافي الواحد، مما أرخى بظلاله على اللهجات ومختلف الكلمات والألفاظ المستعملة في سياقات تخاطبية وتواصلية مختلفة. لقد جسدت رواية وادي اللبن للروائي المغربي عبد اللطيف محفوظ هذا البعد الثقافي من خلال مجموعة من الطقوس:
- طقس المأتم ومراسيم العزاء:
لهذا الطقس طعم وتمظهر خاص في الثقافة الشعبية المغربية والتاوناتية خاصة، فهل الموت والعزاء هنا ورد في صورته المادية أم في صورته الرمزية؟
يمكن رصد حضوره في الرواية عبر تمظهرين اثنين:
– الأول: نرصده في مستهل الرواية ومطلعها، في فصل بعنوان “المأتم”، وذلك عند حديث السارد عن وفاة خاله الحاج المانع الحياني، وذلك بتوصل السارد كمال بخبر وفاة خاله المانع الحياني، في ليلة الاثنين الخامس من دجنبر 2016. فالحاج المانع الحياني له مكانة خاصة عند السارد وأهالي تيسة على العموم، (حين وصلنا إلى تيسة كان أغلب الأهل قد وصلوا إلى اللذين يقطنون خارج الوطن، تبادلنا العزاء بالعناق الحار، والدموع الصامتة، وكنا نشكل ما يشبه الدوائر في حلقات سلسلة مختلفة، وكانت الخيمتان الكبيرتان المنصوبتان شبه فارغتين إلا من بعض الأطفال والمراهقين من الجيل الثالث، وبعد تبادل العزاء مع الأقارب من الرجال دخلنا الدار لتقديم العزاء لقريباتنا من النساء…. ثم دخلنا الغرفة التي يسجى فيها خالنا وقبلنا جبينه البارد فألقينا عليه النظرة الأخيرة… ص:18)
تتفتق مجموعة من الأسئلة حول اختيار السارد بدأ الأحداث بمأتم جنائزي، ونهاية الرواية بمأتم آخر، هل يمكن القول عن هذا الاستهلال والنهاية أن سياق الأحداث هو من فرضها، أم أن الأمر مقصود من لدن الراوي؟ هل اختار كمال السارد عنصرا حاضرا في المأتمين معا، معنيا بالتأثر برحيل كل من خاله وأغراب له دلالة رمزية كذلك؟
(وأزفت ساعة الوداع، فحمل أبناء الخال جثمان والدهم وأخرجوه وسط نواح النسوة وعويلهن… تحرك الموكب الجنائزي أخيرا، وبدأ يأخذ شكله المألوف الذي يتشكل بشكل تلقائي، الأبناء وأبناء لإخوة في المقدمة يحيطون بالنعش، والأصهار والجيران في الوسط، وجيران الجيران وأصهار الأصهار والأحفاد في المؤخرة، هندسة اللوعة والحب المغتال يمنحان المعنى لهذا التشكيل، المقدمة تردد بحماس وخشوع تارة لا إله إلا الله فترد المؤخرة محمد رسول الله، وتارة ربنا نسعاو رضاك وعلى بابك واقفين… لا من يرحمنا سواك يا أرحم الراحمين…ص:19)
الثاني: نرصده في نهاية الرواية، خاصة في الفصل الأخير الذي جاء بعنوان: سديم التاريخ وسراب التأويل، والملاحظ أن هناك تعالقا دلاليا في معنى هذا العنوان وعنوان الفصل الأول، فالسديم هنا الضباب الرقيق الذي يحدث ظلاما، والظلام يرتبط بالسواد والسواد مرتبط بالموت، هل يمكننا أن نفهم بأن تداخل الأحداث التاريخية في هذه الرواية وتضاربها سواء حول حكاية التاج المفقود أو حول تاريخ المنطقة التليد، جعل السارد يهيم في جو ضبابي من الرؤى والتصورات التي دفعته لأخذ المبادرة وإنجاز بحث في الموضوع.( التاريخ ليس لنا منه إلا ما كتب علينا أن نقرأه. ص:138).
ففي خضم استكمال مغامرته في البحث والتنقيب والتقصي، قرر كمال أن يعود من إلى تيسة من بوزنيقة عبر طريق فاس، وفي نيته أن يزفر بلقاء مع أعراب لأخذ معلومات يمكن أن تسعفه في بحثه، إلى أن تفاجئ باتصال أخيه عبد الدايم يخبره بموت أعراب، فهنا دخل السارد في نوبة من الارتباك التي أثرت على سياقته مما اضطره إلى التوقف واسترجاع الأنفاس، ( أجبته وأنا أركز انتباهي على الطريق، بيد أن الخبر الذي حملته المكالمة كان مؤلما، فضاع التركيز، وصار الطريق أمامي مثل سراط معوج، أمضى من السيف وأدق من الشعرة. ص:182) فهل الحكاية تطارده أم هو من يطارد الحكاية؟ (مات أغراب فهل ستموت الحكاية معه. ص:185).
نعود إلى رصد مراسم العزاء في بيت أغراب يقول السارد (حين وصلت حي المهاية وجدت أغلب أبناء أغراب مجتمعين، سلمت على من أعرفه منهم، وعزيت أقاربه وبعد زهاء ساعة وصل القاطنون بالمدن البعيدة… أحيانا تكون الجنازات أكثر إمتاعا من الأفراح، تتيح لك القاء بين الأصدقاء بعيدا عن صخب الأهازيج المكرورة. ص:187)
تلحق السارد الخيبات تواليا، فبعد أن فقد أحد أهم المصادر التاريخية الشفهية في المنطقة، هاهو يتلقى خبرا نزل عليه كالصاعقة، مفاده أن المصدر الآخر المعول عليه انتشال السارد من ضبابية الرؤى التاريخية المتضاربة قد هج من جديد: (يسأل كمال أحد الفلاحين الحاضرين في التشييع بعدما استلف منه شاشية الدوم ليضعها على رأسه وقاية من الشمس اللافحة (أين الفراط؟ فزاد جوابه قنوطي ويأسي “هج من جديد” ص:187).
لا تقف مراسم التشييع عند الدفن وقراءة سورة ياسين فقط، بل تمتد إلى منزل الفقيد أيضا حيث تنصب الخيام يتبدأ الولائم، (حين عدنا لم أدخل إحدى الخيمات المنصوبة لأكل شرائح خبز الشعير مغموسة في العسل الحر والزبدة البلدية. ص:188).
يعيش كمال مراسم العزاء في صورتها الجماعية، وعندما يختلي بنفسه، فإنه يقيم طقسا آخر مع ذاته، متسائلا عن مصير الفراط وباحثا بين قصب منطقة (حريدة بريدة) عن شيء يجده مدفونا تاجا كان أو وساما.
- طقوس الاستشفاء الطبيعي:
معلوم أن الطقوس هي مجموعة من المراسم المشتركة التي يؤديها بعض الأشخاص والتي تقام أساسا لقيمتها الرمزية، إضافة إلى طقوس العزاء وتشييع الراحلين، نشير إلى طقس آخر رصدناه بين تلابيب الرواية وصفحاتها ونحن نعيش عوالم الوصف بأنواعه، ونسمع للسراد وهم يتناوبون على السرد في بعض الفترات، والحديث هنا عن طرق تقليدية للاستشفاء والتداوي توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل، جاء في الرواية ما يلي:
(تذكرت جيدا أول مرة صحبتني أمي وأنا صغير لاستئصال وأنا محموم ومتعب، فأتت بمغرفة من خشب العرعار وبصحن صغير من العسل، ووضعت شيئا من العسل في رأس سبابتها وطلبت مني فتح فمي لتعالجني بالعسل، ففرحت بهذا العلاج الشهي، لكن حالما فتحت فمي أدخلت يد المغرفة لتقي شر عضة محتملة وضغطت بسرعة على اللوزتين، فانفجر الغشاء وسال ما بهما من صديد، لكن السرعة والإتقان جعلا الألم عابرا، سيما وقد لطفته جرعة أخرى من العسل الحر. ص:65)، وفي موضع آخر، جاء في الرواية:
(كانت لالة عيادة محبوبة من قبل الجميع، ليس فقط لأنها كانت تداوي كل أنواع أمراض الفم والحنجرة بفضل غصن شجر الدفلى، وبركة لعابها ” الشريف” بل لأنها كانت فائقة اللباقة مع كل نساء الحي، وارفة الحنان على كل الصغار. ص:79).
وفي سياق آخر يورد السارد طريقة أخرى لحبس النزيف (تحسست موضع الضربة فألفيت الدم يسيل، فعدوت إلى البيت، لتضع أمي مسحوق الفلفل الأحمر على الجرح… ص: 69)
تمثل هذه الطقوس تمثلا واقعيا للتداوي الطبيعي بالاعتماد على ما تنتجه الأرض، في إشارة أيضا إلى نوع من الاحتجاج السلمي على واقع المستشفيات في تيسة (تذكرت هذه الواقعة جيدا، فقد علمنا تلك الليلة أنهم شاهدوا جثة يحملها الماء لطفل قاصر…وتم إخطار المقدم، فأتى على وجه السرعة، وحملها على ظهر أتان إلى مستشفى تيسة الوطني، الذي لم يكن به شيء عدا الدواء الأحمر وحبات الأسبرين… ص77)
- طقوس التضامن في زمن الفواجع:
من اللوحات المشرقة التي رصدها السارد تلك المتمثلة في قيم التضامن والتآزر بين مختلف أطياف المجتمع، خاصة تلك المتجلية في زمن الفواجع، فقد تسبب الفيضان الذي ضرب وادي اللبن في فصل الشتاء بغرق منزل الفراط وتلف كل ما فيه من أمتعة ومدخرات العائلة، والأثمن منها كان التاج السلطاني الذي درات حوله رحى هذا العمل، فأهل المنطقة لم يقفوا مكتوفي الأيدي يتفرجون ويتناقلون خبر هول الفاجعة بينهم بل سارعوا وتهافتوا لإيواء عائلة الفراط جاء في الرواية ( تنافست كل الأمهات في تسليمهم ملابس نظيفة بكل المقاسات للذكور والإناث، وكان الفراط يقبل على مضض… أما بوشتى الذي أحس بالاعتزاز والنخوة وهو يحظى باختيارهم مسكنه… بعدها توزع أفراد أسرة الفراط بين ثلاثة بيوت… فحسم الحاج الأمر وقرر أن يكون المسكن قارا… ص84، 85)
ومن نافل القول، إن الذي أضفى على هذا العمل الماتع والشيق هذا البعد الجمالي والرمزي والتاريخي والأسطوري هو هيمنة السرد والوصف والحوار بشكل متقطع على المحكي، وذلك بتقنيات جديدة يمكن أن نقول عنها إنها ذهبت بالرواية إلى صنف الروايات الجديدة ( بلغة سعيد يقطين) وكما أشار بعض النقاد في دراساتهم السابقة لهذا العمل الروائي بأن ” تعدد مصائر الشخصيات والأحداث؛ لم يكن صدفة أو مجرد فحص روتيني لبعض الوثائق التاريخية، وبعض السرود الشفاهية من طرف السارد كمال، حول حكاية التاج المفقود الذي يرمز لتاريخ تيسة ووادي اللبن، وإنما كان محاولة من الكاتب عبر السارد كمال لاسترداد هذا التاريخ المنسي والمهمش. حيث التزم الروائي بدهائه وعبقريته وتمرسه الروائي الفذ، بقانون الرواية بتمثيله لتاريخ وادي اللبن أو ما كان يعرف بوادي المطاحن، وتذويبه في قالب فني باستثمار عناصر التخييل الروائي، من تناص واستذكار، وتكثيف وحذف، ووصف، وتفكيك للخطاب، وتأويل سيميائي لمعطيات التاريخ وللمرويات والأحداث، وللمحكي الأسطوري المرتبط بذاكرة تيسة ووادي اللبن.
خاتمة:
ومسك الختام، فالروائي عبد اللطيف محفوظ، في عمله السردي -الذي أدعو الجميع إلى قراءته والغوص في عوالمه التخيلية والسردية- حاول من خلال السارد كمال الباحث في مجال التاريخ إعادة الاعتبار لمنطقة تاونات وعبرها منطقة تيسة ومن خلالها وادي اللبن، باعتماده مجموعة من التقنيات والأساليب الفنية الروائية كالاسترجاع والاستذكار والوصف والوقفات التأملية والتناص والحوار وفق رؤيا فنية تربط ما بين الماضي والحاضر، فما أحوجنا اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مثل هذه الإبداعات التي تلامس الواقع وتضع اليد على الجرع إبداعا، وتعيد للذاكرة المحلية حياتها بعدما تم تجاوزها بفعل فاعل، شكرا لمبدعنا على عمله القيم هذا الذي سيظل شاهدا على عصر، وذخرا لكل الأجيال التواقة والحالمة بأن تكون تاونات منارة بتاريخها ومجدها وتراثها وثقافتها بماضيها وحاضرها ومستقبلها أنموذجا في الرقي والوعي الفردي والجماعي لأن ذلك هو السبيل الوحيد للنهضة التي نصبو إليها جميعا، دامت أناملك سيدي القدير فياضة بالإبداع وروحك مزهرة بالجمال.
ففي وادي اللبن، لا يُقدم المكان فقط كخلفية للأحداث فحسب، بل ككائن حي ينبض بتاريخه، وعلاقاته الاجتماعية، وتفاعلاته الثقافية. كما تُطرح العلاقة بين الفرد والمجتمع في إطار من التوتر والتفاعل، ما يكشف عن آليات الانتماء والتنازع والتماهي التي تخضع لها الذات داخل نسيج اجتماعي غني بالتنوع. من هنا، فإن الرواية تفتح إمكانات قراءة متعددة تنطلق من البعد الأنثروبولوجي، وتُقارب أشكال التعبير الثقافي المختلفة التي تؤثث الواقع المحلي.
المراجع
[1] – رشيد الضعيف، روائي وشاعر لبناني.
[2] – تور رحيم جنوي، الأنساق الثقافية في شعر أديب كمال الدين، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في فلسفة اللغة العربية وآدابها، جامعة المثنى ط2018، ص:15.
[3] – بعلي حفناوي، في نظرية النقد الثقافي المقارن، منشورات الاختلاف، ط1، 2007، ص:23.
[4] – محمد بوعزة، سرديات ثقافية- من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف- منشورات الاختلاف ط1، 2014، ص:37.
[5] – عبد الله حبيب التميمي، جماليات التحليل الثقافي الشعر الجاهلي نموذجا، دار فارس للنضر والتوزيع، عمان، الأردن، ط 1، 2004، ص:70.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي