الرئيسية / الأعداد / ابن الأبار الأندلسي: حياته وشعره من خلال مسألة الاتباع والإبداع – الحسين أيت بها

ابن الأبار الأندلسي: حياته وشعره من خلال مسألة الاتباع والإبداع – الحسين أيت بها

ابن الأبار الأندلسي: حياته وشعره من خلال مسألة الاتباع والإبداع

الحسين أيت بها

 

1.مقدمة:

حظيت مسألة الاتباع والابتداع في العصرين الأندلسي والمغربي باهتمام كبير لدى النقاد العرب، حيث يقوم الاتباع على قواعد سار على نهجها الشعراء الأندلسيون، فيما يعرف لدى الشعراء القدامى بـ “عمود الشعر”، الذي حدده المرزوقي في مقدمة كتابه “شرح حماسة أبي تمام”. أما الابتداع فهو ابتداع أنماط وأنواع شعرية جديدة خالفت المعهود والمتوارث، فتمردت عليه وتجاوزته.

لقد استمر الشعراء في بناء قصائد وأشعار مناسبة للبيئة الجديدة التي عرفت ازدهارًا كبيرًا، مع تطور الحضارة الأندلسية والمغربية، وامتدادها في الرقعة الجغرافية من أقصى أوروبا فيما سمي ببلاد الأندلس، إلى أقصى جنوب المغرب، حيث نشأت الدولة المرابطية. وكان هناك تلاقح كبير بين الحضارتين العربيتين في شبه الجزيرة العربية وشبه الجزيرة الإيبيرية مع الأندلس، حتى أن محاكاة الشعر امتدت إلى النقاد الذين ألفوا كتبًا تحاكي المشارقة. وبلغ من شأن هذا الاتباع أن الصاحب بن عباد انتقد ابن عبد ربه في قولته الشهيرة عندما وصله كتابه “العقد الفريد”: “هذه بضاعتنا ردت إلينا“، مما يدل على أن الارتباط بين المشرق والمغرب كان وثيقًا وعنصرًا أساسيًا لنشأة الإبداع في الأندلس.

وقد ظهرت فنون شعرية جديدة، شملت بنية القصيدة العربية، منها شعر الملحون والموشحات، برع الأندلسيون فيها، واشتغلوا بأغراض الوصف والرثاء والمدح. وكان لتأثر الحضارة الأندلسية أثر في ذلك، وكان الشعر سبيل الشاعر الأندلسي للتقرب من الوجهاء والأمراء. يقول د. إحسان عباس: “لا ريب في أن الطبيعة الشعرية كانت ذات أثر في نوعية الحياة السياسية في البلاد الأندلسية، وخاصة في عصر ملوك الطوائف”[1]، مما يدل على تغلغل الشاعر في الحياة السياسية والاجتماعية لعصره. وقد برز شعراء قادتهم موهبتهم الأدبية إلى تبوء مكانة مهمة في مرتبة الوزارة وبلاطات الأمراء، أمثال: ابن زيدون، وابن عمبار، وابن عبدون.

وقد عبر الشعر الأندلسي عن الأوضاع التاريخية، فذهب إلى تصوير النكبات وحالات التراجع، من خلال متابعة الأدب للانتصارات التاريخية والإشادة بجهود الأمراء في مواقف متعددة. “وخير صورة وأنبلها ما نجده في عصر ملوك الطوائف، واجتماعهما على كلمة توحيد الأندلس“. وقد عمل الأمراء على إرساء حضارة أدبية وفنية ساهمت بعطائها العلمي في الحضارة الإنسانية العربية، لكن كثرة الخلافات والصراع حول السلطة جعلت أوصال حضارة الأندلس تتفكك، مما شجع المد المسيحي على التغلغل في الإمارات الأندلسية. وما تلاها من تدارك من طرف المرابطين والموحدين، ليؤول الأمر في نهاية المطاف إلى استيلاء المسيحيين على هذه الدويلات، فسقطت الدويلات واحدة تلو الأخرى: قرطبة، وطليطلة، وبلنسية. وكانت بلنسية من المدن التي باكرها الحصار المسيحي، ونجدها من ثالث النكبات العدوانية التي مُنيت بها الأندلس. وفي ظل هذه الظرفية التاريخية الصعبة عاش الشعراء الأندلسيون (ابن خفاجة، وابن الأبار…). وقد رثى ابن خفاجة بلنسية في أبيات يقول فيها:

عَاثَـــتْ بِسَاحَتِكَ الْعِـدَى يَا دَارُ     وَمَحَا مَحَاسِنُكَ الْبِلَـــى وَالنَّـــــــارُ

فَإِذَا تــَـرَدَّدَ فِي جَنَابِكَ نَاظِـــــرٌ     طَـــالَ اعْتِبَــــارٌ فِيكَ وَاسْتِعْبَــــارُ

أَرْضٌ تَقَاذَفَتِ الْخُطُوبُ بِأَهْلِهَا      وَتَمَخَّضَتِ بِخَـــرَابِهَا الْأَقْـــــــدَارُ

كَتَبتْ يَدُ الْحَدَثَانِ فِي عَرَصَاتِهَا    لَا أَنْتَ أَنْتَ وَلَا الدِّيَــارُ دِيَـــــــارُ

[2]

وكانت بلنسية من المدن التي لم يستطع سلطانها “أبو جميل زيان” فك الحصار عنها، فسقطت. وقد حز في نفس ابن الأبار ما آلت إليه المدينة فرثاها في قصيدته المشهورة “يا للجزيرة“، يقول:

يَا لَلْجَزِيرَةِ أضْحَى أَهْلُهَا جَزرَا     لِلْحَادِثـَــاتِ، وَأَمْسَى جَدُّهَا تَعِسَـــــا

فِي كُلِّ شَــــــــارِقَةٍ إِلْمَــامُ بَائِقَــــةٍ     يَعُودُ مَأْتَمُــهَا عِنْد الْعِــــدَى عُرُسَــا

وَكُلُّ غَارِبَةٍ إِجْحَافُ نَائِبـَـــــــــةٍ     تَثْنِي الْأَمَانَ حِذَارًا وَالسُّرُورَ أَسَـــى

 

وقد وقع اختيارنا على الشاعر ابن الأبار لتحليل قصائده، وسنحاول التعرف على الشاعر والمؤثرات التي أثرت في شعره، مع دراسة وافية لقصيدته “يا للجزيرة“.

  1. التعريف بالشاعر ابن الأبار (حياته: نشأته وإنتاجه):

لا يزال هذا العالم الموسوعي مجهولًا رغم البحوث والأعمال الصادرة والتي نشرت باسمه: ابن الأبار. حيث عاش في ظروف سياسية صعبة، طبعتها ظروف المؤامرات السياسية والفتن السائدة التي عرفتها مدينته “بلنسية”. والأغلب أن الشاعر ولد فيها سنة 565هـ، أي في منتصف القرن السادس الهجري، واسمه محمد أبو عبد الله بن عبد الله القضاعي“[3]. وقد نشأ على محبة العلم منذ أظافره، حيث عمل أبوه على توجيهه فعلمه حفظ القرآن الكريم والأخبار والأشعار. وقد بوأته ثقافته الرفيعة في مجتمعه البلنسي، فعينه أبو جميل سلطان بلنسية وزيرًا لشؤون الدولة. وقد عرفت بلنسية في عهده أزمات عدة، انتهت بوساطات ووفود بيعة. وقد كان لذلك أثر في حياة الشاعر ابن الأبار، ورغم هذه الظروف، فإن ذلك لم يمنعه من مفارقة حياته العلمية حتى في أحلك الظروف. وعندما التجأ إلى تونس طلبًا للغوث من أميرها زكرياء الحفصي، تحت وصاية الأمير، الذي اختاره ليكون رئيس وفد بيعته، فاستغل المناسبة ليلقي بين يديه سينيته المشهورة، فهب الأمير لنجدة المدينة.

وقد يسّر له المناخ العائلي والاجتماعي جميع الأسباب ليكون عالم زمانه، مما جعله يحتل مكانة مرموقة، استحق بها التنويه من عالم مجتهد وهو: ابن عبد الملك المراكشي، قال عنه في كتابه: “الذيل والتكملة“: “ولم يزل يسمع العلم ويتلقاه عن الكبير والصغير شغفًا به، وحرصًا عليه إلى منتهى عمره”[4]. والحقيقة أن ابن الأبار كانت له ضروب من المعرفة والعلم متساوية، ولذلك استحق ما وصفه به ابن عبد الملك الناقد.

وقد أصبح ابن الأبار شيخ الأندلس بلا منازع، له إنتاجات بلغت الخمسين كتابًا، ويظهر لنا إنتاجه الضخم استحق عليه لقب “سراج العلوم” كما سماه ابن الأحمر. وقد أحصى بروكلمان والمرحوم عبد العزيز عبد المجيد في كتابه عن ابن الأبار أعماله، وله رسائل وأشعار كثيرة، أورد كثيرًا منها المقري في “نفح الطيب”[5].

قال عنه ابن خلدون في كتابه “العبر”: “من مشيخة أهل بلنسية، وكان علامة في الحديث ولسان العرب، وبليغًا في الترسيل والشعر”[6]. ويعطي هذا الكلام الدليل الواضح والبرهان القاطع على بلاغة الشاعر ابن الأبار، وأن شعره من أجود الأشعار بالمقارنة مع شعراء عصره من الأندلسيين.

 

  1. مظاهر الحياة الأندلسية في شعر ابن الأبار: “وصف الطبيعة ورثاء المدن“:
  1. وصف الطبيعة

كان وصف الطبيعة في العصر الأندلسي نوعًا من الاحتذاء لبعض أشعار المشارقة، ولكن الأندلسيين تميزوا بالإكثار من وصف الأزهار، حتى ألف حبيب الحميري كتابًا سماه: “البديع في وصف الربيع“، يعبر فيه عن مدى إعجابه بشعر بلده إذا قيس بشعر المشرق. فمن وصف الربيع في مقدمة قصيدة مدح قول ابن الأبار، من غرض التخلص لمدح الحاجب”[7]:

لَبِسَ الرَّبِيعُ الطَّلْقُ بَرْدَ شَبـَــابِهِ     وَافْتَـــرَّ عَنْ عُتْبَاهُ بَعْــدَ عِتَابِــــهِ

مَلِكُ الْفُصُولِ حبَا الثَّرَى بِثَرَائِهِ     مُتَبَرِّجـًـــا لِوِهــَـــادِهِ وَهِضَابــِــهِ

فَأَرَاكَ بِالْأَنْـــــوَارِ وَشْيَ بـــرُودِهِ     وَأَرَاكَ بِالْأَشْجَارِ خُضْرَ قِبَابِـــــــهِ

أَمْسَى يُذَهِّبُهَا بِشَمْسِ أَصِيلِــــــهِ     وَغَدَا يُفَضّضُهَا بِدَمْعِ حُبَابِــــــهِ

[8]

وتظهر بداعة الصورة عند ابن الأبار في إلباس الربيع برد الشباب، جاعلًا منه ملك الفصول يظهر في زينته وتبرجه وثرائه، ويمضي في وصف فصل الربيع بنوره وخضرة أشجاره وسطوع شمس أصيله.

وله في وصف دولاب أيضًا قوله:

يَا حَبَّـــــــــذَا بِحَدِيــــــــقَةِ دُولَابْ     سَكَنَـــــتْ إِلَى حَرَكَاتِهِ الْأَلْبَــــابُ

غَنَّى وَلَمْ يَطْرَبْ وَشَقَى وَهُوَ لـــَمْ    يَشْرَبْ ومنه اللَّحْنُ وَالْأكْــــوَابُ

لَوْ يَدَّعِى لُطْفَ الْهــَواءِ أو الهوَى    مَا كُنـْــتَ فِي تَصْدِيقِهِ مُرْتـَـــابُ

لِلْعُــــودِ مَحْتــدُهُ وَمِلْءُ ضُلـُــوعُهُ     لِإِغَاثـَـةِ الشَّجَرِ اللَّهِيفِ رَبَـــابُ

وكَأَنـَّــهُ مِمَّـــــا تَرَنَّـــــمَ مَاجــــنٌ     وكَأَنـَّـــــــهُ مِمَّــا بَكَــــــى أَوَّابُ

وكَأَنـــهُ بِنِثــــــارِهِ وَمَــــــــدَارِه     فَلَكٌ كَوَاكِبـُـهُ لَهَـــــا أَذْنَـــــــابُ

[9]

فصور الدولاب والحركة تدب فيه، كأنه إنسان يغني ويشقى من كثرة الشرب، ويظهر تعلق الشاعر ابن الأبار بالطبيعة في وصفه، حيث يكثر تناولها في مدحه، حتى أن أغلب قصائده شملها الوصف وتخللتها الطبيعة الأندلسية.

ويغلب على شعر ابن الأبار التذكر والحنين إلى أراضي الأندلس ومدينته بلنسية التي ينعتها بالجزيرة، ومن مظاهر ذلك رصد التحول الذي عرفته الديار الأندلسية في مقطع سينيته، يقول:

وَأَرْبُعا نَمْنَمَتْ يُمْنَــــى الرَّبِيعِ لَهَــا     مـا شِئْتَ مِنْ خِلَــعٍ مَوْشِيـَّـــةٍ وَكُسَــى

كَانـَـتْ حَدَائِــــقَ لِلْأَحْدَاقِ مُؤْنِــــقةً     فصوَّحَ النضـرُ مِنْ أَدْوَاحِـهَا وَعَسَــــا

وَحَالَ مَا حَوْلَهَا مِنْ مَنْظَرٍ عَجَــــبٍ      يَسْتَجْلِسُ الرُّكبَ أو يستركِبُ الجُلُسَا

[10]
  1. رثاء المدن (بلنسية):

لم يستطع ابن الأبار نسيان مدينته الأندلسية السليبة “بلنسية” على الرغم من مغادرته إياها، واستقراره في “بجاية”[11]، إثر قدومه رئيسًا لوفد بعثة الأمير، يطلب من خلالها الغوث من أمير تونس أبي زكرياء الحفصي. فعبر الشاعر عن ولعه وتعلقه بمدينته الأم، وبكاها، معلنًا اشتياقه لها، مستحضرًا ما آلت إليه المدينة من سلب وإغارة واحتلال. وقد سجل ما أصابها من نكبات وحروب وحصار، انتهت بها أسيرة في يد المسيحيين، فنجده يصف هول الفاجعة وينتدب الحظ العاثر لهذه المدينة، يقول في أبيات يندب فيها بلنسية وهو يقصد تسلط النصارى على المدينة بعدما لم تجد الأندلس من يحميها من تسلطهم أمثال المنصور بن أبي عامر:

قَدْ أَسْلَمَ الإِسْلاَمُ فِيهِ إِلى الْعِدَى     فَأَسَاهُ بَرَحٌ لَا يُتَاحُ بِرَاحُـــهُ

لَمَّا تَحَجبَ ي النّوَى مَنْصُـــورُهُ     أنْحى عليه بِسيْفِهِ سِفاحُــهُ

[12]

وقد كان للجانب السياسي أثر كبير في نفوس شعراء الأندلس، الذين رثوا المدن. وقد عد الأندلسيون سقوط طليطلة وبلنسية نكبة، خصوصًا بعد انهيار دول ملوك الطوائف ودولة بني عباد خاصة، كان له جانب وأثر عميق في نفوس استأثرت بأكثر الأسى والتفجع. وكان للشاعر ابن الأبار نصيب من هذا التأثر العميق بما حل بمدينته “بلنسية” ونجده يسجل ذلك في سينيته الشهيرة، مظهرًا حسرته على ضياعها، يقول:

أَدْرِكْ بِخَيْلـكَ خَيـْـلَ اللهِ أَنْدَلُسَــــــــــــــا    إِنَّ السَّبِيــلَ إلى مَنْجَاتِــهَا دَرَسَــــا

وَهَبْ لَهَا مِنْ عَزيِزِ النَّصْرِ مَا الْتَمَسَـــتْ    فَلَمْ يَزَلْ مِنْكَ عِزُّ النَّصْرِ مُلْتَمَسَــــــا

وَحَـــــاشَ مِمَّا تُعَانِيـــــه حَشَاشَتــُـــــــهَا    فَطَالَمَا ذَاقَـــــتِ الْبَلْوَى صَبَاحَ مَسَــا

[13]

ونجده يستهل سينيته بمخاطبة أبي زكرياء الحفصي، يطلب منه العزة والنصرة لأهل بلنسية، ويصف له ما تعرضت له من أهوال وذاقت من ويلات وبلوى، وأن يدافع بخيله عن بلاد المسلمين التي اغتصبها النصارى.

ويمضي بنا في وصف حال المدينة السليبة، ليقف بنا على ما تعرض له أهلها من قتل وذبح ومجازر، حيث نجد في كل مكان منها مآتم تحولت لأعراس لصالح الأعداء في شرقها وغربها، ويدعو على الأعداء “لا نالت مقاسمهم”، وهو في معرض الإخبار عن واقع المدينة السليبة يقول:

يَا لَلْجَزِيرَةِ أضْحَى أَهْلُهَا جَـــــــزرَا    لِلْحَادِثـَــاتِ، وَأَمْسَى جَدُّهَا تَعِسَــــــــــا

فِي كُلِّ شَــــــــارِقَةٍ إِلْمَــامُ بَائِقَــــةٍ    يَعُودُ مَأْتَمُــهَا عِنْد الْعِـــدَى عُرُسَــــــــا

وَكُلُّ غَارِبَةٍ إِجْحَافُ نَائِبـَــــــــــــةٍ    تَثْنِي الْأَمَانَ حِذَارًا وَالسُّرُورَ أَسَـــــــــى

وقد وظف الشاعر أسلوب النداء، “يا للجزيرة” كأنه يستغيث، ويطلب النجدة فيما يشبه الأسى على ما حل بجزيرته ومصيرها ومآلها. وكان لعامل سقوط مدينة “بلنسية” وأفول نجم الحضارة الأندلسية، أثر عميق في نفسية الشاعر ابن الأبار، حيث نلمس ذلك في ذاته، ينعكس على شعره، حيث تمثل هذا الجانب في ارتباطه بالديار المفقودة (الأرض، الجزيرة، الديار، الربوع، الحدائق الخضراء…)، وجانب آخر ارتبط بسقوط المدن الأندلسية: (بلنسية، قرطبة…) وهو عامل له علاقة بالموضوع العام للقصيدة ويتأطر بمأساة سقوط الأندلس.

ونجده يصف أثر العدوان المسيحي على مدن الأندلس (بلنسية، قرطبة)، وكيف حل الشرك فيها، بعدما كانت أمكنة للعبادة وإقامة المساجد والإيمان، وتحولت بسبب هذا الاحتلال إلى كنائس تقام فيها الأجراس، وفيما يشبه الحسرة على ضياعها ولهفه على ماضيها المفقود وذكراها يقول:

تَقَاسـَــمَ الرُّومُ، لَا نَالـَـــتْ مَقَاسِمُـــــهُــــمُ    إِلَّا عَقَائِلَهَا المَحْجُـــــوبَةُ الْأُنُسَـــــــــــــــــــــا

وَفِي بَلَنْسِـــيَّةٍ مِنْـــــهَا وَقُرْطُبــَــــــــــــــةٍ    مَا يَنْسِفُ النَّفْـسَ أَوْ مَا يَنْــزِفُ النَّفَسَـــــــــــــا

مَدَائِنُ حَلَّهَا الْإِشْـــــــرَاكُ مُبْتَسِمـًــــــــــا    جَــــذْلَانُ وَارْتَحَـــلَ الْإِيمَــــانُ مُبْتَئِســــــــَـــا

وَصَيَّرَتْهَا الْعَـــوَادِي الْعَابِثَـــــاتُ بِهَـــــــا    يَسْتَوْحِشُ الطَّرْفُ مِنْهَا ضِعْفَ مَا أَنِسَـــــــــــا

فمِنْ دَسَاكِرَ كَانَــــتْ دُونَـــهَا حَرَسًــــــــا    وَمِنْ كَنَائِسَـــــا كَانَـــتْ قَبْلَهَا كُنُسَـــــــــــــــــا

يَا لِلْمَسَاجِدِ عَادَتْ لِلْعــِـــــدَى بِيَعًــــــــــــا    وَلِلنِّــــــــــدَاءِ غَدَا أَثْـاءَهَا جَرَسَـــــــــــــــــــا

لَهْفِي عَلَيْهَا، إِلَى اسْتِرْجَاعِ فَائِتِــــــهَـــــا    مَدَارِسًا لِلْمَثَـــــانِي أَصْبَحَتْ دُرُسَـــــــــــــا

[14]

ونحاول من خلال تقصينا للقصيدة، دراسة هذا المقطع وبنية الصورة المشكلة له، وننطلق من تصور البنيويين لدلالة المعجم وحصيلة التفاعلات العميقة بين الصورة في معناها النفسي الذي يلامس مقصدية الشاعر وتجلي المأساة في شعره، مع “…خلق أنساق بنيوية تتحرك على مستوى أعمق من مستوى الدلالات اللغوية والإيقاعية الواضحة من جهة أخرى، تتقاطع معها، وتكون نقاط تقاطعها متراصة على شكل بؤر انفجارية تسيطر على حركة القصيدة كلها، لكن المستوى المذكور يتشكل أيضًا من تنامي الأنساق الناشئة من مجموعة التصورات والمفاهيم والموجودات ومن علاقات التشابه والتضاد والتوسط التي تنشأ على صعيد التصورات وعلى صعيد اللغة…”[15]. ونحدد طبيعة هذه المفاهيم وعلاقات التضاد بينها في القصيدة، عن طريق استحضار موضوعها الأساس المتمثل في وصف حال المدينة ورثائها، ولذلك يتجاذب القصيدة معجم لغوي ينتقيه الشاعر من ثقافته ومرجعيته التراثية، وقراءته للأحداث، فتبرز الثنائيات الضدية كالتالي: (أمسى#أضحى/ شارقة#غاربة/ المأتم#العرس/ الشرك#الإيمان/ الكنائس#المساجد/ التوحيد#التثليث). والملاحظ على هذه المفاهيم أنها كشفت الصراع القديم القائم بين المسيحية والإسلام، والتي تجلت في ثنائية الماضي والحاضر، الذي حول الماضي المزهر إلى حاضر ميؤوس منه، مبينة فداحة الكارثة التي حلت بالأندلس.

ونلاحظ غلبة التكرار على أجواء القصيدة، تكرار الكلمات والحروف، ومن مظاهر ذلك تكرار التجنيس في بعض الكلمات مثل قوله: (أربعًا… الربيع/ حدائق الأحداق)، وتكرار الحروف مثل: واو العطف، وتكرار حرف السين والزاي واللام والعين، وهي حروف تعبر عن الأسى والحسرة ولها نفس المخرج من حيث تركيبتها وإيقاعها الداخلي.

 

خلاصة تركيبية:

نلمس من تحليلنا لقصائد الشاعر ابن الأبار المبتوثة في ديوانه، تفوقه في وصف ورثاء المدن، وقد مكنته ثقافته الواسعة واطلاعه من رصد تجليات المأساة والكارثة التي حلت بمدينته، ساهمت في صقل موهبته الشعرية، ونماء تجربته من القول الشعري، وعمق عاطفته وقدرته على رصد هذا الانهيار وتجلية مظاهر مأساة المدينة المسلوبة، حيث انطلق الشاعر من تصوير اللحظة التاريخية، التي وقعت فيها الأندلس على يد مغتصبها النصراني ألفونسو السادس، وسقوط الدويلات واحدة تلو الأخرى، وانتقاله لرصد هذا التحول بين الماضي والحاضر، حاضر المدينة الذي جعلها مستباحة للعدو، يقيم فيها وينشئ معابد على طريقته، وماضيها المزهر الذي بيّن فيه حضور الفضاء الجغرافي للأندلس، حيث تميز بطبيعة خلابة وأراضي خضراء، تحمل رمزية الحنين، والأسى لفقدانها. وهذه المظاهر مجتمعة تشكل مقومات رثاء المدن وعناصرها، في بلاد الأندلس. ويظهر من خلال دراستنا لهذه القصائد، التفوق الأندلسي على المشرق، من حيث الأغراض وشكل القصيدة واللغة والبناء، حيث تجاوز الشاعر مظاهر الاتباع إلى الابتداع والتزم بخصائص العربية القديمة، القائمة على نظام الشطرين ووحدة الروي والقافية، ومن حيث الأغراض، مع السعي إلى تعميق جذورها في البيئة الأندلسية، فكان أن تناول أغراضًا من قبيل وصف الطبيعة الأندلسية، ورثاء المدينة المسلوبة. ويظهر التفوق الأندلسي على المشارقة من حيث الأغراض، كشعر الوصف والرثاء، ووصف النكبات التي حلت بالمسلمين وتسجيلها كلحظات تاريخية في القصيدة التي عبرت عن محنة الأندلس.

وبهذا يمثل الشعر الأندلسي جزءًا هامًا من الشعر العربي القديم في امتداداته إغناءً لأصوله عبر التاريخ.

لائحة المصادر والمراجع:

  • ديوان ابن الأبار، تحقيق ذ. عبد السلام الهراس، المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1999 (بدون طبعة وبدون تاريخ).
  • د. إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي: عصر الطوائف والمرابطين، دار الشروق، فلسطين، 1997، ص: 67.
  • كمال أبوديب، جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر، ص: 56، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى 1987، بيروت، لبنان.
[1]ـ ذ. إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي: عصر الطوائف والمرابطين، دار الشروق، فلسطين، 1997، ص: 67.

[2] ـ تاريخ الأدب الأندلسي: عصر الطوائف والمرابطين، د. إحسان عباس، ص: 150.

[3] ـ ديوان ابن الأبار، تحقيق ذ. عبد السلام الهراس، المملكة المغربية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1999 (بدون طبعة وبدون تاريخ).

[4] ـ ديوان ابن الأبار، ص: 11.

[5] ـ الديوان نفسه، ص: 12.

[6] ـ عبد الرحمن بن خلدون، العبر، ج 6، ص: 387.

[7] ـ تاريخ الأدب الأندلسي، د. إحسان عباس، ص: 155.

[8] ـ المصدر نفسه، ص: 156.

[9] ـ الأبيات مأخوذة من ديوان ابن الأبار، ص: 66.

[10] ـ ديوان ابن الأبار، ص: 408-409.

[11] ـ بجاية مدينة في الجزائر، كانت مستقر ابن الأبار فور قدومه إلى تونس.

[12] ـ ديوان ابن الأبار، ص: 140.

[13] ـ قصيدة وجهها الشاعر لأبي زكرياء عندما أوفده إلى تونس للاستنجاد بالملك الحفصي، عند حصار بلنسية. (كلام محقق الديوان)، ص: 408.

[14] ـ ديوان ابن الأبار، ص: 408-409.

[15] ـ كمال أبوديب، جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر، ص: 56، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى 1987، بيروت، لبنان.

 

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

   

اترك تعليقاً