الرئيسية / ابداعات / سر المهنة – أحمد بلقاسم

سر المهنة – أحمد بلقاسم

سر المهنة

 أحمد بلقاسم

 

كنت محظوظًا لما انتدبتني الجريدة التي أشتغل فيها محررًا وفي نفس الوقت مشرفًا على البريد الثقافي الذي يصل إليها. جريدتنا كانت تخصص حيزًا مهمًا من صفحاتها للشأن الثقافي؛ من كتابات إبداعية في الشعر والسرد والمسرح والدراسات. كان جمهور المثقفين على موعد مع الثقافة مرتين في الأسبوع، مرة يلتقي فيها مع إبداعات الشباب حيث كانت تخصص لهم الجريدة صفحة كاملة دون زيادة أو نقصان، ومرة أخرى مع الملحق الثقافي الأسبوعي. أذكر أنني ذات مرة أدرجت نصًّا لكاتب لن أذكر اسمه ضمن إبداعات الشباب، فثارت ثائرته وأرغد وأزبد، وقام بقص الصفحة التي تضمنت نصه وأرسلها إلى الجريدة مشفوعة برسالة شديدة اللهجة موجهة إليّ فيها من التهديد والوعيد ما أستحيي أن ألطخ به هذه الورقة. كما أذكر أن بعضًا من الشباب كانوا يذيلون محاولاتهم الشعرية أو القصصية بعبارة: أرجو منكم أن تنشروا نصي هذا ضمن مواد الملحق الثقافي لأنني أراه نصًّا بلغ من النضج ما يجعله جديرًا بأن يتبوأ مكانًا مرموقًا في إحدى صفحات الملحق الثقافي، وللجريدة الغراء واسع النظر. ثمة أحداث وطرائف أخرى حدثت لي مع كثير من المثقفين لا يسع المجال إلى ذكرها الآن لنرجع إلى صلب الموضوع. لقد انتدبتني الجريدة من بين ثلة من زملائي، لأشد الرحال إلى العاصمة العلمية فاس، وأقيم فيها ثلاثة أيام متتابعة.

فرصة مثل هذه ما كان عليّ أن أفرط فيها، لأكسر رتابة العمل وأنعش نشاطي من ناحية، ولأزور المدينة لغرض في نفسي من ناحية أخرى. حجزت لي الجريدة مشكورة تذكرة سفر من الدرجة الأولى في القطار السريع. نزلت معززًا مكرمًا في فندق المدينة الكبير، فندق مصنف خمسة نجوم، إقامتي فيه كانت مريحة وجميلة للغاية، والأجمل منها أنها إقامة مجانية ليست على نفقة الجريدة، بل على نفقة الجهة المنظمة للتظاهرة الثقافية الكبرى.

الآن قد عرفتم سبب انتدابي من طرف الجريدة للقيام بهذه الرحلة ألا وهو حضور فعاليات التظاهرة الثقافية المشار إليها آنفًا؛ والتي يحلو لي أن أسميها الرحلة الفاسية. بديهي أن يذهب بكم الظن إلى أن حضوري هو من أجل القيام بتغطية لأطوار الأيام الثقافية وإنجاز تقارير مفصلة عنها لتنشر في الصفحة الثقافية لجريدتنا الغراء. معذرة إن قلت لكم قد خاب ظنكم، لأن مثل هذا العمل عادة ما يضطلع به مراسل الجريدة، وهو بالمناسبة يقيم في عين المكان، وهو ابن المدينة المحتضنة للتظاهرة؛ ومع ذلك استفاد بالإقامة المجانية ومن الإطعام الجيد في نزل المدينة الكبير، استفاد من ذلك مثلما استفدت أنا وسائر المدعوين لحضور فعاليات أيام التظاهرة الثقافية الكبرى.

أما كيف تأتى له ذلك فتلك قصة أخرى، قصة تشبه قصص بعض المدعوين (من الجنسين) الذين حضروا التظاهرة ولم تكن لهم أية مشاركة بأي شكل من الأشكال في هذه التظاهرة طيلة الأيام الثلاث، مشاركتهم الوحيدة التي لفتت انتباهي، وكانوا يحرصون عليها كل الحرص، هي عدم تفريطهم في وجبتي الغداء والعشاء وحتى وجبة الفطور نادرًا ما كانوا يتغيبون عنها، هذا باختصار شديد ما كان يجمعنا بهم. أما من يكونون وبأي صفة من الصفات تجشموا أعباء حضور التظاهرة فعلم ذلك عند علام الغيوب سبحانه.

ما علينا فلندعهم وشأنهم ما دمنا لا نتحمل مصاريف مبيتهم وأكلهم في الفندق، ولنرجع إلى صلب الموضوع، أقصد الجواب عن السؤال الذي طرحناه، المتعلق بسبب إيفادي من طرف الجريدة لحضور التظاهرة الثقافية الكبرى، وقد تبين أنها لم ترسلني إلى فاس لأقوم بتغطية فعاليات هذه التظاهرة، وإنما لغرض آخر لا يقل أهمية عن ذلك، لكن للأسف الشديد لن أبوح به إليكم نزولًا عند رغبة هذا الحكيم الذي قال:

إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق.

 

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

صدور رواية في استنطاق المكان بعنون: “نفى مردوخ” للكاتب عبدالحسين بريسم

  عن دار “وتريات” للنشر والتوزيع، صدرت للكاتب والشاعر العراقي عبد الحسين بريسم رواية جديدة …

اترك تعليقاً