في نقائص الوجود وما تبثين فيها من حبّ وجود
عبداللطيف أجدور
لا ينفصل الوجود الإنساني عن النقص بحال، وكل تفكير يفترض في الإنسان الكمال محكوم بالنكوص والزوال.
في الحب، كما في الجنس، كما في اللغة، كما في الأدب، كما في الحياة: يتردد الكائن البشري بين لحظات ألق وساعات فَرَق، بين احتفالات بالحب والوصال وأماني المستقبل، وبين انحطامات ضغط اللحظة، وضيق الأفق، وكلح المصير.
تحويل العادي إلى احتفالي
لكن الفارق يكمن في أن الحب، حبك أنتِ، يتجاوز هذه الانزياحات الوجدانية. فتحوّلين العادي الرتيب إلى طقس احتفالي بهيج:
- تنفخين في وجبة إفطار روحًا عاشقة فتصير وجبة في الجنة.
- تحوّلين مباراة كرة إلى عرض الكولوسيوم الإمبراطوري.
- تُحوّلين نزهة مشي مسائي إلى سير على الغمام.
- تجعلين حديثًا عفويًا بعد وجبة غذاء على شرف برّاد شاي ممتعًا كمقامات بديع الزمان أو رباعيات خيام.
إن احتفاءك بالتفاصيل التي تصوغ أيامنا، وبالتالي تكتب تاريخنا، استثنائي وفريد.
القدرة على اقتراف الجمال
ينطوي ولعك بتحويل العادي إلى احتفالي على قدرة عظيمة: على اقتراف الجمال أولاً، والإبداع فيه ثانيًا، والعيش برواقية ثالثًا. هذه ممارسات نفسية شاقة على من لا يتقنها، أو من لم يمتلك ذاتًا توّاقة إلى التحرر من ثقل التكرار، ومرارة الاعتياد، ورعونة التنميط والاختزال.
استمرارية الروح
إن خوضي الأيام معك بالنقص الذي يعتريها ويعترينا ويعتري حبنا، واستمتاعي بالترقب الذي أبذله كل يوم لأعثر على أعذب ألحان روحك، وأبدع لمسات أناملك في أكثر تفاصيل يومنا بساطة وابتذالًا، يمنحني دافعًا جميلًا للاستمرار. ويضفي ذلك على النقص الذي يلف الوجود لمسة وجودية وطابعًا سرياليًا، حيث محاولاتك المكثفة لجعل الحياة فضاءً حافلًا بالجدة والبهجة، تمامًا كما تفعل نحلة ببستان زهر ليمون، فتصير مصدر حبور، ومبعثًا على مواصلة العيش بحرص على الجمال والتفاصيل مهما بدت قاسية وصلبة.
الامتنان كشكر وعرفان
إن الذي يملأ جوفي تجاهك هو الامتنان؛ ذاك كلما عبر الفكر أو الجسد، أو تردد بينهما تردد نسيم الأصيل في الشطآن، وكلما رحلت في عينيك طلبًا لفرح الطفولة ودفء الماضي.
ما ذكرتكِ إلا ذكرت سقراط الذي، مع رث ثوبه وضنك عيشه وفجع قتله، عاش مزهوًا ببذور المعرفة والحكمة ينثرها في قلوب غيره فتربو وتزدان. وليس أكثر جمالًا وتعبيرًا عن حالكِ الغارق في المحبة والرواء، مثل قول المتنبي:
فَأَنتَ تُعَلِّمُ الناسَ التَعَزّي وَخَوضَ المَوتِ في الحَربِ السِجالِ وَحالاتُ الزَمانِ عَلَيكَ شَتّى وَحالُكَ واحِدٌ في كُلِّ حال
إن فرحي العميق بك، وإن صرفتنا متاهات الحياة البئيسة عن التعبير عنه بإجزال، يضاهي فرح طائر طنان بعشه وسلامة بيضه عند الأوبة في المساء، وغبطة حقل الذرة الناضب، خلال أبريل العمر، بهمر الشتاء.
من لا يعرف كيف يحبك تحت السماء.
كاتب من المغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي
