سنرجع يوما إلى حينا…

عبداللطيف بلمعطي*
بجملة العنوان هذه، تسللت كلماته كما يتسلل عبق الذكرى من ماض جميل، لحظة سكون هادئة، انكسرت أشعة شمسها على زجاج نافذة قديمة… حينها شدت انتباهي تنهيدة طويلة لأخي محمد “رحمه الله”، انطلقت مع اولى نغمات إحدى روائع الفنانة فيروز “سنرجع يوما إلى حينا…”. أخذ أخي نفسا عميقا، وكأنه يجتر من خلال اللحن ذكريات كل اشتياق ووجد وحنين.
لقد كان وقع المعزوفة أكبر من صدفة انبعاته من هاتفي…
أخذ ينتقي من ذاكرته ما بقي مبعثرا من كلمات الأغنية، ليواكب بها سير المعزوفة، يغني ببعضها حينا ويملأ بدندنته فراغ ما غاب عنه منها حينا آخر، على ذات الإيقاع… هذا اللحن الذي أسره حد رفع حاجبيه من على عينيه المغمضتين، وعض شفته السفلى، وهو المستلق على الأريكة لحظتها، بيده المقلوبة على الجبين.
كانت دقائق كلها غوص في الذاكرة، رفقة الرائعة “فيروز”…
برهة، واستأنف حديثه قائلا بصوت رخيم: يا أخي عبداللطيف… لقد مرت الأيام مر السحاب، بل مر البرق الخاطف، وكأن الأمس لم يمض، وكأن التاريخ يعيد ذاته سبحان الله، لكن بسياقاته المختلفة؛ بين أركان هذه الجدران، وقبل سنوات جاوزت الأربعين عاما أو تزيد؛ سمعت هذا اللحن وغيره من العظيمة “فيروز” رفقة الوالد، رحمه الله، أنصتنا له من قلب مذياع صغير، جميل، أخضر اللون… على أثير الإذاعة الوطنية.
هنا، ذات صباح أو مساء لا يهم الزمن، المهم أنها لحظات رائعة بصبحها ومساءها، متى ما كان الجلوس أمام حضرة الوالد، حيث الحكمة تصقل أمثلة موزونة المعنى، والغاية منها تنسج قافية. لقد كان جلوسنا بلِحاف الصمت الهادئِ المهيب، وكأننا نحرس لحظة مقدسة، طقوسها حصير على الأرض، ومائدة صغيرة مستديرة، تتوسطها صينية شاي، برائحة غابت اليوم وغاب مذاقها السبعيني…
صمت قليلا، ثم أردف قائلا:
آه يا أخي، إن أعادوا لك لحن “فيروز” اليوم وغدا، فمن يعيد لك أهله وجلساءه الاخيار؟
كان الوالد، رحمه الله، محبا للمعرفة، دائم السؤال عن أحوالي الدراسية بجامعة محمد الخامس. وبقدر ما أحبّ المعرفة، كان يُلح عليّ بإكمال مساري الأكاديمي، بجديةٍ لا تقبل التراجع؛ فقد كنت أتحسس فيه اعتزازه بكوني طالب جامعي، أكثر من اعتزازي بنفسي، يومها.
جميل الحديث، بذاكرة حمالة للمحكيات، صفحاتها لا تبلى… طيب الأنس حين ينطلق سرده، دقيق الأحداث خصوصا ما ارتبط منها بالقديم من زمنه، حافظا لأيام طفولته بكل تفاصيلها التي عاش عليها بأرض دكالة، وبمرحلة شبابه التي أفناها كدًّا وجهدا واجتهاد بمعمل “مافاكو” بالحاضرة القنيطرة.
أذكر أني جالسته يوما كما هي اللحظة الان، وأذكر أنه مازحني حديثا بأحد الطرائف التي وقعت له رفقة صديقه “با الذهيبي”؛ فحينما هما بالعودة من المعمل مشيا على الأقدام رفقة دراجتهما الهوائية، وحين وصولهما في طريق العودة ضفاف (المرجة)، لمحا سيدة تتقدمهما بلحافها الأبيض الذي كان يسترها من رأسها وحتى قدميها؛ لحظتها، أشار الولد مازحا بطعم الجد قولا: يا صاحبي إن السيدة تلك التي تسبقنا مشيا، هي “جنية الحظ”، مقنعا إياه أنها فرصة العمر كي يطلب منها ما شاء من حظ الدنيا.
فما كان من صديقه “با الذهيبي” إلا أن هرول إليها هاتفا “يااا عيشة، وااا…” فإذا بها إحدى الجارات، ليجد الوالد خلفه ضاحكا من مزحته له…
ابتسمت حينها لجمال الطرفة، ولحسن صقلها من لدن أخي محمد، “رحمه الله”؛ فعلمت أنني سأحملها حلقة في الذاكرة كمروية، سأقصها ذات يوم على أنغام “فيروز” لصغيرتي لجين… بعد أن يغوص بي لحن المعزوفة حينها، من المستقبل الى هذه اللحظة التاريخية، يومها.
نعم، هكذا هي الحياة أيتها العظيمة فيروز، لا نرجع كما كنا، بل نرجع بما تبقى فينا من حنين.
سنرجع يوما… لكن، في ذاكرة اللحن.
قاص من الغرب
مدارات الثقافية مجلة محكمة شهرية تعني بالشأن الثقافي